صحيح أنني - منذ الصغر - لم أجد التشجيع الملائم، والتحفيز المثمر، على العكس من ذلك تماما، النقد أعظم من الثناء والتحفيز، وتجاهل مواهبي أعظم من تنميتها فضلا عن الثناء عليها بصدق.
أقول هذا على الصعيد الأسري والأكاديمي أو المدرسي.
ثم قطعت تلك المراحل - على الرغم مما كان فيها من أمراض وعلل وأسقام -، وكان الحال فوق طاقتي، ولكنني سرت على الدرب، وأنا أعرف ما هي مواهبي وما هي مواضع تميزي وفرادتي، وهي "الكتابة والشعر والأدب"، شيئا فشيئا حتى رزقت لقاء شيخي وملهمي في الأدب والكتابة والشعر، الشيخ المؤلف الكاتب الأديب الشاعر محمد بن سعود الحمد التميمي وفقه الرب العلي.
أنا صريح مع نفسي ومع الآخرين إلى حد ما، وتروق لي هذي الصراحة صراحةً، فلذا أقول: إنني أعجبت من أول لقاء بشيخي وملهمي محمد بن سعود الحمد، أعجبت أولا بأخلاقه وحسن تأتيه وجميل تواضعه، وثانيا: بحلو ألفاظه، وكأنها العسل المصفى، بل هي العسل المصفى، ولا أزكيه على الله، وثالثا: لأنني وجدته أديبا صادقا في أدبه وعلميته وكتاباته، فالرجل صاحب علم وأدب جم، وخلق فخم، وتبا لمن لا تأسره الأخلاق الجميلة، وتبا مرة ثانية لمن لا يعترف بتواضع وإذعان وصدق جَنان لذوي الفضل والمروءات.
إنني لا أمدح شيخي ولا أثني عليه لأنه مدحني وأثنى علي، بل لأنني وجدته إنسانا فاضلا في نفسه، متوازنا في عقله، مؤصلا في فكره، ولذا لم تكن قصيدتي فيه إلا نابعة من صدق إحساس إنسان شاعر أديب، يعرف لذي الفضل فضله.
ومما قربني منه ثناؤه على العبد الفقير بما هو فيه، وقد كتبت يومياتي مع شيخي حفظه الله ورعاه، وفيها شيء من التفصيل، ونتف من البيان والتوضيح، ولكن أقول: من أول لقائي معه - حفظه الله ورعاه وسدد على سبيل الحق هداه - ترك أثرا، بل آثارا في نفسي، منها ما يتعلق بالعلم والشعر والأدب ذاته، ومنها ما يتعلق بنفس العبد الفقير، وأنا هنا الآن لن أتكلم عن علمية الرجل وأدبه وشعره ونثره واطلاعه ورحلاته إلى 'مصر المحروسة" ولقاءاته مع الأدباء الكبار والصحفيين والشعراء، مثل: عبدالوهاب مطاوع، ومحمد حسنين هيكل، والشاعر الكبير أحمد بخيت، والمفكر الكبير عبدالوهاب المسيري، وصاحب جائزة نوبل في الأدب نجيب محفوظ، وغيرهم، لا لن أتكلم عن هذه الحيثية، ولكن سأتكلم عن كلامه عن نفسي أنا، نفسي الضعيفة، وذاتي المهينة، لقد قال كلاما كثيرا محصله: أنت (مشروع أديب كبير، ولديك التدفق في الكتابة).
وفي يوم الثلاثاء الماضي، بتاريخ ١٤٤٨/٤/١٨؛ كتبت في يومياتي:
في هذا اليوم علق شيخي محمد بن سعود الحمد وفقه الله على مقالي "صدام والاعتبار" بقوله: (والله ما شاء الله عليك، إن عقلك يا شيخ عبدالرحمن أكبر من عمرك".
وعلق على مقالي الآخر "هو أنا" بقوله: "لله درك يا أبا عبدالملك، سبحان من أعطاك، مرة مرة بسميك الأديب الصادق، مقال جميل جميل جميل، وإن كان الناس ما يحبون الصراحة للأسف، لكن الصراحة عدة الأديب، والصدق. لكن ودي وأنت حر، كلمة "والد يسطو على ولده" الكلمة هذي بس.
أنت ستصبح مدرسة خاصة في الكتابة، إذا قرئ كلامك بيقولون هذا "عبدالرحمن بن مشعل").
وعلق على مقالي "ضريبة الطيب" بالآتي: "بسم الله بسم الله بسم الله الذي لا يضر مع اسمه شيء في الأرض ولا في السماء وهو السميع العليم، لا والله أفكار طيبة، إذا قابلتك في المدينة علمتك بمن تذكرني بالأدباء، ما شاء الله، ما شاء الله، لا إله إلا الله".
ومما كتبت في يومياتي في يوم الأربعاء الماضي بتاريخ ١٤٤٨/٤/١٩:
بعد قراءة الأديب فهد التميمي وفقه الرب العلي مقالي "هو أنا"؛ أثنى علي بقوله: "أعجبت والله جدا بكتابتك، أعجبت بثلاثة أشياء:
* أولا: بصدقك فيما تكتب، تصف نفسك كما أنت، ذكرتني بالمازني.
* ثانيا: أسلوبك بديع جدا في الكتابة.
* ثالثا: قلمك مقبول.
لم أجد شيئا يستوقفني في عدم ترابط الأفكار أو مجيء لفظة في سياق غير ملائم.
وفي الختام أقول:
إنني قد كنت أكتب قبل سنة تقريبا وأوقع باسم "الأديب المتفنن"، فنصحني أستاذي في "جامعة طيبة" أحمد الشرقاوي وفقه الرب العلي بأن أترك هذا للناس، أي: دع الناس يقولون عنك، مع أنني أرى أن لا بأس في صنيع من يصنع ذلك، فهو تعبير عن هوية الإنسان وفكره ومنهجه، كالذي يوقع مثلا باسم "السلفي- الأثري"، والمجال مفتوح للأخذ والرد.
المهم - كما أسلفت - بأن شيخي محمد بن سعود الحمد وفقه الله أطلق علي هذا اللقب - واللقب ما أشعر بمدح أو ذم - وهو "الأديب الصادق"، ولذا فإنني سأعتمده في كتابة ما يصدر عني من مقالات وأوقع بهذا اللقب، لأنني أعقل من أن أرد فضل الله علي، ولأنني أتشرف دائما بهذا اللقب، فهو يرفع رأسي لا ينكسه، ويزيد في عزمي، ويذكي نيران حزمي، ويجدد نشاطي، ويثير همتي، وهذه الرفعة والزيادة والذكاء - وهو إشعال النار وإلهابها، مجاز عن أثر الكلام في الأفعال - والتجديد والإثارة هي ما يحتاجه الإنسان البصير، خاصة في هذا العصر - عصر التموجات والاضطرابات -، وليس بعاقل من لا يفقه عصره، وليس بحكيم من لا يقدر للكلمة قدرها، ولا يعرف لها خطرها، وليس بصالح للتربية من لا يؤمن بخطر الكلمة وعظم شأنها، وليس بمصلح من لا يعترف بأن مجال الإصلاح في الأعمال يجب أن يسبقه الإصلاح في الألفاظ، لأن الفكر يتبعه اللفظ، ثم اللفظ يتبعه العمل، فهو يفكر، ثم يلفظ، ثم يعمل.
وإني أرى أن شيخي محمد بن سعود الحمد وفقه الله قد أدى ما عليه تجاهي إلى الآن، فهو تلمس مواضع الموهبة عندي، ومواضع النقص في نفسي، فشجع في موضع، ونقد في موضع، اتباعا لنهج القرآن (ألا تطغوا في الميزان).
ثم إنني في الختام لا أنسى فضل الله علي، ثم فضل والدي، ثم فضل من أثر علي في مسيرتي الشعرية والنثرية، وقد كتبت مقالا في هذا الصدد، وهو "تجربتي الشعرية والنثرية"، فليراجع، لطفا لا أمرا، لكن ممن أثر علي في ذلك من الأساتذة: محمد بن نافع بن شاهر المطرفي، بندر بن نفاع الصاعدي، فيصل بن بشير الصاعدي.
فاللهم أجزهم خير ما جزيت مؤدبا ومعلما، وأرضهم وارضَ عنهم، وبارك لهم جميعا في نياتهم وأقوالهم وأعمالهم وذرياتهم وأزواجهم وأموالهم، وزكهم بالإيمان، وعلِّهم بالإيقان، واحرسهم بعينك، واكلأهم برعايتك، وحطهم بنصرك، فإنك على كل شيء قدير.
بقلم الأديب الصادق/
عبدالرحمن بن مشعل العوفي.
طبرجل- الجمعة- ١٤٤٨/٤/٢١.
Abdurrahmanalaufi@gmail.com