الاثنين، 26 أكتوبر 2026

(نتف وفوائد من لقاء محمد بن سعود الحمد "في دنيا السير")

(نتف وفوائد من لقاء محمد بن سعود الحمد "في دنيا السير")

ظهر شيخنا الأديب المفضال محمد بن سعود الحمد التميمي وفقه الرب العلي في برنامج "مجلس سرى" إحدى برامج "جمعية تأصيل التعليمية" ببريدة.
اللقاء مدته ساعة وست وخمسون دقيقة تقريبا، استمعت باستمتاع، ونشرت مقالا مطولا عنه.
وهذا مختصر المقال.
ذكر شيخنا الأديب المفضال محمد بن سعود الحمد التميمي وفقه الرب العلي أنواع السير، وهي ذاتية وغيرية، وذكر أكثر كتاب أصابه بالهم وهو "مرآة حياتي" مؤلفه مصطفى طلاس. 
من الكتب التي ذكرها "عشت مرتين"، لحمدي قنديل. 
ومما قال: "ليس كل مشهور جيد".
وعرج على سيرة الكاتب الروائي "نجيب محفوظ"، وذكر لقاءه به في عام ٢٠٠٢.
وتطرق إلى ذكر ما أسماه "السير المتحركة"، وهي لقاؤه مع العلماء والأدباء والمفكرين.
وذكر مواصفات السيرة الجيدة وأولها الصدق.
وعرف بطرف من كتابه "فن البوح وترجمة الذات".
وقص قصة طه حسين وأنه لا يسمح لأحد بغيبة في مجلسه. 
وبين حفظه الله أن كثيرا من الصراعات تتخفى خلف ستار "الإصلاح" و "النقد العلمي"، وما هي إلا مشروع لإسقاط الشخص.
وفند أكذوبة أحمد أمين لا يصلي ببعض الدلائل، ومنها كتابه "إلى ولدي".
وذكر شيخنا أن مصادره في كتابه "معجم كتب السير الذاتية" بلغت تسعة آلاف كتاب.
وقص لقاءه مع "عميد الرحالين العرب" الشيخ محمد بن ناصر العبودي عليه رحمة الرب العلي، وأنه ذكر له أن الكتاب مخلد، لا يفنى إلى قيام الساعة. 
وذكر لقاءه مع "أنيس منصور"، وأنه لما افتخر عنده بكونه ألف مئتي كتاب؛ ذكر له شيخنا حفظه الله قائلا: الشيخ محمد بن ناصر العبودي له مئتا كتاب في أدب السير فقط.
وذكر شيخنا تشجيع الشيخ العبودي له بعد تأليفه "موسوعة الرحلات".
وسرد قصة زيارته للشيخ الأديب الكاتب المبدع محمد رجب البيومي رحمه الله، ووفاءه لزوجه عصمت أم حسام، وأنه بكى عند تذكرها وهو في التسعين من عمره قبل وفاته بأشهر في بيته في "المنصورة".
ومن الكتب التي ذكرها "الغربال" مؤلفه ميخائيل نعيمة. 
وعرج على الكاتب الصحفي الكبير محمد حسنين هيكل، وذكر بعض الكذب الذي كتب، مستدلا باللواء جمال حماد أحد "الضباط الأحرار" في تكذيبه لقصة ذكرها.
كذلك لما ذكر علي الطنطاوي رحمه الله في "ذكرياته" أنه زار خاله محب الدين الخطيب في القاهرة وأنه قام لصلاة الفجر، ولم يقم يصلي خاله، ذكر دفاع محمود ميرة عن محب الدين الخطيب، وأنه كان يصلي.
ومما قال: "لا يوجد أحد كتب عن الصحابة رضي الله عنهم كمحب الدين الخطيب في كتابه (مع الرعيل الأول) وكتابات عبدالرحمن بن رأفت الباشا ككتابه(صور من حياة الصحابة)".
وذكر شيخنا جمعه لمقالات محب الدين الخطيب رحمه الله. 
وذكر قصة لقائه مع العلامة المحدث محمود ميرة رحمه الله في الرياض، وقصة دفاعه عن محب الدين الخطيب.
وسرد شيخنا بعض معاجمه التي ألفها، وهي: 
* معجم السير الذاتية. 
* معجم كتب التراجم العامة. 
ومن كتبه التي تصدر قريبا: اقتربت منهم. 
وقص قصة لقائه مع "أنيس منصور"، وأنه لما افتخر عنده مرة بتأليفه لمئتي كتاب؛ قال: "عندنا (عميد الرحالين العرب) محمد بن ناصر العبودي له مئتا كتاب في أدب الرحلات فقط!".
وذكر شيخنا قصة سفره لمصر والمغرب، ولبنان في جمعه لمخطوطات مصادر كتابه "موسوعةالرحلات"، وأنه تغرب لذلك سبع سنوات، ودخل كنائس في القاهرة والمغرب وبيروت.
وذكر أنه يحب الأديب عبدالوهاب مطاوع رحمه الله، لأنه كاتب إنساني صادق، وكتابه "حكايات شارعنا" مبكي. 
ومما ذكر وفقه الله أن شيخه ابن عقيل الظاهري وفقه الرب العلي يصف الكتاب الجيد بقوله: "الكتاب الفحل".
وذكر أنه أصيب بمرض الهوس بالكتب.
وذكر لقاءه مع الكاتب المفكر عبدالوهاب المسيري رحمه الله. 
وقال: "كتاب الحوار الأدبي حول الشعر" مؤلفه محمد أبو الأنوار من آيات الله العظمى، وأنه ألفه وعمره ستة وعشرون عاما، وحاز عليه "جائزة الملك فيصل" رحمه الله. 
ثم وجهت عشرة أسئلة لشيخنا حفظه الله وأجاب عنها باقتدار.

بقلم/
عبدالرحمن بن مشعل العوفي. 
طبرجل- الاثنين- ١٤٤٨/٥/١٥.
Abdurrahmanalaufi@gmail.com

الأحد، 25 أكتوبر 2026

قيد الخاطر- (الشخص صدام، والفكرة البعث)

قيد الخاطر- (الشخص صدام، والفكرة البعث)

رأيت مقطع فيديو في "اليوتيوب" على قناة "دريد عبدالوهاب" بعنوان "صدام حسين يؤدي الصلاة في الكويت عام ١٩٩٠".
ورأيته يمشي متبخترا مختالا - كخيلاء من خرج من قريش بطرا ورئاء الناس ويصدون عن سبيل الله -.
رأيته وسط جموع من جنوده الذين يصرخون بالنشيد أو الأهازيج، وهم يقولون بنشوة النصر في احتلال الجارة العربية المسلمة: "هاي الكويت وما نعطيها، لحد الموت نقاتل بيها"، وهم في صرخاتهم تلك يرفعون أصواتهم وبنادقهم، في أرض مسلمة عربية مسالمة!
هنا تسقط الشعارات، والخلود للحقيقة، ولا تغني الشعارات المزيفة المنمقة المزخرفة المفبركة عن أهلها غناء الحقيقة عن أهلها.
كل في قدرته ومقدرته وباستطاعته أن يقول ما يشاء، وينظر لما يشاء، ويقنن ما يريد، ويصدر أي شعار يعن على خاطره، ويأتي على فكره، هذا سهل، وسهل للغاية البعيدة، ولكن ليس لكل ذلك أهمية وفضيلة وحقيقة ما لم يترجم على أرض الواقع وفي دنيا الناس.
أرأيت لو أن إنسانا حفظ القرآن الكريم وسنة النبي العدنان محمد بن عبدالله - صلوات ربي وسلامه وبركاته عليه -، وحفظ آثار الصحابة والتابعين، ورفع شعار "الموت للكفار" كما يفعل الخوارج مثلا، ولكن القتل والفتك في أهل الإسلام ومن يقول: أشهد ألا إله إلا الله وأشهد أن محمدا رسول الله"، وفي حزب الله المفلحين، الركع السجود وفي الآمنين والمستأمنين وأهل الذمة، أهؤلاء على منهاج سليم؟
لا، ولو رفعوا أي شعار خير، ما لم تدعمه حقيقة واقعة؛ لأن العبرة بالحقائق والمعاني، لا بالشعارات والمباني، الحقيقة معنى، والشعار مبنى.
وأي فرقة ضالة ومنحرفة ترفع شعار الخير لا يغنيها ذلك شيئا ما لم تكن على منهاج صحيح، كالخوارج والجهمية والمعتزلة والأشاعرة والمرجئة والصوفية والشيعة، وعدد ما شئت من فرق وأحزاب وجماعات وملل ونحل، العبرة بالحقيقة في نفسها.
ولذلك كفر شيخ الإسلام عبدالعزيز بن عبدالله بن باز - عليه رحمة رب العباد - صدام حسين، حاكم العراق، لبعثيته، لأن "حزب البعث العربي الاشتراكي" ذو مبادئ علمانية، وقانونه جاهلي كفري، ووصفه بالمنافق، أي: منافق نفاقا عمليا واعتقاديا، وأخرجه من الإسلام، وأرسل له ينصحه أن يعود إلى الإسلام المحمدي، وما تراجع؛ بل أصر، واستكبر، ومكر المكر الكبار.
أنا هنا لا أتحدث عن نهايته ومصيره عند الله، أتحدث عن واقع ومظاهر، وأحلل تلك الأحداث؛ للعظة والعبرة.
أقول:
وهذا النفاق وهذا التلون، وهذا الانحراف عن جادة الإسلام المحمدي في شموله وكماله وجماله وجلاله هو الذي أودى بالأمة إلى التهلكة، وأدى بها إلى التقزم، بل وأسقط الدول، ودمر المجتمعات، كتلك الأفكار المستوردة، من علمانية، وليبرالية، وبعثية، وقومية، وشيوعية، واشتراكية، وكل يضل بحسب أخذه وغرفه من تلك المناهج الضالة الخبيثة.
أتعلم - أيها المبارك - أن العراق سقط بفكرة، وهي فكرة "البعث"، يريد مؤسس الحزب النصراني "ميشيل عفلق" أن ينصر العرب بغير فكرة الإسلام، أو دين الإسلام، بل باجتماع العرب لنصرة قضايا العرب فحسب، والله يقول: (أيبتغون عندهم العزة فإن العزة لله جميعا)، ويقول: (أفحكم الجاهلية يبغون ومن أحسن من الله حكما لقوم يوقنون)، ويقول: (وأن هذا صراطي مستقيما فاتبعوه ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله ذلكم وصاكم به لعلكم تتقون).
فهل اتقى الله "حزب البعث العربي الاشتراكي" لما بنى مبادئه وقيمه على غير هدى الإسلام وسنة نبي الإسلام محمد بن عبدالله عليه الصلاة والسلام؟
وهل اتقى الله حين غدر بالجارة العربية المسلمة الكويت فاحتلها، وعاث فيها فسادا وإجراما وعبثا وتقتيلا؟
وهل اتقى الله لما احتكم إلى القوة واستقوى على الضعيف بكل غدر وخسة وخيانة وغباء؟
وهل اتقى الله لما صلى هذا الطاغية في أرض هو اغتصبها؟
وهل اتقى الله لما لم يسمع ولم يخضع للتحذير من الملك فهد رحمه الله بأن يخرج من الكويت قبل أن تقع الواقعة ويدمر الجيش العراقي ويحرق حرقا ويضرب ضربة لا قيام بعدها؟
وهل اتقى الله لما أطلق صواريخه على رياض السنة والجماعة والتوحيد في "الرياض"؟
وهل اتقى الله لما لم يسأل نفسه: ما الخطأ الذي ارتكبته، وأصلحه بالحسنى والحكمة؟
وهل اتقى الله لما ركب رأسه وزاد جرما على جرمه؟
وهل اتقى الله لما أدى إصراره على العناد والتحرش بالكبار إلى حصار العراق ثم ما حصل من موت مليون طفل عراقي خلال عشر سنوات كلها حصار ودمار؟
وهل اتقى الله لما واصل سبه وشتمه للدول الكبرى والتشغيب على السعودية والكويت؛ بل وما حاول أن يصنعه من علاقات مع زعيم "تنظيم القاعدة" الخارجي المارق "أسامة بن لادن" لإيذاء السعودية؟
إن هذا لمن الحمق والجهل والغرور، وقبل هذا لمن الضلال المبين، والضلال يولد ضلالا آخر لمن لم يطلب الهداية بصدق، ويذعن لحكم الله " من يضلل الله فلا هادي له ونذرهم في طغيانهم يعمهون".
والزبدة:
أن يوقن أهل الإسلام بأن الشعارات لا تغني شيئا، مهما بدت براقة منمقة مزوقة، وأن النجاح والفلاح هو في العمل بالكتاب والسنة على منهاج خير القرون، وألا عبرة بالمظاهر؛ إذا خربت المخابر، وأن الحق في السنة والجماعة، وأن الجماعة هي الحق، ولو كنت وحدك. 
وأخيرا:
العاقل من يأخذ الحقيقة من جميع أطرافها، ولا يتشهى في اختياره بعاطفته، لأن الحق في تتبع المصادر، لا في تقديس الأشخاص.
و "صدام" شخص، والفكرة "البعث"، وكلاهما الشخص والفكرة على ضلال مبين، والحق في الكتاب والسنة، ومن لم يكفه الكتاب والسنة، فلا كفاه الله، ومن لم يهتدي بالكتاب والسنة، فلا هداه الله، ومن لم يعتز بالكتاب والسنة، فلا أعزه الله، ومن لم ينتصر بالكتاب والسنة، فلا نصره الله "ومن يهن الله فما له من مكرم إن الله يفعل ما يشاء".
والخلاصة:
النصر في السنة والكتاب، ومنهج الصحابة أولي الألباب، لا في الجماعات ولا في الأحزاب.
والسلام.

بقلم/
عبدالرحمن بن مشعل العوفي. 
طبرجل- الأحد- ١٤٤٨/٥/١٤.
Abdurrahmanalaufi@gmail.com

الجمعة، 23 أكتوبر 2026

قيد الخاطر- (موت بطيء)

قيد الخاطر- (موت بطيء)

أن تعطي، وتقدم، وتنجز، وتنجح، وتبدع، ثم تقابل ببرود، أو تجاهل، أو صدود "موت بطيء"!.
أن تبر، وتقدم المعروف والإحسان، ثم تقابل بوجه شاحب، ونفس كئيبة، ومنطق بائس "موت بطيء"!.
أن تنتظر كلمة "شكرا"، أو كلمة تشجيع أو تحفيز، ثم لا تجد شيئا من ذلك، وأحيانا تصلك رسائل سلبية "موت بطيء"!.
أن تخذل من أقرب الناس إليك تجهما وعبوسا وتقطيبا للجبين "موت بطيء"!.
أن يفرض عليك واقع لا تريده ولا تهواه، ولست تبدع فيه "موت بطيء"!.
أن تكسر وتقهر وتطحن وتهان وتذل وتكبت وتقمع في "الطفولة" و "المراهقة" كل ذلك "موت بطيء"!.
أن تقع في مصائب أو تحيط بك النوائب، أو تتعثر، ولا تجد من أقرب الناس إليك من يعطف عليك، أو يبدي على الأقل شعور المؤازرة وعربون المودة "موت بطيء"!.
أن ترى من يتصنع التدين، ويكون مع الناس هينا سهلا سمحا، ثم لا يكون مع أقرب الناس إليه إلا فظا غليظا "موت بطيء"!.
أن ترى من يفهم التدين صوريا مظهريا، أو يختزله في العباءة والعمامة، واللحية والمسواك "موت بطيء"!.
أن تعيش مع هذا الصنف من البشر اللا أسوياء "موت بطيء"!.
أن تعيش مع من لا يؤمن بالحوار، ولا يتفضل على نفسه فيرينا بياض أسنانه وإن كانت صفراء "موت بطيء"!.
أن تعيش في وسط أو مجتمع أو بيئة أو محيط أو أسرة أو مدرسة لا يؤمنون بغير العصا والضرب والشتيمة "موت بطيء"!.
أن ترافق صديقا أو صاحبا أو زميلا، ثم يزعج طبلة أذنك، ويعكر صفو قلبك، بكثرة النقد والتشاؤم والسلبية "موت بطيء"!.
أن تعيش في حياة أشباح لا أرواح "موت بطيء"!.
أن تريد أن يفهمك أقرب الناس إليك، ثم لا يفهمون، أو بالأصح لا يريدون أن يفهموا "موت بطيء"!.
أن تعيش في حياة قانونها المال والمصلحة والمظاهر والقوة، لا المبادئ والتضحية والأخلاق والدين "موت بطيء"!.
أن تتألم من الداخل، ولا تسمع من أقرب الناس إليك سؤالا عنك "موت بطيء"!.
ألا تقدر المواهب، ولا يعترف بالفضل لذوي الفضل، ويصدر من هو أجهل من حمار أهله "موت بطيء"!.
أن تستقى الحكمة ويؤخذ العلم من المجاهيل، أو يصدر المشاهير "مشاهير الفلس" و "كلاب المال" و "صيادو الأضواء" و "عباد الفلاشات"، ويؤخر العلماء والمصلحون والفقهاء وذوو العقول والهيئات "موت بطيء"!.
أن تذبل الرجولة، وتغتال الذكورة، وتسطو النساء أو أشباه النساء على أزواجهن، وتحطم قيود الأسرة "موت بطيء"!.
أن يترك الأطفال مع الآيباد والجوال وأمام الشاشات "موت بطيء"!.
أن يكون الشارع هو المربي للأولاد "موت بطيء"!.
أن ترضى بالسطحية والتفاهة، ولا تفكر بجد في عمل مثمر يعود عليك وعلى مجتمعك ووطنك وأمتك بالخير والمسرات "موت بطيء"!.
أن تعرف كل شيء عن السيارات والعقارات والفواكه والخضروات وهذه الأمور الدنيوية، ولا تعرف أسماء الله الحسنى، ولا نسب نبيك محمد صلى الله عليه وسلم، ولم تقرأ تاريخ الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، ولم تقف على غرر سير أعلام النبلاء من التابعين إلى عصرنا "موت بطيء"!.
إن كل ما مضى "موت بطيء" للدين أو العقل، أو الفرد أو المجتمع، وهي مشكلات عويصة، ليست من مبتكرات الخيال، بل هي واقع لامسته ورأيته؛ بل عايشت فصلا كبيرا من فصول هذا "الموت البطيء".
إن الفرد أو الأمة لا تموت فجأة؛ بل على درجات متباعدة، ثم يكون الانهيار الكبير، ومن يرضى بالتخدير؛ فلا ينفعه شيء إذا رأى سوء المصير، وانحل نظام الأمة، ثم سقطت في حفرة كبيرة بلا قاع، لا انتشال لها إلا إذا أراد الله.
فتش في هذا التاريخ؛ تجد صدق ما ذكرت، ما حصل في دولة الأمويين، ثم في العباسيين، ثم في الأندلس، وما حصل في غيرها، مرض صغير، ثم يكبر شيئا فشيئا "موت بطيء"، ثم تكون قاصمة الظهر؛ عندها "ليس لها من دون الله كاشفة".

بقلم/
عبدالرحمن بن مشعل العوفي. 
طبرجل- السبت- ١٤٤٨/٥/١٣.
Abdurrahmanalaufi@gmail.com

الخميس، 22 أكتوبر 2026

فوائد من لقاء (سائح في دنيا السير، الضيف/ محمد بن سعود الحمد)

فوائد من لقاء (سائح في دنيا السير، الضيف/ محمد بن سعود الحمد)

ظهر شيخي الأديب الأريب محمد بن سعود الحمد التميمي وفقه الرب العلي في لقاء بعنوان "سائح في دنيا السير"، في برنامج "مجلس سرى" من برامج "جمعية تأصيل التعليمية" في بريدة.
اللقاء مدته ساعة وست وخمسون دقيقة تقريبا. 
استمعت باستمتاع، وهذه بعض فوائد اللقاء. 

١- السير نوعان: ذاتية، وغيرية.
الذاتية ما يكتبه الشخص عن نفسه، والغيرية: ما يكتبه عن غيره، مثل "الأعلام"؛ للزركلي، و "سير أعلام النبلاء"؛ للذهبي.
وأحصيت السير في الأعلام وهي غير مرقمة، وعددها: ٥٣٧٦ تقريبا. 
والسير الغيرية منها سير عامة، مثل كتاب الزركلي والذهبي المتقدم، وهناك سير غيرية مفردة، مثل "سيرة ابن هشام"، عن الرسول صلى الله عليه وسلم، ومثل كتب العقاد "عبقرية محمد صلى الله عليه وسلم"، "عبقرية الصديق رضي الله عنه"، "عبقرية عمر رضي الله عنه"، وعن سعد زغلول باشا، وغيرهم.
والكتب التي تتحدث عن ابن باز وابن جبرين وأحمد شوقي، رحم الله الجميع. 
٢- أكثر كتاب أصابني بالهم كتاب "مرآة حياتي"، صفحاته ٨٠٠ صفحة، مؤلفه عماد مصطفى طلاس، وزير الدفاع السوري في عهد المقبور حافظ الأسد، وهو سني، وألف له هذا الكتاب في ثلاثة أجزاء.
قرأته كاملا، ولم أستفد منه إلا فائدة واحدة، وهي قصة عن عمر أبو ريشة.
يقول بأن رئيس الوزراء سعدالله جابري في لبنان قبل الحكم العلوي، وسعدالله هذا له مذكرات.
يقول طلاس أن عمر أبو ريشة كان يهجو سعدالله جابري لأخطاء سياسية، فلما مات، بكى عمر أبو ريشة، وجاء إلى بيت سعدالله جابري وهو في الكفن، وكتب قصيدة في رثائه، يقول فيها:
شهد الله ما انتقدتك إلا * طمعا أن تكون فوق انتقادي
وأنصح بحفظها.
٣- هناك كتاب "عشت مرتين" لحمدي قنديل، له برنامج "قلم رصاص".
حمدي قنديل كان يلقي خطابات أيام جمال عبدالناصر في تمجيده في "إذاعة صوت العرب"، وأثر فعلا في كثير من العرب.
العقاد يسمونه "جبار الفكر"، ولم يسافر إلا للسودان.
يقول: "أنا أسافر في عقول الآخرين من خلال كتب الرحلات".
٤- ليس كل مشهور جيد.
٥- نجيب محفوظ اسم لامع في الرواية وله صدى وصيت في مجاله، وقد جلست معه في عام ٢٠٠٢، في عشاء في الباخرة، لما فزت في مسابقة "أمير الشعراء".
اكتشفت أنه لا يطبع من رواياته سوى ثلاثة آلاف نسخة، وهو الفائز ب "جائزة نوبل"!.
أحد التجار قال لي: أفتح الجرائد وأجد اسمك أمامي لما فزت بالجائزة، أي مكتب تدفع له؟ يقول التاجر: أنا كل سنة أدفع ثلاث مئة ألف ريال لأحد مكاتب الدعاية والإعلان في شارع العليا العام، ولا أظهر في الجريدة إلا كل أسبوع!. 
يسميه زكي مبارك "المجد الأدبي"، هذا الذي يبحث عنه التاجر وغيره كثير.
٦- أنا في كل شيء في شؤون الحياة العلمية والعملية والاجتماعية عندي قاعدة رأيتها رأي العين "وأما ما ينفع الناس فيمكث في الأرض".
٧- هناك نوع من السير أسميته "السير المتحركة"، لا نأخذه بغير مجالسة العلماء والأدباء.
٨- مواصفات السيرة الجيدة:
* الصدق.
وأنا أسميه "عطر الوجود".
وأفضل طبعة كتاب أحمد أمين "حياتي"، طباعة الدار المصرية اللبنانية، ومن أفضل مزاياها: الصدق، وقد نص عليها. 
 يقول أستاذنا عبدالوهاب مطاوع رحمه الله: "لو صدرت مذكرات ماسح أحذية؛ لبادرت باقتنائها؛ لكي أطلع على تجربته الإنسانية".
و "العقيلات" ليسوا علماء، لكن عندهم تجارب خصبة.
وشيخنا العلامة د. محمد رجب البيومي رحمه الله له كتاب اسمه "النهضة الإسلامية في سير أعلامها المعاصرين"، موسوعة باذخة. 
جلست عشر سنوات أطارده وألح عليه؛ ليكتب سيرته الذاتية، وكتبها وعمره سبعة وثمانون عاما.
زرته ففاجأني، وأهداني كتابه "ظلال من حياتي"، فكبرت، وقلت: سبحان الذي هداك يا شيخنا، قال: يعني بنتسلى. 
وقلت له: لماذا لا تكتب سيرتك الذاتية؟
قال: ما يكتب سيرته إلا من كان كثير الأمجاد، أو كثير المناوشات، أنا من البيت إلى الجامع إلى الجامعة.
وسيرته في مئتي صفحة، من أمتع السير، تكلم عن طفولته.
وهو من الثلاثين شخصا الذين أدعو لهم بأسمائهم.
ماتت زوجته، وزرته في بيت قديم في المنصورة، لوحده يسكنه، لم يتزوج بعد وفاة زوجته، ورثاها رحمها الله في ديوانين من الشعر، واسمها عصمت، أم حسام.
ماتت في الرياض، ودفنت فيها، وهو كان يدرس في "جامعة الإمام" بالرياض.
زرته قبل وفاته بأشهر وهي آخر زيارة، أمسك بيدي وأخذني إلى غرفة فيها سرير قديم، وأشر على صورة على حائط الجدار صورة أبيض أسود، صورة امرأة، قال: رأيتها؟ قلت: لا، من هذي؟ قال: عصمت، قلت: عصمت من؟ قال: زوجتي، عصمت أم حسام، وهو يبكي. 
يقول: ليس عندي أي صورة لزوجتي، مع أن المصريين كانوا يصورون، فاتصل علي أحدهم مرة، من جماعتنا وقال: أريد زيارتك، قال: تفضل، وهو كان لوحده، وعنده كرتون ميرندا بنصف ريال، قال: تفضل الميرندا تستناك.
جاء الرجل وقال: هذا كنز كم تدفع؟
فأخرج الصورة وإذا بها صورة زوجتي، فتهيجت وهاجت الأحزان، فبكيت، واحترت أبوسه أو أبوس الصورة، فكنت أعيط وأضحك!.
ومن فوائد السير المتحركة: رؤية معاني فاضلة، ومنها الوفاء، كما في هذه القصة.
٨- وضعت في كتابي "فن البوح وترجمة الذات" بابا بعنوان: "من يستحق أن يكتب سيرته الذاتية؟".
أحمد أمين في كتابه "حياتي" ذكر زبدة السبب في نشره لسيرته الذاتية بكل تواضع وصدق.
٩- طه حسين فصل الأدب عن الأخلاق.
١٠- من فلسفتي في الحياة بيت شعري جميل للمتنبي:
لي هوى النفوس سريرة لا تعلمُ
١١- كثير من الصراعات تتخفى أو تتوارى وراء ستار اسمه "الإصلاح" أو "النقد العلمي" وحقيقته "صراع النفوس"، إما لقضية دنيوية، أو فعلا دينية، ولكن صاحبها لا يريد سوى الانتقام، لا الإصلاح!.
١٢- كتاب "الغربال" مؤلفه ميخائيل نعيمة .
١٣- جلال أمين كتب عن أبيه أحمد أمين بأنه لا يصلي ولا يصوم ولا يهتم بالأمور الدينية.
أحمد أمين هو الأديب الملتزم في القرن العشرين.
في منتصف القرن العشرين هبت عاصفة أو موجةغربية؛ قطفت رؤوسا كبيرة.
أحمد أمين ظل معتزا بدينه إلى آخر حياته، وهو من أشد المنافحين عن العقيدة السلفية في مصر، وترجم للشيخ محمد بن عبدالوهاب رحمه الله ما كتب مثلها علماء نجد في كتابه "زعماء الإصلاح في العصر الحديث". وكتابه الآخر "قاموس العادات والتقاليد والتعابير المصرية"، في حرف الضاد "ضريح"، تكلم بكلام عظيم عن الأضرحة في مصر، ونقدها، وأسهب في ذم الأضرحة.
جلال أمين أخطأ بكل حال، حتى لو في والدك سوأة؛ لا تخلدها في كتاب.
وأبوه له كتاب بعنوان "إلى ولدي".
جلال أمين وإخوانه درسوا خارج مصر.
الكتاب طبع في عام ١٩٥١ ميلادي تقريبا الطبعة الأولى.
وهذا الكتاب مليء بالنصائح الدينية، ومما فيه: "والأنس بالدين طبيعة النفس وراحة الروح".
وقال: "ودلتني التجارب على أن عنصر الدين في الحياة من أهم أسباب السعادة".
١٤- الطبعة الثانية من كتابي "معجم كتب السير الذاتية" بلغت تسعة آلاف كتاب.
١٥- الشيخ محمد بن ناصر العبودي عليه رحمة الرب العلي "عميد الرحالين العرب" زرته في الرياض، وقد تكلم عن معاجمه التي ألفها، مثل "معجم أسر بريدة"، وغيرها، ومما قال: يا أبا سعود، الذين تكلمت عنهم في المعاجم؛ أدخلتهم التاريخ. تحسب الكتب مثل الطماطم يومان وتفسد؟! الكتب تبقى إلى قيام الساعة، القيمة والتافهة.
١٦- الكاتب محمد حسنين هيكل يظهر في قنوات كثيرة منها "قناة الجزيرة" وله مؤلفات قريب من أربعين كتابا، يأتي بوقائع في بعض كتبه ويذكر بعض الأسماء.
ظهر اللواء جمال حماد وهو من 'الضباط الأحرار" في "جريدة الأخبار"، ويسمى "مؤرخ الثورة"، ومحمد حسنين هيكل يسمي نفسه "صحفي الثورة"، وهو الذي يصوغ خطابات جمال عبدالناصر. 
الشاهد أصدر جمال حماد سلسلة مقالات يكذب فيها هيكل.
لا تستعجل في الحكم على شخص لأنك قرأت عنه لا منه.
١٧- يقولون طه حسين يمنع الغيبة في مجلسه، إذا تكلم أحد يقول: يا فندم اسكت.
وإذا اغتاب أحد في مجلسه أحد الأدباء الأموات؛ يقول: بيسلم عليك أبو العلاء المعري. 
فيه أديب مخضرم عرف المقصود، وهو بيت شعري لأبي العلاء:
لا تظلموا الموتى وإن طال المدى * إني أخاف عليكمو أن تلتقوا
١٨- الشيخ محب الدين الخطيب رحمه الله توفي عام ١٣٨٩، وله سيرة صغيرة، وهو ناشر السلفية في مصر. 
أنشأ "مجلة السلفية" في أول القرن العشرين، صدرت منها ثلاثة مجلدات، وأعدادها في "دار الكتب المصرية"، وكان في العشرين من عمره، ثم أنشأ "المطبعة السلفية" في مصر، وهو الذي حقق "فتح الباري" لابن باز، وطبعه، وكتابه "مع الرعيل الأول"، درسناه في "المطالعة"، عن الصحابة رضي الله عنهم جميعا، أنصح الشباب به.
ولا يوجد أحد كتب عن الصحابة رضي الله عنهم بأسلوب بديع رفيع مثل الشيخ محب الدين الخطيب والشيخ عبدالرحمن بن رأفت الباشا رحمهم الله جميعا في كتابه "صور من حياة الصحابة". 
ومحب الدين الخطيب أجمع الناس على محبته، السلفيون والتيارات الإسلامية المختلفة، والأدباء، ورجال الأعمال، وشيوخ الأزهر، وليس له عدو، ولا أحد يصنفه، مقبول من الجميع، وهو خال الشيخ علي الطنطاوي رحمهما الله. وعرف الطنطاوي على أحمد حسن الزيات رحمه الله صاحب "مجلة الرسالة".
وكان بعض المتربصين يشوشون على السلفيين بما ذكره الطنطاوي في ذكرياته عن خاله من أنه قام لصلاة الفجر ولم يقم أحد معه لما كان عند خاله، ورد هذه الشبهة سهل وهو أنه لا دليل فيها على عدم صلاته للفجر على كل حال، قد تكون في تلك المرة غلبته عيناه.
أنا لما أذهب إلى القاهرة أسكن في فندف في "حي منيل الروضة"، وخلف الفندق بشارعين شارع اسمه "الفتح"، وفي زاوية الشارع بيت محب الدين الخطيب على ثلاثة زوايا، وعليه لوحة مكتوب عليها "المطبعة السلفية"، وهو ذات البيت الذي زاره فيه الطنطاوي، والطنطاوي لعله نام في إحدى زوايا البيت، ومحب الدين الخطيب في زاوية، أو لعله خرج من باب آخر. 
أنا جمعت بفضل الله تعالى وألفت كتابا بعنوان "مقالات العلامة محب الدين الخطيب" طبع عام ١٤٢٨.
١٩- من "السير المتحركة":
زرت الشيخ العلامة المحدث محمود ميرة، من حلب، زرته في الرياض في "حي الربوة"، وكانت أول زيارة لي، وهي الأخيرة، فتح الباب، وكان يرتعش أو يرتعد من كبر سنه، وبعدها توفي رحمه الله. 
وكان أحدهم يعرف بي، فقال: هذا الذي جمع مقالات محب الدين الخطيب الذي لا يصلي.
قام الشيخ محمود ميرة مغضبا وهو يرتعش، قائلا: لا تقول هذا الكلام، لا تجيب هذا الكلام، من أنطقك؟ الشيطان أنطقك!.
أنا خريج القاهرة، أتردد عليه دائما في "المطبعة" إذا أذن؛ كأنه شاب، وعمره في السبعين، إذا أتى أحد يريد يشتري، يصعد السلم ويأتي بالكتاب، مع أنه عنده عمال، فإذا أذن؛ أخذ بيدي وذهبنا للصلاة. 
والشيخ عبدالله العقيل له كتاب "من أعلام الدعوة الإسلامية"، عمره الآن مئة تقريبا، من أهل "الزبير"، مقيم بين الكويت والأردن، وكان يقول أنا ممن لازمت محب الدين الخطيب، والكلام مكذوب عليه.
٢٠- لدي أكثر من معجم: معجم السير الذاتية، معجم كتب التراجم العامة، اقتربت منهم.
العلم المأكول المذموم هو "المعاجم".
٢١- سافرت إلى العلامة عبدالوهاب التازي رحمه الله في الرباط، وكان سفير المغرب في بغداد، فسمى بيته "دارة بغداد"، مثل الشيخ محمد الجاسر سمى بيته "دارة العرب".
كتابي اسمه "معجم الرحلات العربية والمعربة"، فنصحني بتغييره إلى "موسوعة...".
مع أن الشيخ محب الدين الخطيب لا يؤيد كلمة "موسوعة"، يقول: ليس لها أصل في اللغة العربية. الأفضل والأدق كلمة "معلمة".
في بدايات تأليفي للموسوعة زرت "مكتبة الملك فهد" و "مكتبة الملك عبدالعزيز العامة" و "مركز الملك فيصل للبحوث والدراسات"، أخذت منهم ما يتعلق بأسماء كتب الرحلات، أعطوني "مركز الملك فيصل" ما يقارب مئة وعشرين عنوانا، وتزيد عنه قليلا "مكتبة الملك فهد"، وعندي في البيت قريبا من ثلاث مئة كتاب في الرحلات.
وذكر شيخنا محمد بن سعود الحمد وفقه الله بعض القصص التي واجهها مع المثبطين، وكيف تجاوزها مستدلا بالمثل: "اللي ما يعرف الصقر؛ يشويه".
المعجم الآن ٦٤٠٠ عنوان "موسوعة الرحلات".
كل كتاب ذكرته في الموسوعة، لي قصة معه.
ذهبت للكنائس، لأن كل كنيسة فيها مكتبة ومطبعة، في مصر وبيروت، فيها كتب نادرة.
"دير الآباء الدومني" في القاهرة في "العباسية" عنده كتب ما رأتها عيني إلا عندهم.
و "كنيسة القديس يوسف" في لبنان، وجدت عندهم رحلة "موسوليني" إلى ليبيا، ولا يوجد في أي مكان آخر. مطبوع في الثلاثينات الميلادية.
سبع سنوات فقط أسافر إلى السعودية للسلام على الوالد والوالدة، عيدت في اليونان، وفي المغرب، وفي مصر.
 أصبت بعدوى عبدالوهاب المسيري "الهوس"، قال لي مرة: عسى ما أصابك الهوس؟ قلت: ما دام في العلم عساه يصيبنا. وكنت ممن أتردد عليه كثيرا، رحمه الله. 
كانت رحلة ممتعة مع مشقتها. 
انقطعت عن أصدقائي، بالجوال فقط، وإذا جئت للرياض أسبوع أو أسبوعان فقط، والذهن مشغول.
٢٢- من "السير المتحركة":
الشيخ محمد بن ناصر العبودي وفقه الرب العلي من عظماء الرجال، ومن نبلاء الرجال.
لما صدرت "الموسوعة"؛ اتصل علي، وسألني: أنت مؤلف "موسوعة الرحلات"؟ قلت: نعم، قال: أنت بنفسك؟
قال: ما شاء الله، كررها ست مرات، أو سبع مرات.
قال: لك علي ثلاثة حقوق.
قلت: أنت من؟
قال: محمد العبودي.
قلت: من محمد العبودي؟ 
ما جاء في بالي.
قال: محمد الناصر العبودي.
ثم قال: لك علي ثلاثة حقوق:
سأكتب عنك في الجريدة، والثاني سأكتب للديوان الملكي يشترون نسخ الكتاب يهدونه لضيوف المملكة، والشيء الثالث: أنا لا أعزم، ولا أستعزم، لكن سأكسر القاعدة، وأعزمك، والذي يظهر أنك شاب.
قلت: نعم.
قال: فلوسك واجد؟ مبين أنك ذاهب على حسابك.
قلت: أكيد على حسابي. 
قال: والله إنك أحسن منا، نحن نسافر على حساب آل سعود الله يطول أعمارهم، على حساب "رابطة العالم الإسلامي"، ويأتيني بدل انتداب، ودرجة أولى الطيارة.
قلت: أعفني من كتابتك للديوان الملكي. 
وقال لي: العشاء عندي، والحضور اثنان ثلاثة فقط.
٢٣- وكنت مرة عند أنيس منصور الأديب، كان يفتخر أنه ألف مئتي كتاب تقريبا، فقلت له: يا أستاذ أنيس عندنا كاتب سعودي مؤلف مئتي كتاب فقط في "أدب الرحلات"، سوى "التراجم" و "الأنساب" و "الأمثال الشعبية".
وقال: كرمتوه ب "جائزة الملك فيصل"؟
ولما أنزل السعودية أقابله، قلت: اسمه محمد بن ناصر العبودي 
٢٤- جلست في المغرب شهرا، أكتب بيانات المخطوطات، وكنت مستأجرا سائقا خاصا.
 كتاب "موسوعة الرحلات" ينقسم إلى قسمين: الكتب المطبوعة، والمخطوطات. 
كنت قد جمعت المخطوطات من بلدة إلى بلدة، ولما أردت السفر إلى الرياض، من خوفي عليها وضعتها أمامي في السيارة، كنا نتحرك من "الرباط" إلى "الدار البيضاء" عبر قطار.
أوقفت السائق، أريد أسحب بعض المال للسائق، فلما سلمته إياه، كان بعض السائقين خلفه يضربون منبه السيارة، فغادر المكان بسرعة بعدما وضع الأغراض ونسي أوراق المخطوطات في سيارته، فذهبت خلفه أركض، وبكيت بكاء الأطفال، وبعد سنة رجعت إلى المغرب بغير الشغف الأول، وجمعت الأوراق بغير روحي الأولى. 
٢٥- لي موقف مع الشيخ محمد بن ناصر العبودي:
قلت له: أنت تثني على كتابي "موسوعة الرحلات" لأنه في مجالك المحبب.
قال: الحمد من الزلفي؟
قلت: نعم.
قال: أنت من قبيلة بني تميم؟
قلت: نعم.
قال: أنت من النواصر؟
قلت: نعم.
قال: ألا تعلم أنني من بريدة؟
قلت: بلى.
قال: 
ما تعرف طبايع أهل بريدة؟
قلت: ما هي طبائع أهل بريدة؟
قال: أهل بريدة ما يجاملون، أنا اتصلت عليك لا تملقا ولا مجاملة، أنا لما قلت: كتاب قيم ونفيس؛ أعني ما أقول. بيض الله وجهك يا ولدي، المهم خل الحكي، إذا جئت، تعال تعش عندي.
٢٦- الأديب فهد التميمي سألني: ما هي عيون السير الذاتية في نظرك؟ فزودته بمئة وخمسين سيرة، ملخص أجمل ما في المعجم "معجم كتب السير" في نظري.
فهد التميمي نشرها على تويتر في حسابه الشخصي.
٢٧- أنا أحب الأديب عبدالوهاب مطاوع رحمه الله، وإذا قرأت كتابه "حكايات شارعنا"؛ فضع بجانبك منديلا، أعطي أسلوب وروح.
المتنبي يقول:
حسن الحضارة مجلوب بتطرية * وللبداوة حسن غير مجلوبِ
من أجمل الكتب التي قرأت "سائح في دنيا الله"، لعبدالوهاب مطاوع رحمه الله. 
أنا أحب الإنسانيات خاصة في كتابات عبدالوهاب مطاوع رحمه الله، كأنه يأخذ بيدك في جوه الخاص، لبراعة وصفه.
من دلائل عظمة الله: "علم بالقلم".
٢٨- شيخنا ابن عقيل الظاهري الله يختم له بخير يصف الكتاب الجيد بقوله "الكتاب الفحل".
أصبت بمرض من عشرين سنة كأنه "نفاضة": إذا رأيت كتابا فحلا؛ لا أستطيع أقرؤه قبل ثلاثة أيام، تصيبني رهبة الانبهار. 
كتاب "الحوار الأدبي حول الشعر"، للدكتور محمد أبو الأنوار من آيات الله العظمى. فيه معلومات، وتحليل معلومات، وفاز به في "جائزة الملك فيصل"، وعمره لما ألفه كان ستة وعشرين عاما، ومصادره كله مجلات قديمة، وبراعته في التحليل. 
٢٩- هذه أسئلة طرحت عليه وأجاب عليها:
س/ السيرة التي تقول للقارئ ابدأ بها؟
حياتي، أحمد أمين. 
س/ هل ستكتب سيرتك الذاتية؟
كتبت عنوانها "أمسي".
س/ الشيء الذي لن تكتبه في سيرتك؟
ما يغضب الله، ويخالف الدين والأعراف. 
س/ السيرة التي استوقفتك؟
حكاية شارعنا، أثرت في نفسي جدا.
عبدالوهاب مطاوع كاتب إنساني رحمه الله. 
عبدالوهاب مطاوع رحمه الله أديب وصحفي و "جمعية خيرية"، أقابله في "جريدة الأهرام" و "جريدة الشباب" كان مديرهما، فأجد عنده طوابير من المعاقين والمحتاجين. مكتبه في "مجلة الأهرام" فتحه لخدمة الناس. كان إنسانا في كتاباته وواقعه.
يذكرني به البيت الذي يقول:
شم الأنوف كريمة أحسابهم * ...
عبدالوهاب مطاوع رحمه الله من الطراز الأول من المثقفين.
دوامه ثمان ساعات، ويقابل المحتاجين والمرضى، ويعالج مشاكل الشباب والطلاق.
ومع كل هذه الأعباء يقرأ يوميا ٣٠٠ صفحة بالعربية والانجليزية والفرنسية. 
كان معه فشل كلوي، وهو يغسل الكلى كتابه في يمينه يقرؤه، وعند الانتظار!.
س/ شخصية تتمنى أن يكتب عنها؟.
أتمنى أن يكتب الملك سلمان بن عبدالعزيز آل سعود أعزه الله بالإسلام والسنة والتوحيد سيرته الذاتية، وأنا عرفته عن قرب في مجالسه الخاصة.
وهو مثقف من طراز فريد، وقارئ نهم، وأحيانا أسأله بالجوال، لا يشفي غليلي إلا هو. مطلع اطلاعا واسعا على السير.
أحيانا أحضر له كتابا عند صلاة المغرب، وغدا ينتهي منه، ونتناقش فيه. ومعه في جيبه العلوي دفتر صغير، يسجل فيه بعض الفوائد.
وفي عام ١٤٣١ أرسلت له خطابا لما كان أميرا للرياض، اقترحت عليه كتابة سيرته الذاتية فرد: الوقت لا يسمح.
كان سلمان بن عبدالعزيز آل سعود صديقا للعلماء والأدباء، كان يطمئن على الشيخ بكر أبو زيد والشيخ الفريان، شاهدته لما يتصل، ويطلب من المستشفى يوميا إرسال تقرير عن حالة المريض.
عبدالوهاب المسيري رحمه الله مات بالسرطان، أخبرني قبل موته بأن مكتب الأمير عبدالعزيز بن فهد اتصلوا به وأخبروه بأن الأمير عبدالعزيز سيتكفل بقيمة علاجه في أمريكا، وسيرسل لك طائرة خاصة.
ومن الغد اتصل علي مكتب الأمير سلطان بن عبدالعزيز وقالوا لي: الأمير سلطان يتكفل بكل مصاريف العلاج، ونفقات المرافقين، قد يكونوا لم يعلموا باتصال مكتب الأمير عبدالعزيز بن فهد. 
يقول: فقلت: اللي سبأ؛ أكل النبأ.
فوافق على عرض مكتب الأمير عبدالعزيز بن فهد، واعتذر من مكتب الأمير سلطان بن عبدالعزيز. 
وقال بأن مكتب الأمير سلمان في وقته اتصلوا بي وقالوا: الأمير سلمان معجب بكتابك "موسوعة اليهود واليهودية والصهيونية"، ويريد مئة نسخة بنصف مليون ريال، حتى لا يجرح الرجل، فأعطاه المبلغ، ولم يستلم النسخ.
محمد حسنين هيكل مثقف كبير، عريق، ومطلع. من أكبر القراء في هذا العصر، قارئ إلى قبل وفاته بأسبوع، وعمره ٩٤ عاما، جاءته الكتب عبر "DHL" من بريطانيا وأمريكا! وكان له مواقف ضد المملكة العربية السعودية، وألف كتابا عن "الملك فيصل"، لكنه حذفه بعد ذلك، ألفه أيام جمال عبدالناصر. توفي عام ٢٠١٦ تقريبا. 
ذكر عبدالله السناوي له كتاب "هيكل بلا حواجز" عن هيكل من خلال لقاءاته به.
يقول: لما توفي هيكل؛ طلب الأمير سلمان في وقته رقم تليفون زوج هيكل ليعزيها، وهي هداية تيمور من عائلة العلامة أحمد تيمور باشا، فلم يجدوا رقمها، والسفير السعودي أحمد قطان لم يجد رقمها، فاتصلوا بتلاميذ هيكل: عبدالله السناوي، ومصطفى بكري.
الملك سلمان يحترم المثقفين حتى لو اختلف معهم في الرأي.
وهيكل أكبر عدو للملكة من الناحية الكتابية، ويعزي فيه الملك سلمان، هذه النفوس الكبيرة، تترفع عن الأحقاد، وعن السوداوية. 

بقلم/
عبدالرحمن بن مشعل العوفي. 
طبرجل- الخميس- ١٤٤٨/٥/١١.
Abdurrahmanalaufi@gmail.com

الأحد، 18 أكتوبر 2026

من أكثر الأبيات التي أعجبتني- (أيا ياسمين التي من حلب)

من أكثر الأبيات التي أعجبتني- (أيا ياسمين التي من حلب)

للشاعر تميم البرغوثي.

أَيَا يَاسَمِينُ التي مِنْ حَلَبْ
وَأَهْلُكِ تركٌ وَأَهْلِي عَرَبْ
وما بيْنَنَا رغمَ ما بيْنَنَا
سُيوفٌ تُسل ونارٌ تُشبْ
لِعَيْنَيْكِ سَامَحْتُ هَذَا الزَّمَانَ
وَكُنْتُ عَلَيْهِ طَوِيلَ العَتَبْ
جمالٌ يُبطِّئ مرّ الرياح
ويرجعُ بالنهْرِ قبلَ المصبْ
غَرِيبٌ عَلَى الدَّهْرِ حسنك هذا
فُديتِ ولا حُسْنَ إلا اْغْتَرَبْ
وَمَا عَادَةٌ للبَخِيلِ العَطَاءُ
وَلا عَادَةٌ للكَرِيمِ الطَّلَبْ
وَلا الحُرُّ عَادَتُه أَنْ يَهَابَ
وَلا النَّذْلُ عَادَتُهُ أَنْ يَهَبْ
وَقَدْ يَحْدُثُ الحُبُّ مِنْ غَيْرِ قَصْدٍ
كَمَا اْتَّزَنَتْ للنَّبِيِّ الخُطَبْ
وَخَيْرُ الهَوَى مَا يَكُونُ اتِّفَاقاً
بِلا نِيَّةٍ سَبَقَتْ أَوْ سَبَبْ
وَشَتَّانَ مَاءُ الغُيُومِ الفُجَاءُ
وَمَاءٌ يُجَاءُ بِهِ فِي القِرَبْ
لِعَيْنَيْكِ فِي الخَلْقِ مُلْكٌ إِذَا ما
رَآهُ الرَّشِيدُ اْعْتَرَتْهُ الرِّيَبْ
وَشَعْرُكِ لَيْلُ اْمْرِئِ القَيْسِ لَكِنْ
بِغَيْرِ الهُمُومِ اْرْتَخَى وَاْنْسَكَبْ
وَيَا يَاسَمِينُ خُلِقْتُ خَجُولاً
سِوَى فِي اْثْنَتَينِ الهَوَى والغَضَبْ
وَلَمْ أَكْتُبِ الشِّعْرَ فِيكِ وَلكِنْ
أَحَبَّكِ مِنْ نَفْسِهِ فَانْكَتَبْ

بقلم/
عبدالرحمن بن مشعل العوفي. 
طبرجل- الأحد- ١٤٤٨/٥/٧.
Abdurrahmanalaufi@gmail.com

الخارجي عبدالله الشريف وافتراءاته على السعودية في حربها على الحوثيين

(الخارجي عبدالله الشريف وافتراءاته على السعودية في حربها على الحوثيين)

الملعون بلعنة الله والملائكة والناس أجمعين المدعو عبدالله الشريف خارجي بامتياز.
من آخر مقولاته: "ولي العهد محمد بن سلمان مجرم أكثر من الحوثي!".
هو في الحقيقة خارجي مارق، كذاب أشر، ولا يعرف في مسألة المصالح والمفاسد أي شيء، ولذا فهو في خندق الأعداء على السعودية "قاتلهم الله أنى يؤفكون".
صدق من قال: "إن الخوارج لم يقيموا دينا ولا دنيا"، وفي الحديث: "شر الخلق والخليقة، لئن لقيتهم لأقتلنهم قتل عاد"، وذلك لعظم فسادهم، وخطورة منهجهم، وهم أول الفرق انشقاقا عن جماعة المسلمين، لما خرجوا على عثمان ذي النورين رضي الله عنه وأرضاه، وهم فرق متعددة.
ومن افتراءاته على ولي العهد محمد بن سلمان - أعزه الله بالإسلام والسنة والتوحيد - قوله: "حبس جميع علماء الأمة الكبار العدول!"، وهذا من الظلم البين، وعظيم الافتراء، فالعلماء الكبار لم يسجنوا ولله الحمد، المفتي صالح بن فوزان الفوزان، والعلامة عبدالكريم الخصير، والشيخ العلامة صالح بن عبدالعزيز آل الشيخ، والمحدث عبدالمحسن العباد، وأعضاء هيئة كبار العلماء، وأعضاء اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء، ومفتي المدينة العلامة الفقيه محمد بن محمد المختار الشنقيطي، بل سجنت من همز ولمز وغمز، أو خطط أو نفذ.
ومن مقولات هذا الخارجي أن اليمني المقتول ليس بأقل درجة من السعودي المقتول، وكأن السعودية سلمت من "الحوثي" ومحارشاته وصواريخه حتى تبدأ هي المعركة، بل هذه الزمرة النجسة هي التي تحرشت وتحركت وقصفت ابتداء، والحكومة الشرعية اليمنية هي التي استنجدت بالسعودية، والسعودية في اليمن جهودها يشكرها اليمنيون الغيارى الناصحون الصادقون قبل غيرهم، جهود إغاثية كبيرة، ومعونات ومستشفيات، وجهود عسكرية صفا لصف مع القوات اليمنية، لكن هذا الخارجي كعادة الخوارج في التشويش والتهويش، فالخوارج منذ الأزل يقتاتون على مصائب وجراحات الأمة.
هذا الخارجي المأفون استهزأ بأعضاء هيئة كبار العلماء وبالمفتي صالح الفوزان حفظه الرحيم الرحمن، وهذه من أبرز سمات الخوارج الطعن في العلماء الراسخين.
هذا الخارجي المارق يزور الحقائق، يقول بأن السعودية هي من بدأت الحرب أثناء المفاوضات مع الحوثيين، وأن الحوثيين لديهم الرجال والقوة إلى الآن، فهم متماسكون، وأن هذه الحرب ما هي إلا "مسرحية" صنعتها السعودية، وأنها لا تنتهي إلا بالسلم.
وهذا المأفون الخارجي المارق يقارن بين حرب إيران مع الصهيونية وحرب السعودية مع الحوثيين، ويقول: لا يلزم أن يكون الطرفان على حق، أو على باطل، بل قد يكون كلاهما على باطل ومجرم، وهذا قياس مع الفارق، بل أين السعودية من إيران في عقيدتها ومنهجها؟ الأولى سنية رائدة في سنيتها في العالم بشهادة المنصفين، والثانية رافضية خمينية باطنية خبيثة بشهادة المنصفين والصادقين.
ثم إن السعودية طلبت المفاوضات مع الحوثيين، ولما غدروا، قصفت وتحركت بقوتها وعتادها؛ ردعا لمسيرات الباطل وصواريخ الباطنية، وهي بدعم إيراني خبيث، فالحوثيون في اليمن مدعومون من إيران عسكريا وماليا منذ سنين عديدة، وقد مهدوا لهذا التخريب منذ أكثر من عشرين سنة عبر بث المعممين العراقيين وغيرهم في اليمن السعيد.

بقلم/
عبدالرحمن بن مشعل العوفي. 
طبرجل- الأحد- ١٤٤٨/٥/٧.
Abdurrahmanalaufi@gmail.com

السبت، 17 أكتوبر 2026

تركي بن ربيعان وخلف بن هذال العتيبي

(تركي بن ربيعان وخلف بن هذال العتيبي)

خلف بن هذال العتيبي شفاه الله وعافاه، شاعر الوطن الكبير، وشاعر الملوك، متميز في شعره القوي الحماسي، وشعره الوطني على وجه أخص، متميز كذلك تميزا منقطع النظير في طريقة إلقائه القوية المتناسبة مع قوة أبيات القصيدة وشعره الملقى.

وصل إلى رتبة لواء، وصدح في سماء الشعر الوطني السعودي بإبداع إيقاعي منظم مطرد، لا يزداد مع تقادم الأيام إلا حماسة ووطنية. 

لقد مدح الملوك من آل سعود فيصل وخالد وفهد وعبدالله وسلمان، والأمير سلطان في عهده لما كان النائب الثاني، ثم لما كان ولي العهد، ولما ظهر قرن الخوارج الخبيث؛‏ قال فيه شعرا يهجوهم فيه، فهو شاعر وطني مهاجم منافح، وشعره لا يقل ضررا في الفتك بمشاعر ووجدان الأعداء من راجمات الصواريخ وفوهات المدافع، فللكلمة قوة، وللشعر هيبة وسلطة على النفوس، فهو بمثابة "وزارة الإعلام" أو "وزارة الدفاع"، أو أسمى من كل ذلك...

مقصودي ليس ما مضى مما ذكرت وأكثرت، ولكن أردت أن أقول ما يلي:‏ 

إن شاعرنا الكبير خلف بن هذال العتيبي شفاه الله وعافاه قد ذكر في أكثر من لقاء كيفية صعوده في سماء الشعر الوطني الفسيح، وهو أنه لما جاء من الكويت فزع إلى شيخ عتيبة في عهده تركي بن فيحان بن ربيعان - رحمه الله رحمة واسعة وأسكنه فسيح جناته وأعقب له في ذريته خيرا كثيرا - وهو أمير الفوج التاسع بالحرس الوطني السعودي، وذلك في الطائف في عام ١٣٨٤ في عهد الملك فيصل رحمه الله، وكانت مقرات الدولة في ذلك الوقت في الطائف، فقال له تركي:‏ يا خلف لماذا تركت الكويت؟ قال:‏ والله يا طويل العمر ما كتب الله لي نصيبا فيها.

قال له:‏ غدا حفل أول فرقة من الحرس الوطني تحور عسكريا، وهي فرقة "ابن جريس"، وغدا الحفل بعد صلاة المغرب، برعاية وزير الحرس الوطني الأمير عبدالله بن عبدالعزيز آل سعود، تستطيع أن تنشئ قصيدة؟

قلت:‏ أقدر بقدرة الله.

قال لسائقه "خالد" تعال، خذ خلف، واذهب به للمكان الذي يريد، وكنا على ونيت الحرس ٦٤، لازمه حتى يفرغ من القصيدة.

ذهبنا إلى "قهوة" خلف "فندق مسرة"، كانت صحراء، جلسنا على مركازنا نشرب الشاي، أذن الفجر واكتملت القصيدة.

وكان تركي ساكنا في "الشرقية"، فلما رجعنا إليه سألني بشر؛‏ قلت:‏ جاهزة يا طويل العمر، قال:‏ علمني، فألقيتها أمامه، فأعجب بها.

وكان الحفل والعشاء بعد صلاة المغرب، وكانت الإذاعة فقط هي الموجودة، لا يوجد تلفاز، والحفل لا يوجد فيه حتى إذاعة.

قال تركي للأمير عبدالله:‏ هنا شاعر عتيبي جاء من الكويت يريد يلقي قصيدة، قال:‏ ما يخالف.

جلس وزير الحرس الوطني الأمير عبدالله على الكرسي، وأخذ الشعراء يلقون ما لديهم، في أوراق مكتوبة، فتضايقت، وأتيته وقلت:‏ يا طويل العمر قصيدتي جاهزة، قال:‏ بعدين. 

وأنا أعود وأجلس في "الونيت"، وإذا الحفل شارف على النهاية، فأتيته وقلت:‏ قصيدتي جاهزة، تريدني ألقيها أو أذهب؟ قال:‏ اذهب، وهو مغضب، فأرجعوني خلف الصفوف، وذهبت مغضبا.

الآن سيقلطون على العشاء، والشيخ تركي ضائق صدره، ووزير الحرس أراد أن يخرج يقضي حاجة له، فرأى ذلك الرجل عليه بشت، فسأل العسكري من هذا؟ قال:‏ تركي، وهو يذهب إليه دون أن يشعر، ويأتيه من وراء، ويضغط على كتفيه، قال:‏ يا طويل العمر لا توجعني، قال:‏ وش ادراك؟ قال:‏ أعرف لا يأتيني في هذا المكان سواك، وقام مع الوزير وحب يده وخده، قال:‏ أنا طالبك يا طويل العمر، قال الوزير:‏ لا، لا، هذا مجنون، قال:‏ أنا طالبك يلقي قصيدته فقط.

أنا كنت في "الونيت"، فنادى علي تركي، يا خلف يا خلف، فأتيت، وألقيت القصيدة أمام الوزير، فأعجب بها، وقال:‏ من أين جئت؟ قلت:‏ من الكويت يا طويل العمر، قال:‏ ولماذا تركت الكويت؟

قال:‏ أبحث عنك يا طويل العمر. 

فأمر بأن يعين من غد في وظيفة "جندي سائق"، وراتب الجندي في ذلك الحين ١٥٠ ريالا، والجندي السائق ٢٧٠، ويعين في مكتبي الخاص، وخويي الخاص.

قال أبو عبدالملك:‏

 هي خصال وخلال، أسباب وأرزاق، انظر أولا لموهبة خلف التي استغلها، ثم للشيخ تركي بن ربيعان كيف قدر هذه الموهبة، وقدم هذا الشاعر للمقام الذي يستحقه، ثم قبول الوزير لطلب خلف وطلب تركي قبله، ثم تلك المكافأة وذلك التعيين.

إذن موهبة شخصية، عرف صاحبها بها مكانته، ثم سعى في طلب الرزق، وآخر يكافئ هذا الإنسان الموهوب بتقديمه لمكان يستحقه، وإنسان ثالث يستقبل هذه الموهبة ويكافئ عليها، ثم انظر ما آلت إليه الأمور بعد ذلك، أصبح خلف هو خلف بن هذال العتيبي شفاه الله وعافاه، شاعر الوطن الكبير، وشاعر الملوك، وشاعر الجنادرية.

في هذه القصة عبرة، وهو التأكيد على ضرورة إحياء المواهب المدفونة أو المتوارية، والتحفيز على ذلك بالمكافآت العينية والمعنوية، حتى نخلق من الأفراد الموهوبين "مجتمعات موهوبة"، وهو أيسر طريق للإبداع، وأعظم سبيل للنجاح:‏ اكتشاف الموهوبين ودعمهم بكل وسيلة خيرة، وتصديرهم للإعلام والوظائف والأعمال اللائقة بمواهبهم.

وللأسف أقول:‏ 

إن لي تسع سنوات في التعليم الحكومي، لم أر اهتماما يذكر أبدا في اكتشاف الموهوبين وتحفيزهم، وغالب ذلك مرجعه لإدارات المدارس، فلا تفعيل للإذاعة، ولا للمصادر، ولا للمكتبة، حتى كرة القدم لا تستغل! والله المستعان. 

إذن كيف يشتاق الطالب لهذا الجو المريض الكئيب؟!

كيف يبدع؟ كيف يخرج موهبته؟ أم كيف يعرفها أصلا في جو لا يعمل ولا يطرب للجمال والإبداع والموهبة؟!

والوالد وكل مسؤول عليه مسؤولية عظيمة في اكتشاف موهبة من تحت يده، وتنميتها، والمكافأ عليها، وإلا فلا إبداع ولا جديد.

وخلاصة الأمر:‏

 صنع الموهبة أو اكتشافها وتنميتها من عمل الرجال الأحرار.

بقلم/

عبدالرحمن بن مشعل العوفي. 

طبرجل- السبت- ١٤٤٨/٥/٦.‎ Abdurrahmanalaufi@gmail.com