الثلاثاء، 3 فبراير 2026

قيد الخاطر- (ذهبي عصره...الشيخ بكر أبو زيد رحمه الله)

قيد الخاطر- (ذهبي عصره...الشيخ بكر أبو زيد رحمه الله)

فعلا الشيخ العلامة ذهبي عصره - كما أطلق عليه بعضهم - بكر أبو زيد رحمه الله، وكان ابن باز رحمه الله من أشد المعجبين به، ويقول: من أين يأتي الشيخ بكر بهذه الأساليب؟!
عن تجربة وقراءة: له أسلوبه الخاص البديع في الكتابة والتأليف، لم أر أحدا كتب على منواله، وأسلوبه علمي رصين، مؤصل متفرد. 
قرأت كثيرا من كتبه، ومنها:
* كتابه الشهير "حلية طالب العلم"، في مئة صفحة تقريبا، ومع الحلية شرحها، لابن عثيمين رحمه الله، شرحها في حياة المؤلف، وأثنى عليه خيرا، وهو أهل لذلك.
* وقرأت كتابه "حراسة الفضيلة".
* و "تصنيف الناس بين الظن واليقين".
* و "التعالم وخطره على الفكر والكتاب".
* و "تغريب الألقاب العلمية"، وغيرها.
وقرأت لتلميذه النجيب المؤلف المبدع د. علي العمران - حفظه الرحيم الرحمن -، وتلميذه الآخر الشيخ ذياب بن سعد الغامدي - وفقه الرب العلي -، يجريان على نسق الشيخ ومنواله، لكن يبقى الشيخ له أسلوبه الرصين اللذيذ، وهو - عن تجربة وقراءة وكما قال ابن عثيمين - لا يتكلف ذلك الأسلوب، بل الظاهر كونه سجية وطبعا، فهو لا يتقعر ولا يتعمق، كتاباته جميعا، وتواليفه كلها في الغاية من الجودة والإبداع، والعلم والابتكار، ولا أبالغ في القول بأنني لم أقرأ لأحد وأشعر بعلميته مع شدة إعجابي بأسلوبه وتفرده في ذلك سوى القليل ممن قرأت لهم، وبالتأكيد فالشيخ بكر من الطليعة والأوائل والمقربين عندي، لما يحويه أسلوبه من التمكن العلمي، والتأصيل المنهجي، وأمر آخر فوق ما ذكرت يظهر جليا في كل كتاباته وتآليفه ورسائله ألا وهو صدق الشعور، وعاطفة الصدق التي لا تخطئها الروح، فمن قرأ للشيخ بكر أبي زيد يشم ذلك الصدق ويجده ولا بد، الرجل مبدع مبدع للغاية، ذكي ألمعي، ذو أسلوب أخاذ، وديباجة مشرقة، وأنا في كل ذلك والله لست من الغالين فيه، ولا الجافين عنه، وما تحدثت إلا عن واقع وحقيقة.

بقلم الأديب المتفنن/
عبدالرحمن بن مشعل بن حضيض العوفي الحربي. 
طبرجل- الأربعاء- ١٤٤٧/٥/٢١.
Abdurrahmanalaufi@gmail.com

شذرات من بطون الكتب- (مقترح لإنشاء معهد لتهذيب اللغة العربية)

شذرات من بطون الكتب- (مقترح لإنشاء معهد لتهذيب اللغة العربية)

جاء في كتاب العلامة ابن بدران الدمشقي رحمه الله قوله:
"ثم إن الحجاز لما كانت مكان حج العرب الجاهلية قبل الإسلام والقطر الذي ينضوي إليه كل من مضغ الشيح والقيصوم، وكان أهله أهل النباهة والذكاء الفائقين، والنسل الذي اتصلت سلسلته بسيدنا إسماعيل عليه السلام، هب أهله لإنشاء معرض يظهر آثار العرب، سموه بسوق عكاظ، وجعلوا من فروع هذا المعرض منتدى لتهذيب اللغة العربية، وللنظر في أشعار البلغاء، فكان الشاعر لا يشتهر شعره في بلاد العرب ولا ينظر إليه بعين الإجلال إلا إذا عرض شعره على ذلك المنتدى، وشهد له أهله بالبلاغة، ولذلك كانت المعلقات السبع تترنم أولاد يعرب وقحطان بها، فعلقوها على الكعبة إكراما لها، فبهذا الاعتناء الباهر كانت لغة الحجاز أفصح لغة العرب، ولذلك نزل القرآن بها".
كشكول ابن بدران الدمشقي، دار البشائر الإسلامية، ط٢، تحقيق العجمي، ١١٦.

بقلم الأديب المتفنن/
عبدالرحمن بن مشعل بن حضيض العوفي الحربي. 
طبرجل- الأربعاء- ١٤٤٧/٥/٢١.
Abdurrahmanalaufi@gmail.com

فوائد فقهية- (تكرار الفاتحة في الصلاة)

فوائد فقهية- (تكرار الفاتحة في الصلاة)

دار نقاش حول تكرار سورة الفاتحة، فقلت: إن بعضهم قال ببطلانها، وبعضهم حكم بأن ذلك مكروه.
وهنا نقل من كتاب "الإنصاف" للماوردي الحنبلي رحمه الله، وهو من أعمدة كتب المذهب.
قال:
"قَوْلُهُ (وَيُكْرَهُ تَكْرَارُ الْفَاتِحَةِ) هَذَا الْمَذْهَبُ، وَعَلَيْهِ جَمَاهِيرُ الْأَصْحَابِ وَقَطَعَ بِهِ كَثِيرٌ مِنْهُمْ.
وَقِيلَ: تَبْطُلُ، وَهُوَ رِوَايَةٌ فِي الْفَائِقِ وَغَيْرِهِ، وَأَطْلَقَهُمَا فِي الرِّعَايَةِ الْكُبْرَى".
الإنصاف، الماوردي، الفقي، مطبعة السنة المحمدية، ٩٩/٢.
وقال ابن مفلح الحنبلي رحمه الله:
"وَيُكْرَهُ تَكْرَارُ الْفَاتِحَةِ، وَقِيلَ تَبْطُلُ".
الفروع، تحقيق التركي، الرسالة، ط١، ٢٧٦/٢.
وقال الشيخ الدسوقي المالكي رحمه الله:
"(قَوْلُهُ لَا قَوْلِيٍّ) أَيْ كَتَكْرِيرِ الْفَاتِحَةِ. وَقَوْلُهُ فَلَا تَبْطُلُ عَلَى الْمُعْتَمَدِ، أَيْ وَقِيلَ تَبْطُلُ".
الشرح الكبير، الدردير، دار الفكر، ٢٨٩/١.
قال أبو عبدالملك:
فالواجب هو الاحتياط، وألا يكرر الفاتحة، خروجا من الخلاف، الدائر بين الكراهة والبطلان إذا تعمدها.

بقلم/
عبدالرحمن بن مشعل بن حضيض العوفي الحربي. 
طبرجل- الأربعاء- ١٤٤٧/٥/٢١.
Abdurrahmanalaufi@gmail.com

شذرات

(شذرات)

١- مما تميز به الشاعر الكبير شاعر الوطن/ خلف بن هذال العتيبي رحمه الله: التدفق الشعري، فكان في كل عام يطل على محبيه من خلال "مهرجان الجنادرية"، ويلقي - على عادته - قصيدة شعبية طويلة، ربما تصل إلى مئة بيت، هذا أولا.
ثانيا: شخصية الرجل نفسه، فهو يملك شخصية فذة، واثقة، يمشي بثقة، ويلقي شعره بثقة، ونظراته واثقة.
ثالثا: قوة الإلقاء، فهو شاعر حماسي، وإلقاؤه يحمس الجموع.
رابعا: صدق المشاعر في شعره، فالذي يسمعه حين يلقي شعره الوطني، يجزم بصدق الرجل ووطنيته في شاعريته.
وقفة:
ثمة شعراء كبار، شعرهم أعظم من شعر خلف بن هذال العتيبي - رحمه الله -، لكن الرجل تميز أولا بفضل الله ثم بفضل تمكين الدولة له - أعزها الله بالإسلام والسنة والتوحيد -، ثم بفضل ما ذكرت آنفا.
٢- أحيانا قوة المنافسة؛ تضعف الجودة، فيكون التنافس على إصدار أكبر عدد من الكتب أو الروايات مثلا، ولو على حساب الجودة؛ لغرض مالي، وإذا تحكم المال في توجيه النفوس؛ قادها إلى الهاوية، فالعقل والنفس، والدين والعقيدة والمبادئ والأفكار هي من يجب أن توجه المال، لا العكس.
٣- لو قيد كل عالم أو مثقف أو أديب أو شاعر، أو رجل أعمال أو ناجح في أي مجال من مجالات الحياة تجربته الإنسانية؛ لخرج لنا كم هائل من التجارب المثرية، التي تختصر الطريق، وتنير الدرب، وتضيء العقل بنور التجربة، وبرهان السيرة، ولكن الجهل أو الحسد هما من يحجبان الكثير عن تدوين تجربته الحياتية، حتى لا يقتبس منه أحد، أو لا ينجح أحد من خلاله، أو لجهله وقلة فطنته لهذا الشأن، فهو لا يوثق، ولا يحبذ نشر تلك التجربة الناجحة، ومن الفشل ما هو في الحقيقة نجاح، فإذا وثقت التجربة الإنسانية بنجاحها وما يكتنفها من عقبات وفشل، لا يكون ذلك عبثا أبدا إلا في عقول الجهال أو قليلي المعرفة، أو ضعيفي البصيرة، لأن الإنسان أحيانا يتعلم من الفشل أكثر من النجاح، والفشل غالبا يؤدي للنجاح، لأنه تجربة وليس نهاية الطريق، والقمة تتسع للجميع عند العقلاء.
ومن أحسن ما قرأت من تلك الكتب التي يبث فيها أصحابها تجربتهم ومسيرتهم:
* "ذكريات علي الطنطاوي".
* رواية "المسدور"، للشيخ أد/ عبدالرحمن بن دخيل ربه المطرّفي الصاعدي العوفي الحربي، شيخنا وصاحب والدي حفظه الله.
* "رسالة في الطريق إلى ثقافتنا"، لشيخ العربية الأديب اللغوي الكبير/ أبي فهر، محمود شاكر المصري - عليه رحمة الرب العلي -.
هذه بعض الكتب.
وهناك كتاب مشهور - وهو موجود في مكتبتي لكن لم أقرؤه بعد - للمؤلف منصور بن محمد الخريجي - وفقه الله - اسمه "ما لم تقله الوظيفة، صفحات من حياتي"، نشر مكتبة العبيكان، ثلاث مئة صفحة.
وأنا بحمد ربي تعالى كتبت سيرتي الذاتية وقسمتها تقسيما حسنا، لكن لن أستعجل في إخراجها، فلدي كتب هي أولى منها في الإخراج، يسر الله لنا ولكم العمل على طريق الأولوية، والأخذ بمنهاج الأفضلية، مع علمي بأن المفضول قد يفوق الفاضل أحيانا، لكن هذا خلاف القاعدة والأصل، فهو استثناء، والحكم للقاعدة والأصل، وليس الاستثناء، فتدبر.

بقلم الأديب المتفنن/
عبدالرحمن بن مشعل بن حضيض العوفي الحربي. 
طبرجل- الأربعاء- ١٤٤٧/٥/٢١.
Abdurrahmanalaufi@gmail.com

شذرات

(شذرات)

١- من أكثر الأبيات التي أعجبتني وسمعتها كثيرا يرددونها في بعض المجالس في طبرجل:
ياحـلـوهـم كـانـهـم بـالـبـِـرق
وانــــا بـعـشـيـش الـكـداديــه
وكانهم بخب الجمل من شرق
بـالــمــرتــكــى والــقــديــريـــه
ياحلوهم يوم ينوض البـرق
وكـلــن ضـربـلـه عـلــى نــيــه
وياحـلـوهـم بالبـكـار الـطـرق
يــرعــن عــــذا كـــــل قـفــريــه
وانا ممنوعاً علي الطرق
ممنوعه مقدر على الجيه
وأيضا:
تدري وش اللي فرق الناس يا حمود * راع الذلول اللي يحوف الجماعة
يعني: النمام.
٢- تستفزني بعض المواقف، ومن لا يحس ولا يشعر ولا ينجذب ولا يتفاعل مع النفس والكون والحياة والوجود والأفكار، فلا تعده في ديوان الإنسانية. في المقابل أدعو دائما لعدم التسرع في الحكم على الأشياء، علينا أن نتفهم الآخر قبل كل شيء، وأن نقلب وجوه النظر، ثم ليكن النقد آخر ما يصدر.
٣- من أكثر الأبيات التي أعجبتني لحاتم الطائي:
فَنَفسَكَ أَكرِمها فَإِنَّكَ إِن تَهُن * عَلَيكَ فَلَن تُلفي لَكَ الدَهرَ مُكرِما
ويقول الشاعر الشعبي:
إن كان ما اكرمت نفسي وانا حي * الناس ما تكرمني الا بدفني 
٤- الشاعر حسن أبو عَلة - حفظه الله ووفقه - أقل حقوقه علينا هو الاحتفاء والتكريم والتقدير، فالأديب والشاعر والمفكر والمثقف والمؤلف والكاتب نسيج مؤثر وخالد في تراث الأمة، لا ينبغي تجاهله بحال، فهو الرسالة السامية، وهم صفوة المجتمع، ولا عزة لأمة لا تقدر رجال العلم والأدب والثقافة والفكر فيها.
٥- من أهم الكتب التي تعتني بفقه أعمال القلوب وتذكر أسباب حياته وأسباب موته وشقائه، كتاب ابن القيم - رحمه الله - الشهير "الداء والدواء"، فهو حقيق بالقراءة في البيوت والمساجد ومرافق التعليم والتعليق عليه.
٦- تطلب المثالية مرض، وتصنع، ومحال تحقيقها، والحل هو الوسطية في كل شيء، فتحل بالوسطية؛ تفلح، وتسعد.
وشقي من سعى للمثالية بكل صورها وأشكالها، والمصطلح الشرعي أسلم وأحكم "الوسطية"، فكن وسطا في جميع أمور حياتك العلمية والعملية، الدينية والدنيوية "ومن سار على الدرب وصل"، والله يقول: (ولا تجعل يدك مغلولة إلى عنقك ولا تبسطها كل البسط فتقعد ملوما محسورا).

بقلم الأديب المتفنن/
عبدالرحمن بن مشعل بن حضيض العوفي الحربي. 
طبرجل- الثلاثاء- ١٤٤٧/٥/٢٠.
Abdurrahmanalaufi@gmail.com

السبت، 31 يناير 2026

قيد الخاطر- (رفع سقف التوقعات...واستطرادات)



قيد الخاطر- (رفع سقف التوقعات...واستطرادات)

١- لا ترفع سقف توقعاتك في الناس، فإنك إن فعلت؛ خذلت.
أهم ما يهم كثيرا من الناس هو هذا الأكل والشرب والحديث الهامشي الذي ليس له هو من العلم والثقافة والأدب والفكر في قبيل ولا دبير، فكيف إذا علمت أن كثيرا منهم لم يقف عند حد المباح حتى جاوزه إلى المكروه، بل تعدى إلى الحرام، من مثل ذكر العورات وما لا يجوز ولا ينبغي ذكره لا جدا ولا هزلا إلا اللهم على سرير الزوجية...
سمعت أحدهم يوما يعمل في حقل التعليم الحكومي يقول: والله لو عينت مدير مدرسة، لأدوس على المعلمين ومن تحت يدي، هذا معنى كلامه، وصريح لفظه قال: "أعطيهم بالنعال"، أي: أضربهم بالنعال، والمعنى ذكرته في مقال سابق بعنوان "تعاملات وظيفية لا إنسانية"، فهو سيعاملهم بفوقية وضميره لا يؤنبه لأنه يجد المبرر "الحزم والضبط"، ولو لم يفعل ما تفوه به، لكن هذا يفضي إليك بسر - أعني الحدث ذاته -، وهو أن كثيرا من النفوس تساكنها وتعاشرها وهي تنطوي غالبا دون علمك على السم الزعاف، وعلى شر كبير ما كنت تحلم به، وثانيا: أن النفوس المريضة أو الناقصة غالبا لا تحتاج إلى وقت لكي تكشف عن سوءاتها بالفعل، قد تكشف عن بعض ذلك من باب عدم التحرز في اللفظ، كما في القصة السابقة...
٢- ما أكثر المفتين وهم في الحقيقة أنصاف المتعلمين، وهذه بلية كبرى، وطامة عظيمة، ومصيبة جليلة، فهم لم يجاوزوا الشبر الأول في العلم، ومع ذلك تجاوزوه بالإفتاء إلى الشبر الثالث دون استحقاق فعلي!
هؤلاء صنف وهم أنصاف المتعلمين، فكيف ببليتنا من إفتاء الجهلاء، فهم لم يطلبوا العلم أصلا؟!.
وهنا استطراد نافع إن شاء الله، سمعت أحدهم ينقل عن ابن باز رحمه الله قوله: "أعلام الموقعين لابن القيم كتاب الإسلام". وهذا الكتاب يتحدث فيه ابن القيم رحمه الله عن الفتوى والمفتين من الصحابة رضي الله عنهم جميعا ومن بعدهم، وفتاوى النبي صلى الله عليه وسلم، وشروط الفتوى، وخطر القول على الله بغير علم، إلى آخر ذلك العلم الغزير، المؤصل المقعِّد في هذا الباب العظيم من الدين "الفتوى".
ولو بحثت عن مقولة "لا أدري" في كتب الفتاوى والسير والتراجم والتاريخ، لوجدت ما لا ينقضي منه العجب من المواقف العظيمة والحكم السديدة والآراء الصائبة الرشيدة، ولوقفت على كثير من تلك المقولات التي يصرح فيها أصحابها - وهم أعلام نبلاء، كرام فضلاء - بأنهم لا يدرون، فيسأل العالم، فيجيب بكل يسر وسهولة وبتوفيق من الله فيقول: لا أدري.
ابن باز رحمه الله سئل سؤالا الذي يسمعه لأول وهلة يقول هذا سؤال سهل للغاية، قيل له: قبل النوم أنوم أطفالي بتخيلي قصة غير حقيقية ثم أحكيها لهم، فهل هذا يدخل في حكم الكذب؟
بالتأكيد لو طرحت هذا السؤال في أغلب المجالس، لانبرى الجميع غالبا للتسرع في الإجابة، وبعضهم يقول: أظن، والله يقول: (إن الظن لا يغني من الحق شيئا)، والظن لا يكون في العلم والإفتاء، فإذا كنت لا تدري، فقل بملء فيك: لا أدري، ومن قال لا أدري، فقد أجاب وأصاب، ومن أخطأ لا أدري؛ أصيبت مقاتله.
المهم أجاب ابن باز رحمه الله بقوله: لا أدري.
والشيخ محدث المدينة عبدالمحسن بن حمد العباد البدر وفقه الله المعلم بالمسجد النبوي الشريف ودرس الكتب الستة، وهو من تلاميذ ابن باز رحمه الله، حدث ابنه الشيخ أد. عبدالرزاق البدر أنه عد له إجابات كثيرة بهذا الصدد في مجلس واحد.
وأنا أقول: شيمة العالم: لا أدري، ولا يأنف من قول لا أدري إلا جاهل، أو أحمق، أو هما معا، والله المستعان.
٣- ما زلت مقتنعا بفكرة إصلاح الأمة، ونظريتي في هذا الإصلاح تنطلق من الفرد إلى الأسرة إلى المجتمع، من القاع إلى القمة، من الأسفل إلى الأعلى، وأن الناس لا يزالون في تخلف وتراجع ما دامت ثقافة الجواب طاغية على ثقافة السؤال، العلم أخي الغالي هو السؤال، المذاكرة، المدارسة، المراجعة، هو أن تذل طالبا، لتعز مطلوبا.
وليس من باب العلم والعقل والحكمة التصدر للإجابة على كل سؤال، والدخول بالنقاش في كل قضية، وتغليب الهوامش على الأصول، حتى بنى الكثير علمهم الممزق المشوه على الظن والتوهم والتلفيق، وظنوا أنهم حصلوا، وهم في الحقيقة ما حصلوا، بل لفقوا، وهذا هو المرض الخطير الذي ضرب بأطنابه في نفوس الكثيرين ألا وهو "مرض الوهم"، يتوهم أنه يعلم وهو لا يعلم، أو علمه مشوه أو ملفق...
٤- تأملت في أسلوب بعض الناس فاستخلصت الآتي:
* من الناس من ينصحك بل يستهزئ بك، ويضح عليك، وأنت تضحك، وتطرب، حتى تفقد الرد أو التبرير أحيانا من هذا الضحك، ولعلمك بحقيقة أسلوبه، ومغزاه، فهو أسلوب محبب، لطيف، وأحيانا بالتأكيد لا يقبل، فتوقفه قبل أن يكمل.

* ومن الناس من لا تقبل السماع منه، لأنه فظ غليظ، فظ المعاملة، غليظ المقالة، عيونه لا تبشر بخير، ومنطقه ولو كان ينصح لا تنصت له، لا تقبل عليه بقلبك، وهذا حديث الأرواح: أقبل علي بقلبك وقالبك، لأسمع، لست مجرد آلة استقبال، أنا إنسان، والإنسان يبحث عن تحقيق معاني الإنسانية في نفسه وعبر الآخرين.
أكتفي إلى هنا، والاكتفاء سر الرضا.

بقلم الأديب المتفنن/
عبدالرحمن بن مشعل بن حضيض العوفي الحربي. 
طبرجل- الاثنين- ١٤٤٧/٥/١٩.
Abdurrahmanalaufi@gmail.com

قيد الخاطر- (الجزء الظاهري من النعمة مغري)

قيد الخاطر- (الجزء الظاهر من النعمة يغري)

الجزء الظاهر من النعمة يغري، ونحن في عصر يضج بأحداث وأحداث، يذهب الحدث دون تفسير، وتموت الظاهرة لتخلف ظاهرة بعدها دون علاج للظاهرة المندثرة، وهكذا تدور عجلة الزمن في عصر خطير يتسم بالسرعة وذهاب البركة، وأهله يفقدون كثيرا الشغف والتفكير المنضبط، لأن ما فتح عليهم هو مصدر القلق لنفوسهم، والاضطراب لتفكيرهم، والهشاشة لعقولهم، ذاك بعض ما تفعله وتؤثر فيه تأثيرا بالغا وسائل الإعلام ووسائل التواصل الاجتماعي، وقد لا يكون ملحوظا لمن لا يمعن التفكير ويحرص على أن يعيش اللحظة من الزمن، فلا يتقدم ولا يتأخر، ولا يتكلم ولا يسكت ولا يوجه ولا ينصح ولا يعطي رأيه في شيء قبل أن يتحرز في لفظه وحكمه.
نعود لصلب الفكرة:
أقول إن الجزء الظاهري من النعمة مغري، والعاقل والنبيه من يشكر الله على الحال الذي هو فيه أولا، ثم لا يمد عينيه لتلك النعم التي يراها نعما لدى الآخرين "ولا تمدن عينيك إلى ما متعنا به أزواجا منهم زهرة الحياة الدنيا لنفتنهم فيه ورزق ربك خير وأبقى".
إن ما تصدره وسائل الإعلام ووسائل التواصل الاجتماعي من ذلك البذخ والترف والإسراف، من "مشاهير الفلس"، و "كلاب المال"، وذلك التصوير الذي يشمل تلك المراكب الفارهة، والساعات القيمة، وتصوير الماركات الغالية، حتى صورت البيوت، بل غرف النوم، بل صور الأطفال الصغار، كل ذلك يحدث تغيرا كبيرا في المجتمع والأفراد، ولا يلحظه إلا من وقف وتبصر. يحدث ذلك خلخلة عظيمة في النفوس والضمائر والعقول، بل يضرب في صميم العقيدة، ويؤثر في كفر النعم، والاعتراض على قضاء الله وقدره، وينمط المجتمع والفرد بنمط ما يعرض، على الأقل في التصورات والأفكار.
إنهم لا يصدرون سوى التفاهة والسفاهة، وتلك الأفكار المسمومة الخبيثة. إنني لا أنظر لهم إلا من زاوية التفاهة، ومن يتبعهم من الجماهير تافهون مثلهم غالبا، ويحق لي التشاؤم إذا استمر الوضع على حاله، فإن النجاح يتطلب التغيير - الإزاحة والإضافة -، فحتى ترتقي بالمجتمع، لا بد من إزاحة التفاهة أولا، ثم إضافة الفكر المتزن والثقافة المثمرة لكل خير ونبل، وكل حق وجمال، فهنا يحدث التغيير، والله لا يغير ما بنا، حتى نغير أولا، لا بد من خطوة للأمام، ولازم على كل صاحب قرار ومسؤولية أن يلجم كل متصدر لضرر المجتمع أو تسفيهه، أو من يصدر أفكارا من شأنها العبث بالدين والأخلاق والفضيلة والثقافة الإسلامية والعربية والتقاليد والأعراف الطيبة المباركة. 
أخيرا أقول:
الكتابة عظيمة فعلا، فلقد كتبت هنا من منطلق فكرة واحدة، لكن تسلسلت الأفكار حتى أطلت وأمللت، فاعذرني أيها القارئ الكريم...
أقول أخيرا فعلا للمرة الأخيرة:
البعض لا يؤنبه ضميره إذا فسد من تحت يده من أب أو أم أو مدير أو رئيس، لأنه يجد المبررات الكثيرة لذلك الفساد، فهو من قرارة نفسه لا يحبذ فكرة الإصلاح أصلا، فهذا فاسد، وانتهى الأمر، لكن ثمة صنف مباين لذلك الصنف الأول وهو الذي يبرر لنفسه إخلاء التبعة ورفعها عن نفسه لأنه يئس مثلا، أو تعب، أو حكم على من هو تحت يده بالفساد المتأصل، ليجد العذر لنفسه في عدم إجهادها بالإصلاح، والإصلاح فكرة عظيمة، وهي مرتبة فوق الصلاح، وكل ذلك أيضا لا يخلي المسؤول من المسؤولية، ولنا في القرآن والسنة المطهرة، ولنا في قصص الأنبياء والصحابة رضي الله عنهم جميعا، ولنا في سير أعلام النبلاء والفضلاء والتابعين إلى عصرنا عبر ودروس، فاقرأ وانهل من معين العلم والفكر والثقافة والأدب، ولا تمل من المطالعة في كتب قصص الأنبياء والصحابة والتابعين، ك "البداية والنهاية"؛ لابن كثير، وكتاب الذهبي الشهير "سير أعلام النبلاء"، وسير ابن عثيمين وابن باز وابن جبرين، وابن حميد، و "ذكريات علي الطنطاوي"، وما خطه يراع الأديب عميد الرحالين العرب محمد بن ناصر العبودي - رحمه الله -، وغيرها، فإن في سير القوم تذكرة وتبصرة، تزيد في العقول والأرواح، ولا أكتمك سرا أو حديثا إن قلت أن كتب السير والتراجم والقصص والذكريات والمذكرات أثيرة لدي، ليس فقط للتسلية والمتعة، بل كما قلت آنفا: كتب السير الذاتية والغيرية، كتب القصص والسير والتراجم والذكريات والمذكرات تزيد في العقل، وتهذب الروح، وتثري المعرفة، فلا تزهد فيها.
وأخيرا:
اعذرني فقد أطلت عليك وأمللت، ولكن ما حيلتي والكتابة مسليتي؟!، فالكتابة - عن تجربة -: تسلية وتغذية، والمحروم من حرمها.


بقلم الأديب المتفنن/
عبدالرحمن بن مشعل بن حضيض العوفي الحربي. 
طبرجل- الأحد- ١٤٤٧/٥/١٨.
Abdurrahmanalaufi@gmail.com