من يدخل أي مشروع، غالبا يواجه صعوبات، مما يحفز طاقته الذهنية، وروحه البدنية والمعنوية، ويدعوه لمفاهيم لم يكن ذا صلة بها كما يجب، من مثل: الانضباط، المسؤولية، الدقة والتركيز، حفظ الوقت، الترتيب والتنظيم، تقديم الأهم فالمهم، إزاحة الفضول وإضافة الأصول، قطع العوائد والعلائق، واستثمار التعب والفكر والعقول والمجهود والطاقة فيما ينفع.
يتجه النظر - بعد اتجاه الأفكار - في إصابة الهدف المحدد، تعب مستمر، إرهاق مضني، تفكير مركز، جهد منضبط، مسؤولية علمية عقلية حركية إبداعية، تضحية ونشاط، همة متجددة، وفكر متقد، وقلم سيال، ماذا تصنع بالهوامش وأنت في معمة مشروع؟
أعتقد جازما لا يحفز الإنسان على طلب الخلود إلا بانخراطه وإلا بانشغاله في مشروع، أو قضية، أو عمل، علمي فكري تجاري بدني، المهم يشغل نفسه بالمفيد من الأعمال والمشاريع، عندها تزدهر الحضارة، وترتفع قليلا من واقعنا تلك الصور البائسة التي رسمها الإعلام وبرامج الهزل ومسرحيات التنكيت على المعلم والمدرسة والعلم والتعليم...تخبو تلك المظاهر المشوهة في كثير من الشوارع والأزقة، شباب يتسكعون، ونساء يتمايلن ويتضاحكن، خمول مميت، وخلق مقيت، فحش وفجور، سكارى بخمر العطالة والبطالة، لقد أنتجوا، نعم، أنتجوا كل فكر منحرف، وكل مسار معوج، إنها البطالة وما تصنع!
ماذا تريد من رجل عاطل عن العمل والعلم وإنتاج المفيد؟
ماذا تنتظر من شباب لم يجدوا من يستقطب مواهبهم وينتشلهم من أوهامهم وينجيهم من أحلامهم التي لا تتحقق إلا في "المدينة الفاضلة"؟!
ماذا تريد - بالله عليك - من شباب أسكرتهم خمرة الشهرة والمشاهير، وذوبوا - بفعل الإعلام والإعلاميين وقنوات الدجل والتدجيل والزيف والتزييف - فلم يولوا وجوههم شطر الحقيقة وذهبوا يبحثون عن "المعنى" في "الغناء" و "الأفلام" و "المسلسلات" و "لعب الكرة ومشاهدتها"، وتتبع آثار "مشاهير الفلس والإفلاس" و "كلاب المال" و "صيادي الأضواء"، الذين هم بالفعل "عبدة المال"؟ ماذا تريد من شباب لم يوجه ولم يحتضن إلا أن يَضل ويُضل، ويَغوي ويُغوي، ويجهد حثيثا في ركاب الغرب والشرق باحثا عن سراب لا يتجلى إلا في "المتعة الزائفة"، وعندما لا ينفع الندم يقف على الحقيقة الأبدية - إن أراد الله به خيرا وأفاق -: لا سعادة ترتجى في غير أكبر سبب للسعادة - كما أراه في القرآن - ألا وهو الإيمان بالله وعمل الصالحات. بعد فوات الأوان كثيرا ما تتضح الحقائق، ولكن هل ينفع الإيمان وقد فات أوان القبول؟
إنني أدعو نفسي أولا ثم أدعو كل باحث عن "المعنى": اسأل نفسك أولا: من أنا؟ ما منهجي في الحياة؟ ما هي مصادر المعرفة التي أستقي منها منهجي وفكري وعلى ضوئها أدأب في عملي ومشروعي؟ هل أنا فعلا مؤمن من الداخل بمبادئي؟ أنا رجل حقيقة أم رجل الموجة والموضة والإعلام والضوضاء والشهرة والغوغاء؟ هل أنا قابل للتسليع في يوما ما؟ هل أملك إصلاح نفسي؟ ما هي خطتي في إصلاح نفسي؟ هل أنا مؤمن بإصلاح الآخرين؟ ما هي الأدوات التي تؤهلني لإصلاح نفسي والآخرين؟ هل أنا هو أنا أم أنا غير أنا؟
أسئلة كثيرة محيرة، لكن المؤمن لا يختار، لأنه قد اختار، اختار الله ورسوله صلى الله عليه وسلم وكتابه، واختار الإيمان، فمن يقف في وجه الإيمان بالله حقا إلا مخذول؟!
أنا سألت، وتركت السؤال موجها لكل طالب علم وشاد للمعرفة، ها أنا أكتب - والله - ليس تحضيرا أوليا للكتابة، فأنا الآن أكتب في "الواتس" ردا على أحد الأصدقاء، أردت الرد في سطر أو سطرين، فطال على هيئة مقال هذا الكلام وما أردت، وهل شيء أتعبني غير الكلام؟ وهل شيء أقلقني غير التفكير الزائد في مشاريعي وأعمالي؟
على كل، لا أرى للإنسان شرا من أن يكون خليا من العمل، فمن كان خليا من العمل، فعليه أن يتدرع بالصبر الكبير في مواجهة القلق والوساوس والأفكار، لا حل للإنسان غير العمل والعمل فحسب، وللإنسان في الحيوان أسوة وقدوة لو عقل!
خلاصة الحديث:
منهجي في الحياة استقيته من قرءان ربي، وسنة نبيي محمد صلى الله عليه وسلم وصحابته الكرام رضوان الله عليهم أجمعين، وأصحاب القرون الثلاثة المفضلة، ومن سار على دربهم إلى يوم الناس هذا، كتاب وسنة، بفهم سلف الأمة.
وأعتقد اعتقادا جازما أن العربي يجب عليه أن يفتخر بعربيته مثلي، وأن ينظم في مدحها الأشعار، ويكتب في تبجيلها النثر ما استطاع المداد وجاد به حبل الأفكار، وأن ينتمي علما وعملا ودعوة، سرا وجهرا لعروبته وعربيته وماضيه وتاريخه، ولا يشغبن عليه الصغار بقولهم: ماض وانتهى! لا، الكبار لا يموتون، والماضي لا يفنى، والخلود للحقيقة، الخلود للطهر، الخلود للمبادئ والقيم الإسلامية وإن تقادم عهدها، وبعد أمد تاريخها، فليتهم يعلمون إذ يتكلمون، وليتهم يسكتون إذ لم يكونوا يعقلون...
ومنهجي إصلاح نفسي بكتاب ربي وسنة رسوله محمد عليه الصلاة والسلام، وإصلاح مجتمعي وأمتي حسب الوسع وفي حدود الطاقة، خاصة فيما أبدع فيه من شعر ونثر وتأليف، ونشر للعلم والمعرفة والثقافة والأدب والفكر...
منهجي الذي أجد فيه متعتي "العلم والتعليم"، "القراءة والكتابة"، "التثقف والتقيف"، كل ما له صلة بمفردات العلم ومفردات الثقافة ومفردات الكتاب والكتابة والقلم...أنا بالمختصر المفيد: طالب علم، عاشق معرفة، هائم في بطون الكتب، لا أومن بغير العلم والتعليم، والثقافة والتقيف، والقلم والكتاب والكتابة، وأرى أس الحضارة وقوام الإنسان وجوهر الوجود قائم على ذلك المكنون الطاهر المجيد "العلم"، فسبحان الذي من أسمائه الحسنى "العليم"...
الموضوع طويل وشائك، نكمل لاحقا بحول الله...
بقلم/
عبدالرحمن بن مشعل بن حضيض العوفي الحربي.
طبرجل- الأحد- ١٤٤٧/٧/٨.
Abdurrahmanalaufi@gmail.com
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق