الأربعاء، 27 مايو 2026

قيد الخاطر- (لم أجد أجدى من التركيز)

خواطر- (لم أجد أجدى من التركيز)

اطلعت على بعض المجالات "الخيول، المنتجعات، الأغنام، الدجاج والبيض، الخضروات، العقارات، التجارة الإلكترونية، الأسهم"، في قائمة تطول، ولم أجد فعلا أجدى علي وأنفع للأمة من التركيز، التركيز في مجال واحد، وتوجيه الطاقة وجميع القدرات نحوه، للإفادة والاستفادة، وغير هذا القول إنما هو ضرب من الجنون، ونوع من الخبال.
والتركيز الذي يعنيني في مجالي هو شيء واحد لا غير، قد تحدثت عنه من قبل فقلت: "مشروعي العلم والتعليم، ونشر ثقافة القراءة والكتابة الإبداعية"، وذلك عبر منصات، ودورات، وجمعيات، ومسارات متعددة، كلها تصب في حوض واحد وهو نفع الأمة في المجال العلمي والثقافي والأدبي.
الكثرة أحيانا مرهقة، والتشتت أحيانا قاتل، ولا أجدى من تركيز المرء على هدف محدد، ومن ركز؛ لا بد أن يصيب، هذه سنة كونية، وقاعدة مطردة، ولا عبرة بالشاذ والمستثنى. 
هذه خاطرة سريعة، جاد بها قلم الجوال، في أول أيام عيد الأضحى المبارك، كتبتها لموقف صار معي قبل أمس، فأشغل بالي، ووجدت أن كثيرا من الفرص والمجالات تطاردني، لكن علي أن أبحث عن الأجدى والأنفع، والأنسب لي، وما هو الشيء الذي ينسجم مع أهدافي ومبادئي، فأميز وأمحص، وإلا، كان الشك طريقا لي في الحياة، وليس بغريب أن يموت كثير على الشك، لأنه في اعتقادي وتصوري كثيرون هم الأناسي الذين يسيرون في الحياة سبهللا، كيفما اتفق، بلا خطط ولا أهداف، وليس عندهم رؤية ولا منهجية منضبطة، للأسف أقول هذا عن كثير من المسلمين والعرب، وإذا نظرت للضفة الأخرى البعيدة رأيت ملاحدة الصين واليابان منضبطين في الوقت والجد والعلم والعمل، ولأن المدخلات صحيحة، فمخرجاتهم صحيحة، أعلم أن ذلك في مجال الدنيا والمادة، ولكن أليس الأليق والأجدر بالمسلمين هو هذا؟ أن يكونوا الرقم الصعب في معادلة العلم والعمل، والجد والانضباط وحفظ الوقت واستثماره في الصالح العام؟!.
كان المسلمون في القرون الأولى إلى عهد قريب هم الحكام والأسياد في العالم، وهم الأقرب إلى روح الشريعة، وكانت أوربا في ظلام دامس، وجهل مطبق، فانظر كيف انقلبت الآية، وتبدلت الأحوال، والسنة الكونية: لا يغير الله حال المسلمين إلى الأفضل، حتى يغيروا هم نفوسهم مما هم فيه من سوء إلى حسن أو أحسن، وكلما جددوا لنعم الله شكرا، جدد الله لهم منه نعما أخرى، وعزا ونصرا، والله هو صاحب الفضل والإحسان، لكن وجب الرجوع، وآنت التوبة، وحان الخضوع، حبا وخوفا ورجاء، وإلا؛ فلا ننتظر غير ما حل بمن قبلنا من الأمم السالفة في القرون الغابرة من العقوبات، وأليم الفواجع والكوارث والحسرات. 

بقلم/
عبدالرحمن بن مشعل بن حضيض العوفي الحربي. 
المدينة- الأربعاء- ١٤٤٧/١٢/١٠.
Abdurrahmanalaufi@gmail.com

الثلاثاء، 26 مايو 2026

فوائد فقهية- (أيام النحر)

فوائد فقهية- (أيام النحر)

قال ابن قدامة (المغني، التركي، دار عالم الكتب، ٣٨٦/١٣):
"فتكونُ أيامُ النَّحْرِ ثلاثَةً؛ يومُ النَّحْرِ، ويَوْمان بَعْدَه. 
وهذا قولُ عمرَ، وعلىٍّ، وابنِ عمرَ، وابنِ عبّاسٍ، وأبى هُرَيْرَةَ، وأَنَسٍ. قال أحمد: أيَّام النَّحْرِ ثلاثَةٌ، كما غيرِ واحِدٍ من أصحاب رسولَ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-. 
وفى رِوايَةٍ، قال: خَمْسَةٌ من أصحابِ رسولِ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-. ولم يذْكُرْ أَنَسًا. 
وهو قولُ مالِكٍ، والثَّوْرِىِّ، وأبى حنيفةَ. 
ورُوِىَ عن علىٍّ، آخِرُه آخِرُ أيَّامِ التَّشْرِيقِ. وهو مذهبُ الشافِعِىّ، وقولُ عَطاءٍ، والحسنِ؛ لأَنَّه رُوِىَ عن جُبَيْر بنِ مُطْعِمٍ، أَنَّ النَّبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- قال: "أَيَّامُ مِنًى كُلُّها مَنْحَرٌ".
 ولأَنَّها أيَّامُ تكْبِيرٍ وإفْطارٍ، فكانت مَحَلًّا للنَّحْرِ كالأَوَّلَيْن.
 وقال ابنُ سِيرِينَ: لا تجوزُ إلَّا فى يومِ النَّحْرِ خاصَّةً؛ لأنَّها وَظِيفةُ عِيدٍ، فلا تجوزُ إلَّا فى يومٍ واحدٍ، كأداءِ الفِطْرةِ يومَ الفِطر. 
وقال سعيدُ بن جُبَيْر، وجابِرُ بنُ زَيْدٍ، كقولِ ابنِ سِيرِينَ فى أهلِ الأمْصارِ، وقَوْلِنا فى أهلِ مِنًى.
 وعن أبى سَلَمَةَ بنِ عبدِ الرحمن، وعَطاءِ بنِ يَسارٍ: تجوزُ التَّضْحِيَةُ إلى هلالِ المُحَرَّمِ.
 وقال أبو أُمامةَ بنُ سَهْلِ بنِ حُنَيفٍ: كان الرجلُ من المسلمين يَشْتَرِى أُضْحِيَةً، فيُسَمِّنُها حتى يكونَ آخِرُ ذى الحِجَّةِ، فيُضَحِّىَ بها. رواه
الإِمامُ أحمدُ، بإسْنادِه. 
وقال: هذا الحَدِيثُ عَجِيبٌ. 
وقال: أيَّامُ الأَضْحَى التى أجْمِعَ عليها ثلاثَةُ أيَّام. 
ولَنا، أَنَّ النَّبِىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- نَهَى عن ادِّخارِ لُحومِ الأَضاحِى فوقَ ثلاثٍ. 
ولا يجوزُ الذَّبْحُ فى وقتٍ لا يجوزُ ادِّخارُ الأُضْحِيَةِ إليه، ولأن اليومَ الرابعَ لا يجبُ الرَّمْىُ فيه، فلم تَجُزٍ التَّضْحِيَةُ فيه، كالذى بَعْدَه، ولأنه قولُ مَن سَمَّيْنا من الصحابَةِ، ولا مُخالِفَ لهم إلَّا رِوايَة عن عَلِىٍّ، وقد رُوِىَ عنه مثلُ مَذهَبِنا، حدِيثُهم إنَّما هو: "ومِنًى كُلُّها مَنْحَرٌ". ليس فيه ذِكْرُ الأيَّامِ، والتَّكْبِيرُ أعمُّ من الذَّبْحِ".
وقال ابن عثيمين عليه رحمات رب العالمين (الشرح الممتع، دار ابن الجوزي، ط١، ٤٦٠/٧):
"ولكن أصح الأقوال: أن أيام الذبح أربعة، يوم العيد، وثلاثة أيام بعده، والدليل على هذا ما يلي:
أولاً: أنه قد روي عن النبي ﷺ أنه قال: «كل أيام التشريق ذبح» وهذا نص في الموضوع، ولولا ما أعل به من الإرسال والتدليس لكان فاصلاً في النزاع.
ثانياً: قول النبي ﷺ: «أيام التشريق أيام أكل وشرب وذكر لله عز وجل »، فجعل حكمها واحداً أنها أيام أكل لما يذبح فيها، وشرب، وذكر لله عز وجل. 
ثالثاً: أن هذه الأيام الثلاثة كلها تتساوى في تحريم صيامها لقول عائشة، وابن عمر رضي الله عنهما: «لم يرخص في أيام التشريق أن يصمن إلا لمن لم يجد الهدي».
رابعاً: أن هذه الأيام الثلاثة كلها أيام لرمي الجمرات، فلا يختص الرمي بيومين، بل كل الأيام الثلاثة.
خامساً: أنها كلها يشرع فيها التكبير المطلق والمقيد، أو المقيد على قول بعض العلماء، ولم يفرق أحد من العلماء فيما نعلم بين هذه الأيام الثلاثة في التكبير، فهي مشتركة في جميع الأحكام، وإذا كان كذلك فلا يمكن أن نُخْرِجَ عن هذا الاشتراك وقت الذبح، بل نقول: إن وقت الذبح يستمر من بعد صلاة العيد يوم النحر إلى آخر أيام التشريق.
وهذا هو القول الذي اختاره شيخ الإسلام ابن تيمية، وهو رواية عن الإمام أحمد رحمه الله".

بقلم/
عبدالرحمن بن مشعل بن حضيض العوفي. 
المدينة- الأربعاء- ١٤٤٧/١٢/١٠.
Abdurrahmanalaufi@gmail.com

شذرات من بطون الكتب- (تقبل الله منا ومنك)

شذرات من بطون الكتب- (تقبل الله منا ومنك)

قال ابن قدامة (المغني، ٢٩٤/٣، تحقيق التركي، دار عالم الكتب):
"فصل: قال أحمدُ، رَحِمَهُ اللهُ: ولا بَأْسَ أن يقولَ الرَّجْلُ لِلرَّجُلِ يَوْمَ العِيدِ: "تَقَبَّلَ اللهُ مِنَّا ومِنْكَ".
وقال حَرْبٌ: سُئِلَ أحمدُ عن قَوْلِ النّاسِ في العِيدَيْنِ: "تَقَبَّلَ اللَّه مِنَّا ومِنْكُم"، قال: لا بَأْسَ به، يَرْوِيه أهْلُ الشَّامِ عن أبي أُمَامَةَ. 
قيل: ووَاثِلَةَ بن الأسْقَعِ؟ قال: نعم. قِيلَ: فلا تَكْرَهُ أنْ يُقالَ هذا يَوْمَ العِيدِ. قال: لا. 
وذَكَرَ ابنُ عَقِيلٍ في تَهْنِئَةِ العِيدِ أحادِيثَ، منها، أن مُحمدَ بن زِيَادٍ، قال: كُنْتُ مع أبى اُّمَامَةَ البَاهِلِيِّ وغيرِه من أَصْحَابِ النَّبِيِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-، فكانُوا إذا رَجَعُوا من العِيدِ يقول بَعْضُهم لبعضٍ: "تَقَبَّلَ اللهُ مِنَّا ومِنْكَ".
وقال أحمدُ: إسْنَادُ حَدِيثِ أبى أُمَامَةَ إسْنادٌ جَيِّدٌ. 
وقال عليُّ بن ثَابِتٍ: سألتُ مالِكَ بنَ أَنَسٍ منذُ خَمْسٍ وثلاثِينَ سَنَةً، وقال: [لم نَزَلْ نعْرِفُ] هذا بالمَدِينَةِ. 
وَرُوِىَ عن أحمدَ أنَّه قال: لا أبْتَدِى به أحَدًا، وإن قالَه أحَدٌ رَدَدْتُه عليه".

بقلم/
عبدالرحمن بن مشعل بن حضيض العوفي. 
المدينة- الثلاثاء- ١٤٤٧/١٢/٩.
Abdurrahmanalaufi@gmail.com

الجمعة، 22 مايو 2026

قيد الخاطر- (الأصلي والمزيف من الناس)

قيد الخاطر- (الأصلي والمزيف من الناس)

يخيل إلي أن الناس كالقطع 
المعدنية، منهم الأصلي، ومنهم المزيف، وهكذا هي الحقيقة.
إنسان يصافحك بطرف أنامله، ولا ترى في عينيه ذلك الحب أو الشوق، أو حتى الاهتمام، أو لا يقوم لك، أو لا يقبل عليك بحديثه، أولا يحسن الإنصات إلى كلامك، أو لا يتبسم، وإذا تبسم، فابتسامة صفراء...
أو الوالد مع ولده، لا يظهر منه حب ولا شفقة، لا أحضان، ولا أحاديث، أطفال يكبرون ولا يبصرون أسنان والدهم البيضاء، أو قل الصفراء، المهم لا يبتسم معهم، فضلا عن الضحك، ولا يحضنهم، ولا يقبلهم، ولا يتحدث إليهم، وإن كان فعلى سبيل الندرة، والخشونة ملازمة له في طبعه في حديثه، وحدة نظره، إنه لا يحسن غير أن يحتد ويغضب ويخشن صوته...
زوج مع زوجه، لا أحضان ولا أحاديث حب وحنان، لا ابتسام ولا غرام، لا هدايا ولا لعب، ولا تقدير لأهل الطرف الآخر...
صديق مع صديقه، لا يقوم بالواجب، فضلا عن الفضل والمستحب، لا كلام طيب، لا أحضان ولا حب، ولا يقف معه في المواقف المحرجة، ولا يفيض عليه من حبه وجيبه، ولا يحفظ سره، ولا يحسن أن يتحدث معه أو في الإنصات له حين حديثه...
والمدير مع مرؤوسيه، معاملة وظيفية مرهقة، لا إنسانية، تعالي وكبر وخيلاء، والوجه مقطب الجبين، واليد لا تصل لليد حبا وسلاما، ولا تبادل شعور، لا سؤال عن النفس والمال والزوج والولد، والسؤال لا يكلف شيئا، لكن المروءة غالية، ولها أهلها...
وشيخ يدعي التدين، كث اللحية، قصير الثوب، لكنه مؤذي بلسانه، وأخلاقه ليست أخلاق القرآن، تلمح في نظراته وفعاله ما يدل على كمية مهولة من عدم الرحمة، أو الجهل المغطى بالعلم زورا وبهتانا، ولا تكاد تسمع كلمة طيبة، أو ترى فعلا حسنا، إلا اللهم تلك اللحية، وذلك الثوب!...
جميع ما سبق مزيف، أو زيف، والفناء للزيف...
أما الحق، أما الحقيقة - والخلود للحقيقة - فتماما مباين لأمثلة ونماذج ذلك الزيف، أخلاق عالية، وخلال غالية، مروءة نفس، وزكاة روح، وذكاء عقل، والدين يختصر تلك المعاني جميعا، فتصرفات المرء تجمل بالدين، وتقبح بالجهل، ولا تجد في الناس صاحب نبل وفضل وخلق غالبا إلا وجدت في دينه استقامة.
وأنا محدثك: لا أميل ولا أعجب ولا أحب إلا صاحب الخلق الحسن، بغض النظر عن أي شيء آخر.
الكثير لا يعقلون من الدين سوى الركوع والسجود، واللحية والثوب، "مظهريون"، أو "صوريون"، أما أرباب الحقائق، أما أهل البصائر، فهم يعيشون الدين واقعا، ويرونه منهج حياة، ويعلمون أن أصله العقيدة، والعقيدة والأخلاق لا ينفكان عن بعضهما البعض، ولن تدعو الناس بدينك دون أخلاق، فمهما كنت على حق في العقيدة، فلن يقبلوا منك حتى يروا أخلاقك، وأكبر منفر عن الدخول في الإسلام هو ما يراه الآخرون من أخلاق سيئة، لأن الأخلاق واجهة العقيدة، هكذا أتصور المسألة، أو هي هكذا في ذاتها.
ولذا امتدح الله جل جلاله نبيه محمدا صلى الله عليه وسلم بقوله: (وإنك لعلى خلق عظيم)، وقال: (فبما رحمة من الله لنت لهم...).
وإنني آسف كثيرا على قلة المعتنين أو ندرة المهتمين بهذا المجال - مجال الأخلاق -، فندر ما تجد محاضرات أو كلمات أو ندوات أو كتبا تتحدث بإسهاب وتفصيل وتدقيق في هذا الموضوع الخطير، وقليل من ترى يهتم بأخلاقه، كأنه يقول: أنا طبعي هكذا، تربيتي هكذا، هكذا أعيش، وهكذا أموت، يقولها بلسان حاله، لا بلسان مقاله، وبعضهم يصرح بها ولا يجمجم!، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم. 
تستر بالسخاء فكل عيب * يغطيه كما قيل السخاءُ

بقلم/
عبدالرحمن بن مشعل بن حضيض العوفي. 
طبرجل- السبت- ١٤٤٧/١٢/٧.
Abdurrahmanalaufi@gmail.com

(رسالة حب إلى صديقي مجيد)

(رسالة حب إلى صديقي مجيد)

لأنني قبل وبعد، في المبتدأ، وفي المختتم، في شروق الشمس، وعند غروبها، في صحوي ويقظتي، في أشد حالاتي انكسارا، وفي أعمقها شعورا بالطمأنينة، لا يكد خاطري، ولا يتعب عقلي، ولا يتيه قلبي حين أردد بهمس أو دون الهمس - حتى لا أوصم بجنون، ولا تنتقل الغيرة إليك، أي الحسد، لأن الناس ما أشد قسوتهم حين تشتد المنافسة على أي شيء! -، أردد بشهيق وزفير متتاليين، وفي كل ذرة من جسمي قشعريرة من حبك: أحبك يا...يا...يا...أنت، تلميحا لا تصريحا، حتى لا تروعك الأعين الحاسدة، فأنت حبي وشوقي والهيام، عليك السلام، عليك السلام، وإن بعدت الأجسام، فاللقاء مع الأحبة قريب، فأنت جمع وإن كنت المفرد الأشم، وأنت عقلي وعاطفتي، شوقي وغضبي، روحي وروحك انصهرا في بوتقة هي "الحب"، ألا ما أقسى هذا الحب!.
لا أتصور هذا الوجود بغير سكون أو بغير حب، ما حاله عندئذ؟ ما مغزى العيش من دون هذا الحب؟
أقول لكم بصراحة:
إن الحب هو خبزي وإيدامي، طعامي وشرابي، نومي ويقظتي، قراءاتي وكتاباتي، شعري ونثري، أنا الحب، والحب أنا، والسلام إلى من يعرف كيف يعيش مع الآخرين بسلام.
سلام إلى روحك الطاهرة، سلام إلى نفسك الراقية، سلام إلى عيونك الهامسة، سلام إلى قلبك النقي، ووجهك البهي، أخي وصديقي وحبيبي "مجيد".

محبك وحبيبك/
عبدالرحمن بن مشعل بن حضيض العوفي. 
طبرجل- الجمعة- ١٤٤٧/١٢/٦.
Abdurrahmanalaufi@gmail.com

شذرات من بطون الكتب- (فن اللا مبالاة)

شذرات من بطون الكتب- (فن اللا مبالاة)

كنت في "مكتبة جرير"، وهي من أكبر المكتبات التجارية في المملكة العربية السعودية، وأغلب أرباحها من الأجهزة والإلكترونيات، وليس من الكتب، كما صرح مديرها، رحمه الله رحمة واسعة وأسكنه فسيح جناته وأعقب له في ذريته خيرا كثيرا. 
كنت ذاهبا إليها لشراء كتاب د. عائض بن عبدالله القرني وفقه الرب العلي "لا تخف"، ولكن شاء ربك أن أشتري بعض الكتب الأخرى. كنت قد تذكرت لقاء القرني في "بودكاست"، وهو لقاء ماتع فريد، تحدث فيه وأسهب، ومن نصائحه في الكتب: نصح بكتب قيدتها عنه، ومنها "فن اللا مبالاة"، مؤلفه أميركي، هو "مارك مانسون"، فكان هذا الكتاب من مشترياتي القيمة في الحقيقة، كنت ذاهبا لشراء كتاب واحد فقط، فخرجت وبحوزتي ما لا يقل عن خمسة كتب، وبعضها مكرر لبعض الأصدقاء، وكتب لابنتي فرات، مؤنستي وغاليتي، حفظها الله وجميع بنات المسلمين، آمين.
المهم، قرأت هذا الكتاب "فن اللا مبالاة" (تأليف/ مارك مانسون، ترجمة/ الحارث النبهان، منشورات الرمل، ط١١، ٢٠٢٤، الصفحات: ٢٧٢)؛ بل بدأت بقراءته من أوله في طبرجل في يوم السبت، بتاريخ ١٤٤٧/١١/٢٢، وفرغت منه في يوم الجمعة، بتاريخ ١٤٤٧/١٢/٦، في طبرجل أيضا، في تمام الساعة الواحدة في منتصف الليل، في مكتبتي الخاصة بطبيعة الحال، ولله الحمد.
وهنا بعض الشذرات من هذا الكتاب الذي أنصح به فعلا لمن أراد تطوير ذاته، وإن كان فيه بعض العيوب التي لا يليق ذكرها، وذكره بعض القصص لا يعجبني.
فإلى الشذرات:
١- المفتاح لحياة جيدة: الاهتمام المقتصر على ما هو حقيقي آني، هام. ١٣، بتصرف. 
٢- عدم الإفراط في الاهتمام؛ هو ما سينقذ العالم. ١٦.
٣- المشكلة مع الأشخاص الذين يبالون بأشياء متعددة أكثر مما يجب؛ هي أنه ليس لديهم شيء أكثر جدارة وقيمة يكرسون اهتمامهم له. ٢٨.
٤- إن القلق وعدم الرضا جزءان أصيلان من الطبيعة البشرية، وهما مكونان ضروريان لخلق سعادة مستقرة. ٣٩.
٥- الألم في أشكاله كلها هو الوسيلة الأكثر فعالية لدى أجسادنا من أجل دفعها إلى الفعل. ٤١.
٦- تأتي السعادة من حل المشكلات. ٤٥.
٧- كثير من الناس يفسدون حل المشكلات بأمرين: 
* أ- الإنكار.
* ب- ذهنية الضحية. ٤٦، بتصرف. 
٨- السعادة تتطلب نضالا من أجلها، إنها ثمرة مصارعة المشكلات. ٥٣.
٩- والظاهر أن في التكنولوجيا الحديثة ما يسمح لإحساسنا بعدم الأمان أو بقلة الأمان أن يزداد زيادة مسعورة، لم نعرفها من قبل. ٧٩.
١٠- قيمنا تحدد طبيعة مشكلاتنا، وطبيعة مشكلاتنا؛ تحدد جودة حياتنا. ٩٧.
١١- المنفعة شيء عظيم، لكنها قيمة شديدة السوء إذا وضعت أولويات حياتك وفقا لها. ١٠٩.
١٢- المعنى الحقيقي ل "تطوير الذات": وضع القيم الأفضل في موضع الأولوية، واختيار أشياء أفضل؛ لكي تمنحها اهتمامك. ١١٧.
١٣- خمس قيم قادرة على تغيير حياة المرء:
* تحمل المسؤولية.
* اللا يقين.
* الاستعداد لاكتشاف الأخطاء ونقاط الضعف، والعمل على تحسينها.
* الرفض، وقول لا، والاستعداد لسماعها. 
* التأمل في حقيقة الموت وعدم الخلود. ١١٨، بتصرف. 
١٤- قبولنا بالمسؤولية عن مشاكلنا؛ خطوة أولى في اتجاه حلها. ١٢٧.
١٥- المسؤولية عن مشكلاتنا؛ هو المكان الذي يأتي منه التعلم الحقيقي. ١٣٤، بتصرف. 
١٦- علينا أن ننتقي معاركنا بعناية وانتباه، وأن نحاول في الوقت نفسه أن يكون لدينا شيء من التفهم للآخر، أي لذلك الذي ندعوه عدوا. ١٤٥.
١٧- لسنا مطالبين بأن نعثر على الإجابة الصحيحة صحة مطلقة فيما يتعلق بأنفسنا، بل علينا أن نبحث عما نحن مخطئون فيه اليوم، فنتخلص منه، حتى نستطيع أن نكون مخطئين أقل يوم غد. ١٥٢.
١٨- إن الكثير من قيمنا، بل حتى معظمها، منتجات لأحداث لا تمثل العالم كله، أو هي ناتجة عن ماض نسيء فهمه إساءة تامة. ١٥٨.
١٩- كلما ازداد اعترافنا بأننا لا نعرف؛ كلما ازدادت فرصتنا في النجاح في اكتساب المعرفة. ١٧٣.
٢٠- يقول أرسطو: "من مزايا العقل المثقف: أنه قادر على التأمل في فكرة من الأفكار، من غير أن يقبلها". ١٨٢.
٢١- الفشل طريق التقدم. ١٨٧.
٢٢- يقوم تطور كل شيء على آلاف حالات الفشل الصغيرة. ١٩١.
٢٣- من أسباب الفشل المبكر:
* النظام التعليمي.
* الأهل كثيرو التطلب والانتقاد.
* الإعلام الجماهيري. ١٩٢، بتصرف. 
٢٤- أهم منجزات كثير منا، وأشدها إثارة لاعتزازنا؛ تحققت في مواجهة أشد الصعوبات. غالبا يجعلنا ألمنا أكثر قوة، وأكثر مرونة، وأكثر رسوخا. ١٩٦.
٢٥- الخوف والقلق والحزن غالبا ما تمثل الألم الذي لا بد منه؛ من أجل النمو النفسي والانفعالي...فلا بد للمرء من معاناة الألم الانفعالي حتى تتطور لديه مرونة انفعالية أكبر، وإحساس أقوى بالذات، وتعاطف أكبر مع الآخرين، أي حياة أكثر سعادة بشكل عام. ١٩٦، بتصرف. 
٢٦- القسم الأكبر من التغيرات الجذرية يحدث لدينا في نهاية أسوأ لحظات حياتنا. ١٩٧.
٢٧- لا يكون القيام بالفعل نتيجة التحفيز فقط، بل هو سبب لنشوء التحفيز أيضا. ٢٠٤.
٢٨- عندما يعتمد المرء مبدأ "افعل شيئا"؛ يصير لديه شعور بأن الفشل ليس بالشيء الهام. ٢٠٦.
٢٩- وإذا اكتفيت بجعل "فعل شيء ما" مقياسا لنجاحك؛ فلن يستطيع الفشل أن يفعل لك شيئا غير دفعك إلى الأمام. ٢٠٧.
٣٠- أكبر درس تعلمته من تجاربي: الحرية المطلقة لا تعني شيئا في حد ذاتها!. ٢١٢.
٣١- تتسم الثقافة الروسية بالصرامة والصراحة؛ خلافا للثقافة الغربية التي تعتمد التمظهر والمراوغة أسلوبا حياتيا متبعا. انظر: ٢١٥.
٣٢- علينا أن نرفض شيئا ما، وإلا فإننا نغدو من غير معنى. ٢١٧.
٣٣- يقوم الحب غير الصحي على وجود شخصين يحاولان الهرب من مشكلاتهما عن طريق العواطف والمشاعر تجاه أحدهما الآخر. ٢٢٣.
٣٤- عندما تكون لديك مساحتت غامضة تتعلق بالمسؤولية عن مشاعرك وانفعالاتك؛ فإنك تكون غير قادر أبدا على تطوير قيم قوية من أجل نفسك. ٢٢٥، بتصرف. 
٣٥- لا قيمة للأفعال الناجمة عن الحب إلا إذا جرى الإقدام عليها من غير شروط، ومن غير توقعات مسبقة. ٢٢٩.
٣٦- لا يخاف من لديه حدود قوية واضحة أن تحدث نوبات غضب مزاجية أو مجادلات، أو حتى بعض الألم. ٢٢٩.
٣٧- لا يمكن أن توجد ثقة من غير وجود نزاع. ٢٣١.
٣٨- حتى تكون العلاقة صحية معافاة يجب أن يكون طرفاها مستعدين لقول كلمة لا، ولسماع تلك الكلمة، وقادرين على قول كلمة لا، وعلى سماعها أيضا. ٢٣٢.
٣٩- الثقة أهم مكونات العلاقة؛ لسبب بسيط ألا وهو أن العلاقة من غير ثقة؛ لا تعني شيئا في واقع الأمر. ٢٣٢.
٤٠- وغالبا ما نكون أكثر سعادة بالأقل، لا بالمزيد!. ٢٣٦.
٤١- إن هذا القلق وهذه الرغبة في اليقين، وفي الوصول إلى الكمال وإلى النجاح؛ هي ما يجعلك شخصا غير سعيد. ٢٣٦.
٤٢- الالتزام يتيح لي بطريقته الخاصة كثرة وافرة من الفرص والتجارب التي لم يكن ممكنا أن تتوفر لي من غير وجوده. ٢٣٧.
٤٣- يمنحك الالتزام حرية، لأنك تكف عن التشتت والتلهي بما هو غير هام، وبما هو تافه، ولأنه يجمع انتباهك وتركيزك، ويسهل اتخاذ القرار، ويزيل أي خوف من الوقوع في الخطأ. ٢٣٨، بتصرف. 
٤٤- إن الالتزام يسمح لك بالتركيز الدقيق على حفنة من الأهداف ذات الأهمية الكبيرة، ثم بتحقيق قدر من النجاح أكبر مما يمكن أن تحققه بأي طريقة أخرى. ٢٣٩.
٤٥- إن رفض البدائل يحررنا، رفض كل ما هو غير منسجم مع أكثر قيمنا أهمية، ومع المقاييس التي اخترناها، إنه رفض الجري الدائم وراء الاتساع من غير عمق. ٢٣٩.
٤٦- عليك أن تلتزم بشيء ما، وأن تحفر عميقا حتى تصل إلى ذلك الذهب. هذا صحيح في العمل، وفي العلاقات، وفي بناء حياة جيدة لنفسك، إنه صحيح في كل شيء. ٢٣٩.
٤٧- ابحث عن الحقيقة لنفسك، وسوف أراك هناك. ٢٤٢.
٤٨- ولعل أسوأ لحظة في حياتي كانت أيضا تلك اللحظة التي حولتني أكثر من أية لحظة أخرى. ٢٤٧.
٤٩- ولولا وجود الموت؛ لبدا لنا كل شيء معدوم الأهمية، ولصارت القيم والمقاييس كلها صفرا. ٢٤٨.
٥٠- إن الحضارات البشرية كلها ليست أكثر من نتيجة لمشاريع الخلود. ٢٥١.
٥١- عدم الاهتمام بأي شيء على الإطلاق؛ يعادل الوصول إلى حالة شبه روحانية من قبول عدم دوام وجودنا نفسه. ٢٥٣.
٥٢- إن مواجهة حقيقة فنائنا أمر في غاية الأهمية؛ لأنه يزيل عنا كل ما في حياتنا من قيم تافهة سطحية هشة. ٢٥٩.
٥٣- الشعور الزائد بالاستحقاق؛ سم للروح. ٢٦١، بتصرف. 
٥٤- تخلط ثقافتنا اليوم بين النجاح العظيم واستقطاب انتباه عظيم، مفترضة أنهما شيء واحد، لكنهما ليسا شيئا واحدا. ٢٦٢.
٥٥- أنت عظيم بالفعل؛ لأنك قادر في مواجهة ما لا نهاية له من التشوش وفي مواجهة الموت المحتوم. ٢٦٢.
٥٦- هذا القبول لموتي، وهذا الإدراك لهشاشتي؛ هو ما جعل كل شيء أكثر سهولة، وهو ما جعلني أتخلص من كل إدمان كان عندي، وأحدد هويتي، وأواجه شعوري الزائد بالاستحقاق، وأقبل المسؤولية عن مشكلاتي. ٢٦٤.

بقلم/
عبدالرحمن بن مشعل بن حضيض العوفي. 
طبرجل- الجمعة- ١٤٤٧/١٢/٦.
Abdurrahmanalaufi@gmail.com

الأحد، 17 مايو 2026

شذرات من بطون الكتب- (المفرح والمفرج)

شذرات من بطون الكتب- (المفرح والمفرج)

جاء في كتاب "الأضداد لابن الأنباري عليه رحمة الرب العلي، المكتبة العصرية، نشر ١٤٠٧":
"والمُفْرَح حرف من الأَضداد؛ المفرَح المسرور، والمفرح المثقَل بالدين؛ قال النَّبِيّ صَلّى اللهُ عليه وسَلّم: (العقل على المسلمين عامّةً ولا يترك في الإسلام مُفْرَح).
 قال الأَصْمَعِيّ: 
المفرَح: المثقَل بالدين.
قال أَبو بكر:
 نصب عامة على المصدر، أَي يعمّهم عامّة يُقْضَى دينه من بيت المال إِذا لم يجد سبيلاً إِلى قضائه؛ يقال: قد أَفرحَ فلاناً الدَّيْن إِذا أَثقله؛ قال الشَّاعِر:
إِذا أَنْتَ لَمْ تَبْرَحْ تؤدِّي أَمانةً ... وتَحمِل أَخرى أَفرَحتْك الودائعُ
أَراد: أَثقلتك الودائع. 
ويروى: (ولا يترك في الإسلام مفرج)،  بالجيم، فالمفرَج: الرَّجُل يكون في القوم من غيرهم؛ فحقَّ عليهم أَن يعقلوا عنه.
وقالَ أَبو عُبيدة:
 المفرَج: أَن يسلِم الرَّجُل ولا يوالي أَحداً؛ يقول: فتكون جنايتُه على بيت المال؛ لأَنَّه لا عاقلَةَ له.
 وقالَ غيره: المفرَج: الَّذي لا ديوان له.
وقالَ آخرون: 
المفرَج القتيل يوجد بأَرض فلاة، لا يقرب من قرية ولا مدينة فيودَى من بيت المال ولا يبطل دمُه. 
ويقال: قد فَرِح الرَّجُل إِذا سُرَّ؛ فهو فَرِح، وفَرَّحته أَنا وأَفرحته؛ فهو مفرّح ومُفْرَح.
 ويقال: قد فَرِح، إِذا بطِر، فهو فَرِح إِذا كان أَشِراً؛ قال الله عزَ وجلّ: (إذْ قال لهُ قَوْمُهُ لا تَفْرَحْ إنّ الله لا يُحِبُّ الفَرِحين)، أَراد الأَشِرِين. 
وقال ابن أَحمر:
ولا يُنْسينيَ الحَدَثانُ عِرْضي ... ولا أُلقي من الفَرَح الإزارا
أَراد من المرَح. 
وقال الآخر:
ولستُ بمِفراحٍ إِذا الدَّهْر سَرَّني ... ولا جازعٍ من صَرْفِه المتقلِّبِ
وقال الآخر:
إِذا ما امْرُؤٌ أَثْنَى بآلاءِ مَيِّتٍ ... فلا يُبعِد الله الوليدَ بن أَدْهَما
فما كان مِفْراحاً إِذا الخيرُ مَسَّهُ ... ولا كان مَنَّاناً إِذا هو أَنْعَما
لَعَمْرُكَ ما وارَى الترابُ فَعالَهُ ... ولكنَّه وارَى ثياباً وأَعْظُما". ١٩٧.
قال أبو عبدالملك:
وهنا أتذكر بيت جرير:
أتصحو أم فؤادك غير صاحِ؟ * عشية هم صحبك بالرواح 
تقول العاذلات علاك شيب * أهذا الشيب يمنعني مراحي. 
كلمة "مراحي" هنا في بيت جرير أعجبتني للغاية - وهي من المرح، أي مرحي -، ونويت استخدامها في أمر ما، لا يحسن بي أن أبوح به الآن، ربما خلال أربعة أشهر قادمة أعلن عنه.
أسأل الله التوفيق والسداد للجميع.
بقلم/
عبدالرحمن بن مشعل بن حضيض العوفي. 
طبرجل- الأحد- ١٤٤٧/١١/٢٩.
Abdurrahmanalaufi@gmail.com