يقول "هو أنا" أو "هوانا" لا يهم من القائل بقدر ماذا يقول، فإن القول هو المطلوب - بغض النظر عمن صدر منه ذلك القول -:
عشت طفولة بائسة، وذقت المرارة والمرير والأمر في كل أطوار حياتي، في الطفولة والمراهقة، وفي الجامعة والوظيفة، ولما تزوجت، ولما طلقت، وبعد الطلاق، وخلصت إلى حكم سديدة، وآراء متينة، ولا أدعي الصواب في كل ذلك، ومجنون من يدعي العصمة بعد الأنبياء عليهم الصلاة والسلام.
ولئن كان "الاعتراف" جزءا لا يتجزء من حالة أي أديب أو مفكر، فإنني خلقت معترفا قبل أن أتأدب أو أتشاعر، ولا أزعم أبدا أن ذلك الاعتراف هو من قبيل التربية المتلقاة، ولا من جهة التعليم الأكاديمي، ولا من قبل حلقات العلم وتحفيظ القرآن الكريم، لا، بل من شيء واحد دعاني للتأمل كثيرا في نفسي وفي الكون وفي هؤلاء الأناسي، وفي تلك الأحداث المحلية والعالمية، شيء واحد دعاني للوقوف والتأمل كثيرا، والاستنتاج والربط والفك والتحليل، شيء واحد لا غير، وهو ما أسميه أنا العبد الفقير عبدالرحمن الربيعاني "ممارسة الحياة"، أنا كائن حي بالفطرة، قد تستغرب هذا الكلام، ولكنه الحق والواقع، وليس تزيدا أو ادعاء ملائكية نفسي.
أزعم أنني إنسان حي بصير قادر متحرك، يؤمن بنفسه، ويؤمن بربه، ويكفر بكل ما لا يؤمن به، أي "إنسان شفاف"، يحب الوضوح، ويكره الروغان، يمقت "المظهرية" ويفضل "الربانية"، حتى النصيحة يفكر كثيرا في سلوكها قولا وعملا ونية وإرادة، وكل فعل خير أو فعل بر يحب أن يستصحب نيته فيه، فهو يفتش في إراداته ومراداته، ما الذي دفعه لفعل هذا وترك ذاك؟!
"هو أنا"، مارس الحياة بكل ما فيها من تناقضات، وكاد أن ينفجر رأسه من كثرة التفكير، صاحب يخون صاحبه في أعز موقف، ووالد يسطو على ولده المؤدب، وزوج وزوجة ينكران المعروف والود، ومواقف كثيرة تختل فيها "مروءات المستعربين" أي: من يدعي العربية وهو لا يحفل بعربيته واقعا وعملا وفكرا ومنهجا، ومواقف أخرى فيها صور كثيرة عظيمة من الظلم والظلمات...
"هو أنا" يقول:
قد عرفت معنى النفاق والمنافقين، مظاهر وماديات، مصالح ولا إنسانية، وهذه "الفلاشات" و "الكاميرات"، وما تراه من الضجيج وما تسمعه من المدح المزيف والكاذب؛ تعلم أن تلك الأموال وذلك المدح هو دولة بين أناس معينين، أي يتداولونه بينهم، وصاحب الحق والحاجة لم يبرح مكانه، ولم يغادر موقعه!.
والد أو أخ أو عم أو خال، أو أبناؤهم لا يسألون عن بعض، ولا يتراحمون، ولا يسند بعضهم بعضا، حتى الكلمة الطيبة غادرت فضاءهم، إن كانت بينهم أصلا، قل لي بربك أي إنسانية يتحدثون عنها؟ أم أي دين؟ أم أي أخلاق؟!
إن العربي في الجاهلية لديه أخلاق أكثر من كثير ممن رأيت، فهم لا أخلاق الإسلام ولا مروءة الجاهلي، والمصيبة أنهم فرحون مستأنسون، أو على الأقل راضون بما هم عليه، ولا نكير!.
أين القلوب؟ أين الدين؟ أين المروءات يا أصحاب "الكاميرات" ويا أرباب "الفلاشات"، ويا أيها الشعراء المداحون الهجاؤون؟!.
الترابط الأسري والتلاحم المجتمعي قد خفت إلى حد بعيد للأسف، حتى من يذهبون للأعراس ولو كان من الأسرة الواحدة أو العائلة الكبيرة أو القبيلة لا تجدهم يسندون العريس بمبلغ طيب أو مجزي، مسكين ذلك الشاب أو العريس، أولا تكاليف عرسه، مهر زوجه، تأثيث بيته، عليه أن يتحمل كل ذلك لوحده!.
والله إن أقسى ما يواجه الإنسان في هذا العصر الحرج اللا إنساني هو "توحش الإنسان" و "توغل المادية"، هو ألا تسمع الكلام الحلو ممن يظن فيهم الحب والإخاء، كالإخوان والوالدين والأعمام والأخوال والأقارب والجيران، وأصحاب التوجه الواحد، وأرباب العمل في أعمالهم كالموظفين وغيرهم، المنطق يقول المفترض أن يكونوا أقرب لكل خير وأبعد عن كل شر، والدين يقول ذلك أيضا، ولكن الواقع للأسف يقول غير ذلك.
"هو أنا" يدعي أنه أصبح يتحمل أعباء ينوء بحملها صم الجبال الرواسي، لأن لديه وعيا وفكرا وعقلا لا بأس به.
المشكلة والمعضلة أن بعض الناس أو أكثرهم يقفون عند الحكم الظاهري، أو عند الأفعال المجردة، ولا ينفذون بأبصارهم وبصيرتهم إلى العلل والأسباب، فلذا لا يتوصلون إلى نتيجة مرضية؛ بل إلى نتيجة مرضية، مزيفة، فيبنون عليها التصورات ويطلقون بعد ذلك عنان الأحكام!.
المشكلة والمعضلة هو أن تعيش "دور البطل" أو "شيخ الإسلام" أو "رجل المال والإعلام" وترى من حولك مجرد هباء، كبر وغطرسة، جهل مركب، أمراض متأصلة، ومع كل ذلك يثور إن نصحته أو لمحت له ليغير من وضعه، ويبدل من طريقته، ويستبدل أسلوبه!.
المشكلة والمعضلة أن أكثر الناس يهتمون بأدق التفاصيل في أمور الدنيا والمادة، ثوبه الذي يرتديه، يحرص حرصا شديدا على نظافته، كذلك جسده، من باب أولى سيارته، لكن الدين والأخلاق وهذه الأشياء لا يهتم بها كما ينبغي، أو لعله لا يهتم بها أبدا!.
كيف تريدني أن أحب من لا يحبني، أو أتقرب إلى من لم يتقرب مني، أو بالأحرى أشعر بالجفاف عند رؤيته، أو بالأحرى بالكره أو الامتعاض منه؟
إن روحي لتذبل ألف مرة عند رؤية بعض الناس، لا، بل عند مجرد التفكير فيهم، قد سلخوا من الإنسانية سلخا مهينا، فلا تشم فيهم أو منهم رائحة إنسانية، أكوام من اللحم والعظم، وحسب!.
إن روحي لتنزف ألف مرة حسرة على رؤية بعض البشر، كيف يحق لأحدهم أن يظن نفسه من البشر وهو في الحقيقة والواقع صفاته ليست صفات البشر الأسوياء؟!.
بعض الناس أو أكثرهم قد خول لنفسه أن يأخذ موقع الحكم والناس هم اللعيبة، أو موضع الناقد والناس هم المنقودون، وذلك في كل الحالات، حاله يدل على ذلك، تصرفاته وأفعاله تعريه وتفضحه.
وأخيرا:
أغبى الناس من يظن العقل فيه والغباء في الناس.
بقلم/
عبدالرحمن بن مشعل العوفي.
طبرجل- الأربعاء- ١٤٤٨/٤/١٢.
Abdurrahmanalaufi@gmail.com