لا ريب أن الإسلام دين الله صالح لكل زمان ومكان، ويفي بحاجات الإنسانية الضرورية والحاجية والكمالية، ويسمو بالإنسان روحيا وبدنيا، علميا وعمليا، ثقافيا واجتماعيا، ولكن مربط الفرس من يفهم الإسلام كما يريد الله، على وفق منهج رسول الله محمد صلى الله عليه وسلم وفهم الخلفاء الراشدين بعده، وأصحاب القرون الثلاثة المفضلة الذين عناهم عليه الصلاة والسلام بقوله: (خير الناس قرني ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم...)؟!.
إنه لا أحد يستطيع أن يدعي فهم الإسلام كما يريد الله وهو خلو اليدين من العلم أو أدوات العلم الضرورية لفهم اللغة العربية والشريعة الإسلامية.
الإسلام بمفهومه الشائع لا يدل على فهم عميق ومتجذر للإسلام الذي يريده الله، فكثيرا ما يتعرض اسم الإسلام أو لفظ التدين إلى تحيز واختزال، سواء لجماعات أو أحزاب أو فرق، أو منظمات أو مؤسسات أو دول، أو حتى لشخص بعينه؛ كأحد الوالدين تجاه أولاده، أو أحد الزوجين تجاه الطرف الآخر، أو أي طرف تجاه أي طرف، وكل يدعي وصلا بليلى، وليلى لا تقر له بذاك!.
نعم، الإسلام المحمدي الصافي النقي لا يفهمه إلا الندرة وإلا صفة الصفوة من المصطفين الأخيار، والعلماء الأبرار.
تلك مقدمة آثرت التقديم بها بين يدي ما نحن بصدد الحديث عنه، ألا وهو "الوالدية الحاضنة الأولى للطفل).
كل إنسان بلا ريب يولد من أم وأب في الأعم الأغلب - إلا ما حدث لآدم عليه السلام وحواء عليها السلام، وعيسى عليه السلام، فآدم من تراب، وحواء من ضلعه الأيسر، وعيسى من أم بدون أب -، وهذا الإنسان المولود الموجود حديثا في فناء هذا الوجود هو ما يطلق عليه "طفل"، وأنت إذ تقرأ هذه اللفظة تستشعر اللطف واللطافة وجميع مفردات الحنو والعطف والرعاية.
أقول: هذا الطفل يولد لا يعلم شيئا كما هو نص الآية الكريمة: (والله أخرجكم من بطون أمهاتكم لا تعلمون شيئا...)، وهو يتربى على يدي أبويه، فهما يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه، كما في الحديث الشريف، أي: هو الحلقة الأضعف جدا بين والديه، فهما يربيانه كما يشاءان، فمنهم من ينشأ لبنة صالحة عظيمة مؤثرة مبدعة، ومنهم من ينشأ مريضا ضعيفا هشا لا يقدم بل يؤخر، وما هذا الطفل إلا انعكاس لتربية والديه، إن أحسنا تربيته، ظهرت بذور غرسهما طيبة مباركة نافعة صالحة، وإن أساءا وعنفا وضربا وأطلقا ألفاظا نابية أو مسيئة أو مكسرة لجناحه الذي لم ينبت بعد، وساقه الذي لم يشتد بعد، فإن قوانين الكون والطبيعة ترفض غالبا أن يخرج أو ينمو إلا بوصف الضعف والهشاشة والتقزم!.
الغريب في الأمر أن الكثير من الآباء والأمهات لا يرتضون هذا الكلام أو هذه القسمة، والبعض يردد هذه الثقافة الغربية الجديدة، ودعونا من الانبطاح والتدليع والميوعة!.
نلاحظ هنا خلطا عجيبا في المفاهيم، والحكم الثنائي المعروف "أبيض- أسود"، وهذا مفهوم لمن تدبره، ذلك لأن كثيرا من هؤلاء لم يتعلم أو لم يتثقف العلم أو الثقافة الإسلامية الرشيدة الوسطية الصافية العذبة النقية، أو تعلم وتثقف لكن أصبح متحيزا لأمراضه الشخصية، وعادات من سبقه، ولا يريد تأنيب ضميره، فيطلق هذه الحيل أو هذه الألاعيب النفسية، حتى لا يشعر بالندم، ولا يقع تحت طائلة العتاب، فالمهم عند هذا الفريق المتخلف أو المريض - للأسف -: الحمدلله، ما قصرنا، أكلنا وشربنا ولبسنا!.
هنا نلحظ التركيز المادي الكبير، المفرغ من المشاعر والأحاسيس ومن أهم أركان التربية، ألا وهو "الأمان"، فمثل هؤلاء يعاملون أولادهم كالبهائم أو كالدجاج: كل واشرب والبس واسكت!، وهذه عبودية أخرى هرمت عليها مجتمعات، وعاشت عليها أجيال للأسف.
إن من لا يفهم هذه المعاني لا يستحق أن يتزوج أو يكون والدا، لا بد من فهم هذا وبثه وإذاعته، وما دمنا نرضى بهذا الواقع المؤلم المرير الفاشل، فإننا لن نبرح الألم ولن نغادر الفشل - للأسف - إلا إلى ألم أكبر، وفشل أخطر!.
إن الحاضنة الأولى والمعجزة الكبرى للطفل هي هذه الوالدية، وما الطفل إلا مرآة أبويه، فعلى كل والد أن يقوم بالمسؤولية حق القيام، يشبع رغبات الطفل واحتياجات المراهق، يحترم ولا يعنف، يربي ولا يعذب، وإلا فمن بداية المشوار لا داعي للزواج، ولا داعي للخلفة، فما ذنب هؤلاء الأطفال أن تنقل لهم عقدك وأمراضك وجهلك وفشلك؟!.
ما أراه والله أمر لا يبشر إلا بسوء قادم، إن لم نأخذ بالأسباب والحلول، وندع هذه العادة السيئة المتوارثة (إنا وجدنا آباءنا على أمة وإنا على آثارهم مقتدون).
ثق ثقة تامة غالبا إذا ربيت ولدك على الطيب، سينمو عليه، وإذا ربيته على السوء، سينمو عليه، فما الأولاد إلا مرآة الآباء.
وأخيرا:
أنصح بمتابعة أخي الغالي حسين الهبشان فيما ينشر من توعية تربوية، فإنه قد وضع النقاط على الحروف في كثير مما ينشر على منصة "تيك توك" بخصوص الأسرة والتربية، وكذا منصة ×.
بقلم/
عبدالرحمن بن مشعل بن حضيض العوفي.
طبرجل- الثلاثاء- ١٤٤٧/١٠/٢٦.
Abdurrahmanalaufi@gmail.com