الجمعة، 16 أكتوبر 2026

(تهميشات على قصيدة خلف بن هذال العتيبي "يا الله بمانك من النكبات تامنا")

(تهميشات على قصيدة خلف بن هذال العتيبي "يا الله بمانك من النكبات تامنا")

آخر إحصائية لقتلى الحوثيين كانت قبل يومين، فطس في يوم واحد ألف ومئتان وخمسون من تلك النفوس البائسة، وذلك منشور على منصة × في حساب الإعلامي مالك الروقي وفقه الرب العلي. 
والآن معارك ضارية في صنعاء وتعز، كلل الله مساعي أهل السنة والجماعة بالفلاح والنجاح، وأحبط مخططات الحوثة أذناب إيران في اليمن، وجعل كيدهم أسفل سافلين، آمين.
وأثناء هذه الأحداث وفي خضم تلك التطورات، وما نشاهده من كر وفر، وما رأينا من ضرب صاروخي لمطار الملك خالد الدولي بالرياض، واستشهاد اثني عشر مواطنا ومقيما، ومنهم معتمرون، عليهم ثياب الإحرام، ومنهم نساء وأطفال، وقبلها ضرب مكة والمدينة، وضرب خميس مشيط وأبها؛ ظهر لي - وأنا أسمع وأستمتع بقصيدة خلف بن هذال العتيبي - أن أجعل تلك القصيدة محور كتابتي هذه.
قصيدة شاعر الوطن الكبير خلف بن هذال العتيبي شفاه الله وعافاه التي صدح بها بعد حرب الخليج الأولى لما احتل نظام البعث الصدامي العراقي الجارة الكويت، وفيها مشاعر مفعمة بالمودة وصلة القربى.
هذه القصيدة خاصة بإلقاء صاحبها الشاعر الكبير لها رونق خاص، وإبداع سمعي خاص، يخترق شغاف القلب.
أنقل هنا بعض أبيات القصيدة.
يقول الشاعر:
يـاللــه بمــانــك مـن النـكبـات تـــامـنـــا * والــدار بـحـمـاك تـمـنـهـا وتـامــنــهـــــا
انظر إلى البداية القوية المباشرة: توكل على الله، والتجاء إليه بالدعاء. 
إلى أن يقول:
والـممـلـكـة فـي حمـانـا حـيـث مـاكــنـا * بـالـدم نسقــي ثـراهــا وانـتـحـضـنـهــا
فـرض علـينـا وعـهــد قـد مضـى مـنـــا * إنـرد بـالنــار هجـمـات الـعـدا عـنــــهـــا
صـنــا المشـاعـر عن اشـرار العـدا صنـا * عـنهـا الشـوارب إلـى فتـلـت نحـسنـهـا
مـكــــة وطـيبـة لنـا والنـا وغـضـب الــنـا * تـرسـانــة الـديـن للـعـالـم نـتـرسـنـهـــا
وفتح عبدالعزيز لمكة والمدينة معروف، واستهداف الحوثي المجرم لمكة والمدينة مشهود منشور على وسائل الإعلام. 
عـلـى الـجـزيـرة بـحـزم وعـزم هـيـمـنـا * تـفـخـر بـنــا فـايسـر العـربـان وايـمـنـهـا
بالـعـدل والعـرف والحـكـمـة تـسـلـطـنـا * نـتـرك كـثـيـر الامـور ونـاخــذ احسـنـهــا
ذكر الشاعر هنا بعض الخلال النبيلة والصفات الجليلة لملوك وحكام المملكة العربية السعودية، وهي:
* الحزم والعزم.
* العدل.
* الفهم. 
* الحكمة
* الأخذ بأحسن الأمور وأنفعها.
لاهــــــانـت بـلاد اخـو نــــوره ولا هــنــا * الجــوخــه اللـي لبـسـنـا مـن بـطـايـنـها
طبعا أخو نورة هو الملك البطل المؤسس الموحد صقر الجزيرة العربية: عبدالعزيز بن عبدالرحمن بن فيصل بن تركي بن عبدالله بن محمد بن سعود رحمه الله رحمة واسعة وأسكنه فسيح جناته وأعقب له في ذريته خيرا كثيرا. 
دار ربـتــــنـــا وضــمــتـنــــا وفــضـلـنـــا * المــوت فـيـهــا ولا نـجـــس يــدرنـــهـــا
وهنا يتجلى عزو الفضل لذوي الفضل، وفي المثل: "لا يعرف الفضل لذوي الفضل إلا أهل الفضل".
ولما ذكر فضل المملكة على الشعب؛ ذكر ما تستوجبه معرفة الفضل وهو الدفاع عنها، بل تفضيل الموت على الحياة في ظل أعاديها ومغتصبيها، وهذه شهامة وكرامة، ونبل أخلاق، ومروءة. 
دار عـلـى خـدهـــا الـطــاهــر تـمـكـنـــا * فيـهــا ومـن فـوقــهــا نـحـفـظ تـوازنـهــا
يــا دار طـيـر السـعـد والـعـز لـك غـنــى * حـلــو الأنـــاشـيـــد بــاصــواتــه يلـحنهـا
يـا دار مـا تـقـتـحـمـك الانــس والـجـنـــا * دونــك عـيـــال تـفـادي عــن مـواطـنـهـا
ذبــاحــة الحــيــل وأهــل الهيــل والبنــا * نــطــاحــة القــوم حمــايــة ظـعـايـنـهــا
ذكر الشاعر هنا "ذباحة الحيل"، والحيل: الشاة السمينة تذبح للضيف؛ إكراما له وإعزازا، واستخدمها هنا تعبيرا عن الكرم والجود والفضل.
فــي ســوق جاتك ماهي بسوق هونـا * تــحمـى عـلـمـهـا والى مـاتـت يكـفنهـا
إن دنـدنـــــت طبــلــة الحــراب دنــدنــــا * بـايــات حــق علــي وبــلال دنــدنــهـــــا
وكثيرا ما كنت أسمع الشيخ د. عائض بن عبدالله القرني وفقه الرب العلي بستشهد بهذا البيت.
كـــم مــــن حــريـــب تـــورط في حبايلنا * حـبـايـــل مـن اسلـــوب الحـرب نـتـقنهـا
جــاك امـتـنـكـس ويخسـر من يراهـنــا * مثـل الذبـيـحــة بــاسـافـلها نـكـرعـنـهـا
والـيـا دعـي من يشيــل الحمـل لـه شلنـا * ارقــابـنــا فـي حيــاض المـوت نرسنــها
وحــنا علــى جبهــة الغـــازي تـكـامـنـــا * حــاضــر بـحــاضـر عـدانـا مـا نـعـايـنـهـــا
وحـنـا لــــيـا عـدت فعــول العــرب حـنـــا * انــسـانــد العــرب ونـدعـــم تـضـامـنـهـا
بالقول والفعل، وليس كما فعل صدام وحزبه الإجرامي "حزب البعث العربي الاشتراكي"، لما غدر بالكويت والسعودية، واحتل الكويت، وقصف السعودية، ولا كالحوثيين المجرمين الذين أفسدوا في اليمن، فجروا المساجد، وقتلوا الركع السجود، وأعلنوا سب الصحابة، ودنسوا بيوت الله بالرقص فيها وأكل القات.
وحـنـا اليــا انـحـلـت الاســرة تـعـــاونــــا * وقـمـنــا علـى جمـعـهـا حتـى نـحصـنهـا
وحـنـا ليـــــا اشتـدت الأزمـــة تـوصـلـنــا * علــى حلــول الـعـقـود اللــي تـهـونـهــا
وحـنـا لـيـا جـاتـنـا الغـلـطــة تـحـمـلـنـــا * الاولــه نـبــلع الـغــلـطـــه ونـعـلـنــهــــا
وان جـاتـنـــا الثـانـيــة .. لا مــاتمــاهـلنــا * بالـسـابـقــة نسـحـب الاخــرى ونقرنـهـا
وراعــي الغـلـــــــط بالغلط مـعـقـول ومـثـنـــى * يـلـقـى الحـقـايــق وبـعـيـونــه يعـاينـهـا
نـسـمـــع بـنـبــح الكــلاب ولا تـجـنـنـــا * الكـلــب لـه حـربــه بـكــره نـسـنـنـــهــا
مــن دون صـهـيــــون .. بـذتـنــا صهـاينـا * تـكـفــــر بالاســـلام وتـركـز كـمـايـنـهــا
اللـــه يـا الانـــذال يقـلــع رمسكـم عنــا * اطمـاعـكـــم عنــدنا بـانــت بــوايـنـــــها
مـع مـنكــريـن الصـنـيـع أمست محاسنا * سـيـات تحـكـي بـه العــدوان بـالسـنـهـا
فعلا صدق الشاعر فيما قال، فلقد رأيت وسمعت من بعض شعب فلسطين وشعب اليمن من يقول لمن يدافع عن السعودية ويشكرها في حربها الأخيرة على الحوثيين: أين أصواتكم في حرب غزة مع اليهود؟!، وكلام كثير...
غفل أو تغافل هذا المأفون - أي ناقص العقل والخبرة - عن كون الحرمين الشريفين أقدس من المسجد الأقصى، وفضلها أعظم، وهما حرم، وهو ليس بحرم، بل ثالث المسجدين، لا ثالث الحرمين، والحوثة المجرمون قصفوهما، فلم لم تتكلم عن منهج الحوثي الإجرامي؟!
إما لأنك منهم حوثي، أو لأنك متعاطف معهم، يلفك الحسد، ويحوطك الحقد، ويمشي في عروقك الجهل، وأكثر هذا الصنف - والعلم عند الله - هم حاسدون حاقدون على المملكة العربية السعودية، ويتمنون لها الشر المستطير، ولو قصفت مكة والمدينة! والله المستعان.
والـيـا تـضـايـق غــريـب الــــدار يــزبنا * ندمــغ لــه الــروس وان طــالــت نطمنها
لـوهـي تـلـيــن الجبــال الصــم مــا لــنــا * علـى الـحـقـوق ارتـكـيـنـا فـي مماكنها 
طبعا كان يتكلم في هذين البيتين عن الشيخ جابر الصباح رحمه الله رحمة واسعة وأسكنه فسيح جناته وأعقب له له ذريته خيرا كثيرا، ولكن هذا هو منهج المملكة العربية السعودية دائما وأبدا، بحول الله وقوته. 
هذه بعض أبيات القصيدة اخترتها وهمشت عليها، أي علقت على بعض أبياتها، لنستحضر تلك الوقائع، وما هو دور المملكة العربية السعودية بلاد الحرمين الشريفين وقبلة المسلمين، ومهوى أفئدتهم، وما هو دور الشاعر الوطني تجاه وطنه في السلم والحرب، وليكون هذا من الوفاء للشاعر الذي نفث بهذه الأبيات من قلب صادق، نحسبه كذلك، ولا نزكي على الله أحدا.
وإلى لقاء آخر مع مقالات أخرى تحوم في فلك هذه الحرب وفي ميدان الشعر الوطني الفسيح - في العامي أو الفصيح -.

بقلم/
عبدالرحمن بن مشعل العوفي. 
طبرجل- ١٤٤٨/٥/٥.
Abdurrahmanalaufi@gmail.com

الأربعاء، 14 أكتوبر 2026

خواطر قرآنية- (واذكر ربك في نفسك)

خواطر قرآنية- (واذكر ربك في نفسك)

بين الأذان والإقامة في صلاة العشاء أثناء قراءة وردي، خطرت للعبد الفقير هذه الخاطرة القرآنية وأنا أقرأ في سورة الأعراف. 
في ختام سورة الأعراف: (واذكر ربك في نفسك تضرعا وخيفة ودون الجهر من القول بالغدو والآصال ولا تكن من الغافلين* إن الذين عند ربك لا يستكبرون عن عبادته ويسبحونه وله يسجدون).
تذكير بعد تذكير بأهمية ذكر الرب القدير، ففي بداية الآية جاء الأمر صراحة بالذكر "واذكر ربك"، وفي ختامها نهي صريح عن الغفلة التي هي مضادة للذكر، والنهي هنا مستلزم للأمر، والأمر متضمن للنهي "ولا تكن من الغافلين".
والذكر هنا ذكر عام، في كل حال، ذكر باللسان والجنان والجوارح والأركان، تضمنا أو استلزاما. 
والتضرع: الخشوع والخضوع، والخيفة: الخوف.
وهو في كل حال "بالغدو والآصال": الغدو: أول النهار، والآصال: آخر النهار.
وبعدها مباشرة هدي قرآني كريم، ولفتة تربوية، وإضاءة منهجية، وهو إرشاده صلى الله عليه وسلم إلى عدم الاستكبار، والتسبيح وإخلاص السجود له، أي العبادة، وذلك عن طريق إخباره عليه الصلاة والسلام بشأن عبادة الملائكة المقربين، وفيه ما فيه من التحفيز والمصابرة والمرابطة.
وانظر مشكورا للزيادة: تفسير البغوي والماوردي.

بقلم/
عبدالرحمن بن مشعل العوفي. 
طبرجل- الأربعاء- ١٤٤٨/٥/٣.
Abdurrahmanalaufi@gmail.com

الأحد، 11 أكتوبر 2026

استهداف الحوثيين مطار الملك خالد الدولي بالرياض

(استهداف الحوثيين مطار الملك خالد الدولي بالرياض)

سلاما يا أرض التوحيد والرسالة...
سلاما يا بلد الحرمين الشريفين...
سلاما دائما أبدا...
وخرابا على كل ذي نفس مريضة، وعقيدة خربة، ومنهج مريض...
خرابا منذ الأزل إلى الفناء على كل معارض لمنهج السماء...
بلدي (المملكة العربية السعودية):
انقلب على المؤسس "إخوان من طاع الله"، فارتد كيدهم، وبطل مكرهم.
ثم بزغت "الناصرية"، فكبتت بمكر ودهاء، وكرم وعدالة. 
ثم "فتنة جهيمان"، فكبتت..
ثم ربيب "الناصرية" صدام و "البعثية"، فدحروا...
ثم "قرن الخوارج"، فكسر وكسروا...
والآن "حرب الحوثيين" و "فتنة الحوثيين"...فكشف مكرهم، وبطل سحرهم...
لقد قصفوا اليوم "مطار الملك خالد الدولي بالرياض"، والإصابات ثلاث مئة إصابة، والقتلى اثنا عشر قتيلا، شهيدا بإذن اللّٰه تعالى...
ولا غرو، فالذنب أعظم بقصفهم بيت الله الحرام ومسجد نبيه محمد صلى الله عليه وسلم بالمدينة قبل أسبوعين تقريبا...
لقد فوجئت الآن بعد صلاة المغرب بهذا العدد من القتلى والمصابين، ولكنني سعدت جدا بالذي نشره الأخ الغالي الإعلامي مالك الروقي في حسابه على "منصة ×" بأن عدد الذين فطسوا وهلكوا من الحوثة المجرمين من الأربعاء الماضي إلى اليوم سبعة آلاف وخمس مئة قتيل، ولله الحمد والمنة. 
وصدق الله: (وليمحص الله الذين آمنوا ويمحق الكافرين)، (قاتلوهم يعذبهم الله بأيديكم ويخزهم وينصركم عليهم ويشف صدور قوم مؤمنين* ويذهب غيظ قلوبهم ويتوب الله على من يشاء والله عليم حكيم).
وقد سمعت قصيدة الشيخ د. عائض بن عبدالله القرني وفقه الرب العلي وهي بعنوان "فجر اليمن"، وهي جميلة حماسية.
اللهم أعز آل سعود بالتوحيد والسنة والإسلام، وجميع ولاة أمر المسلمين، والمسلمين أجمعين يا رب العالمين. 

بقلم/
عبدالرحمن بن مشعل العوفي. 
طبرجل- الأحد- ١٤٤٨/٤/٣٠
Abdurrahmanalaufi@gmail.com

الأحد، 4 أكتوبر 2026

قيد الخاطر- (من ضيع المفتاح؟!)

قيد الخاطر- (من ضيع المفتاح؟!)

عندما أرى طالبا لا يهتم بدروسه، غير مهندم في لباسه، غير نظيف الشعر، أظافره متسخة وطويلة، أقول في نفسي دون الجهر من القول: من ضيع المفتاح؟!
عندما أرى طاقم العمل، أو كتيبة العمال أو جمهرة الموظفين لا يؤدون واجباتهم كما ينبغي، بل ثمة تقصير كبير، أقول في نفسي: من ضيع المفتاح؟!
عندما أرى بأم رأسي علاقة مرضية لا صحية بين الأقارب أو الجيران أو الأولاد ووالديهم؛ أسأل نفسي: من ضيع المفتاح؟!
عندما أرى الأصحاب يتصاحبون لمجرد المصالح، فهم أصحاب في الظاهر وعندما تحضر المادة، ولكنهم عاديون جدا في الباطن، وهكذا هم الناس؛ أسأل نفسي بصدق: من ضيع المفتاح؟!
عندما تشيع الفاحشة، ويظهر الزنا، ويصبح أمر العري حضارة وتقدما، وأمر الحجاب تخلفا ورجعية؛ أسأل نفسي: من ضيع المفتاح؟!
عندما يصدق الكاذب، ويكذب الصادق، ويخون الأمين، ويؤتمن الخائن، ويتصدر المجالس ووسائل التواصل الاجتماعي ومنصات الإعلام التافه الحقير من الناس؛ أسأل نفسي بصدق وحرارة: من ضيع المفتاح؟!
عندما يقدس اللعب، ويشجع العهر والفجور، ويتوارى الصلاح أو الإصلاح؛ أسأل نفسي أنا: من ضيع المفتاح؟!.
عندما أرى التراشق بين أبناء الصف الواحد، والبيت الواحد، والقبلة الواحدة، والمنهج الواحد بأنواع من السباب والشتائم والتحريض؛ أسأل نفسي حسرة: من ضيع المفتاح؟!
عندما أرى من حمل الأمانة وقد ضيعها، وفرط في القيام بما أمر به؛ أسأل نفسي: من ضيع المفتاح؟!
إنني في تلك المنزلة "منزلة المحاسبة"، وهي من منازل السائرين إلى الله رب العالمين، وقد ذكرها ابن القيم رحمه الله في كتابه العظيم "مدارج السالكين في منازل السائرين"، وأنصح بهذا الكتاب العظيم جدا، وطبعة عطاءات العلم، فهي أفضل طبعات الكتاب.
أقول:
إنني في تلك المنزلة ظللت محاسبا نفسي، سائلا لها: من ضيع المفتاح؟!، وهذا المفتاح الذي أعنيه هو مفتاح معنوي لا حسي، وإذا تأملت هذه الأسئلة فهمت المغزى.
وهذه هي الأسئلة:
لماذا ننشد العدالة والعدل من غير أن نعدل؟ ولماذا نريد أناسا أمناء ونحن لسنا أمناء؟ ولماذا يطالب الوالد بطاعته وبره وهو لم يبذل أسباب البر أو لم يترك لأولاده الفرصة لبره؟ وكل مسؤول لماذا لا يستشعر المسؤولية؟ وكل مسلم لماذا لا يتطلب الحق من جهته ويسعى في العمل له؟ وكل غيور لماذا لا يحافظ على غيرته من أن تندثر، وألا يميع مع الخائضين والمذبذبين والمبدلين؟ وكل شريف لماذا يرضى أن ينصرف همه إلى سفاسف الأمور؟ وكل عربي لماذا لا يقرأ تاريخ أمته الخالد وسفرها الناصع؟ وكل مفكر لماذا لا يسعى في فقه الماضي والحاضر ويسعى بجد لمعرفة الأسباب قبل معرفة النتائج؟!
إن المفتاح ضائع بين كل إجابات تلك السؤالات. 
إن المفتاح لحل تلك المشكلات إجمالا هو شيء واحد لا غير، وهو: التحقق بالعبودية لرب البرية.
فمن كان عبدا لله صدقا وحقا؛ كان أمينا، ونزيها، وشريفا، وكريما، وبارا، وصادقا، ومخلصا، ومتطلبا لمعالي الأمور، بعيدا عن سفاسفها، جادا في بذل الخير، ناهيا عن فعل الشر وارتكاب المنكر.
ومن كان عبدا لسواه - من نفس وهوى ومصلحة ومنصب ورئاسة وشهرة ومال -؛ كان حقيرا، مهينا، عاقا، متسخطا، كاذبا، أشرا، بطرا، كافرا بالنعم، معددا للنقم، غارقا في الشهوات والملذات، بعيدا عن مجالس الخير والبركات، آمرا بالمنكر، ناهيا عن المعروف، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم. 
إن المفتاح الذي أعنيه على التفصيل هو "مفتاح الأخلاق"، من الأمانة والصدق والبر، من تحمل المسؤولية وأدائها، من استشعار هذا الخطب الجلل "الأمانة" التي تحملها هذا الإنسان الضعيف الظلوم لنفسه الغشوم، ولم تتحملها السماوات والأرض والجبال، فكان لزاما على المؤمن الرشيد، العاقل الحصيف الذي ليس بغافل أن يتنبه لهذا، وأن يستشعر عظم ما كلف به، وأن يكون على قدر المسؤولية، عندها يصبح المجتمع نظيفا نزيها، صادقا طيبا كريما، متآخيا متحببا متعطفا، وهو مجتمع بشري، إذن لا غرابة في إصابته ببعض العلل والأسقام، ولكن يجب أن نحرص إذا أردنا النجاة على معرفة الخلل والنقص، بجانب معرفتنا لجوانب الحلول، فنزيل الداء بالذي عرفنا من الدواء، ولا أنفع من دواء القرآن الكريم، وسنة النبي العدنان محمد بن عبدالله - صلوات ربي وسلامه عليه -، قرآن وسنة بفهم سلف الأمة، رضوان الله عليهم أجمعين، ليكن هذا شعارنا ودستورنا. 
والعلم، علينا أن نتعلم كثيرا، ونعمل كثيرا، ونؤسس البنيان على قواعد صحيحة، فنكمل الباطن بالظاهر، ونبني الدنيا بجانب الدين، نكون رجالا في الدين رجالا في الدنيا، عندها لن يسأل أحد سؤالي: من ضيع المفتاح؟!

بقلم/
عبدالرحمن بن مشعل العوفي. 
طبرجل- الأحد- ١٤٤٨/٤/٢٣.
Abdurrahmanalaufi@gmail.com

الجمعة، 2 أكتوبر 2026

قيد الخاطر- (الأديب الصادق)

قيد الخاطر- (الأديب الصادق)

صحيح أنني - منذ الصغر - لم أجد التشجيع الملائم، والتحفيز المثمر، على العكس من ذلك تماما، النقد أعظم من الثناء والتحفيز، وتجاهل مواهبي أعظم من تنميتها فضلا عن الثناء عليها بصدق.
أقول هذا على الصعيد الأسري والأكاديمي أو المدرسي.
ثم قطعت تلك المراحل - على الرغم مما كان فيها من أمراض وعلل وأسقام -، وكان الحال فوق طاقتي، ولكنني سرت على الدرب، وأنا أعرف ما هي مواهبي وما هي مواضع تميزي وفرادتي، وهي "الكتابة والشعر والأدب"، شيئا فشيئا حتى رزقت لقاء شيخي وملهمي في الأدب والكتابة والشعر، الشيخ المؤلف الكاتب الأديب الشاعر محمد بن سعود الحمد التميمي وفقه الرب العلي. 
أنا صريح مع نفسي ومع الآخرين إلى حد ما، وتروق لي هذي الصراحة صراحةً، فلذا أقول: إنني أعجبت من أول لقاء بشيخي وملهمي محمد بن سعود الحمد، أعجبت أولا بأخلاقه وحسن تأتيه وجميل تواضعه، وثانيا: بحلو ألفاظه، وكأنها العسل المصفى، بل هي العسل المصفى، ولا أزكيه على الله، وثالثا: لأنني وجدته أديبا صادقا في أدبه وعلميته وكتاباته، فالرجل صاحب علم وأدب جم، وخلق فخم، وتبا لمن لا تأسره الأخلاق الجميلة، وتبا مرة ثانية لمن لا يعترف بتواضع وإذعان وصدق جَنان لذوي الفضل والمروءات.
إنني لا أمدح شيخي ولا أثني عليه لأنه مدحني وأثنى علي، بل لأنني وجدته إنسانا فاضلا في نفسه، متوازنا في عقله، مؤصلا في فكره، ولذا لم تكن قصيدتي فيه إلا نابعة من صدق إحساس إنسان شاعر أديب، يعرف لذي الفضل فضله.
ومما قربني منه ثناؤه على العبد الفقير بما هو فيه، وقد كتبت يومياتي مع شيخي حفظه الله ورعاه، وفيها شيء من التفصيل، ونتف من البيان والتوضيح، ولكن أقول: من أول لقائي معه - حفظه الله ورعاه وسدد على سبيل الحق هداه - ترك أثرا، بل آثارا في نفسي، منها ما يتعلق بالعلم والشعر والأدب ذاته، ومنها ما يتعلق بنفس العبد الفقير، وأنا هنا الآن لن أتكلم عن علمية الرجل وأدبه وشعره ونثره واطلاعه ورحلاته إلى 'مصر المحروسة" ولقاءاته مع الأدباء الكبار والصحفيين والشعراء، مثل: عبدالوهاب مطاوع، ومحمد حسنين هيكل، والشاعر الكبير أحمد بخيت، والمفكر الكبير عبدالوهاب المسيري، وصاحب جائزة نوبل في الأدب نجيب محفوظ، وغيرهم، لا لن أتكلم عن هذه الحيثية، ولكن سأتكلم عن كلامه عن نفسي أنا، نفسي الضعيفة، وذاتي المهينة، لقد قال كلاما كثيرا محصله: أنت (مشروع أديب كبير، ولديك التدفق في الكتابة).
وفي يوم الثلاثاء الماضي، بتاريخ ١٤٤٨/٤/١٨؛ كتبت في يومياتي:
في هذا اليوم علق شيخي محمد بن سعود الحمد وفقه الله على مقالي "صدام والاعتبار" بقوله: (والله ما شاء الله عليك، إن عقلك يا شيخ عبدالرحمن أكبر من عمرك".
وعلق على مقالي الآخر "هو أنا" بقوله: "لله درك يا أبا عبدالملك، سبحان من أعطاك، مرة مرة بسميك الأديب الصادق، مقال جميل جميل جميل، وإن كان الناس ما يحبون الصراحة للأسف، لكن الصراحة عدة الأديب، والصدق. لكن ودي وأنت حر، كلمة "والد يسطو على ولده" الكلمة هذي بس.
أنت ستصبح مدرسة خاصة في الكتابة، إذا قرئ كلامك بيقولون هذا "عبدالرحمن بن مشعل").
وعلق على مقالي "ضريبة الطيب" بالآتي: "بسم الله بسم الله بسم الله الذي لا يضر مع اسمه شيء في الأرض ولا في السماء وهو السميع العليم، لا والله أفكار طيبة، إذا قابلتك في المدينة علمتك بمن تذكرني بالأدباء، ما شاء الله، ما شاء الله، لا إله إلا الله".
ومما كتبت في يومياتي في يوم الأربعاء الماضي بتاريخ ١٤٤٨/٤/١٩:
بعد قراءة الأديب فهد التميمي وفقه الرب العلي مقالي "هو أنا"؛ أثنى علي بقوله: "أعجبت والله جدا بكتابتك، أعجبت بثلاثة أشياء:
* أولا: بصدقك فيما تكتب، تصف نفسك كما أنت، ذكرتني بالمازني. 
* ثانيا: أسلوبك بديع جدا في الكتابة.
* ثالثا: قلمك مقبول.
لم أجد شيئا يستوقفني في عدم ترابط الأفكار أو مجيء لفظة في سياق غير ملائم.
وفي الختام أقول:
إنني قد كنت أكتب قبل سنة تقريبا وأوقع باسم "الأديب المتفنن"، فنصحني أستاذي في "جامعة طيبة" أحمد الشرقاوي وفقه الرب العلي بأن أترك هذا للناس، أي: دع الناس يقولون عنك، مع أنني أرى أن لا بأس في صنيع من يصنع ذلك، فهو تعبير عن هوية الإنسان وفكره ومنهجه، كالذي يوقع مثلا باسم "السلفي- الأثري"، والمجال مفتوح للأخذ والرد.
المهم - كما أسلفت - بأن شيخي محمد بن سعود الحمد وفقه الله أطلق علي هذا اللقب - واللقب ما أشعر بمدح أو ذم - وهو "الأديب الصادق"، ولذا فإنني سأعتمده في كتابة ما يصدر عني من مقالات وأوقع بهذا اللقب، لأنني أعقل من أن أرد فضل الله علي، ولأنني أتشرف دائما بهذا اللقب، فهو يرفع رأسي لا ينكسه، ويزيد في عزمي، ويذكي نيران حزمي، ويجدد نشاطي، ويثير همتي، وهذه الرفعة والزيادة والذكاء - وهو إشعال النار وإلهابها، مجاز عن أثر الكلام في الأفعال - والتجديد والإثارة هي ما يحتاجه الإنسان البصير، خاصة في هذا العصر - عصر التموجات والاضطرابات -، وليس بعاقل من لا يفقه عصره، وليس بحكيم من لا يقدر للكلمة قدرها، ولا يعرف لها خطرها، وليس بصالح للتربية من لا يؤمن بخطر الكلمة وعظم شأنها، وليس بمصلح من لا يعترف بأن مجال الإصلاح في الأعمال يجب أن يسبقه الإصلاح في الألفاظ، لأن الفكر يتبعه اللفظ، ثم اللفظ يتبعه العمل، فهو يفكر، ثم يلفظ، ثم يعمل.
وإني أرى أن شيخي محمد بن سعود الحمد وفقه الله قد أدى ما عليه تجاهي إلى الآن، فهو تلمس مواضع الموهبة عندي، ومواضع النقص في نفسي، فشجع في موضع، ونقد في موضع، اتباعا لنهج القرآن (ألا تطغوا في الميزان).
ثم إنني في الختام لا أنسى فضل الله علي، ثم فضل والدي، ثم فضل من أثر علي في مسيرتي الشعرية والنثرية، وقد كتبت مقالا في هذا الصدد، وهو "تجربتي الشعرية والنثرية"، فليراجع، لطفا لا أمرا، لكن ممن أثر علي في ذلك من الأساتذة: محمد بن نافع بن شاهر المطرفي، بندر بن نفاع الصاعدي، فيصل بن بشير الصاعدي.
فاللهم أجزهم خير ما جزيت مؤدبا ومعلما، وأرضهم وارضَ عنهم، وبارك لهم جميعا في نياتهم وأقوالهم وأعمالهم وذرياتهم وأزواجهم وأموالهم، وزكهم بالإيمان، وعلِّهم بالإيقان، واحرسهم بعينك، واكلأهم برعايتك، وحطهم بنصرك، فإنك على كل شيء قدير.

بقلم الأديب الصادق/
عبدالرحمن بن مشعل العوفي. 
طبرجل- الجمعة- ١٤٤٨/٤/٢١.
Abdurrahmanalaufi@gmail.com

الاثنين، 28 سبتمبر 2026

قيد الخاطر- (صدام والاعتبار)

قيد الخاطر- (صدام والاعتبار)

يقول صدام حسين بعد هتافه في المحكمة بعدما حكم بإعدامه وأخرج من القاعة: "لا تدفع، لا تدفع يا ولد، لا تدفع، وانا اخوكم، وانا اخوكم، عاش الأتراك، عاش العرب. . لا تطوي ايدي يا أدغم، لا تطوي، يا خاسي يا قذر".
قال أبو عبدالملك:
ذاق طعم الإهانة نوعا ما وهو بين جدران المحكمة والقفص، وذاق ألم طي أو لي اليد أو الدفع، كيف يصير في هذا وأنا كنت رئيسا وتحيط بي حالة من الأبهة عظيمة؟! كيف؟! كيف؟!
للأسف أن الكثير لا يعتبر حتى يكون هو موضع العبرة للناس، وللأسف أن الكثير لا يعتبر، وذلك لأنه لم يؤمن بالله على أساس صحيح، ومنهاج مستقيم، بل هو مفتون من أول الطريق، وذلك يشبه سعي من ضل وهو يحسب أنه يحسن صنعا.
أقول: 
إن كثيرا من النهايات المؤلمة هي عبارة عن تراكمات صغيرة، هي كالقشة كسرت ظهر البعير، و "صدام" يمثل تلك الحقيقة، لم يعتبر في حكمه، حتى كان يين جدران القفص والمحكمة، وأظنه لم يعتبر، لأنه يبرر لنفسه، ويدفع ويدافع عن حزبه إلى آخر لحظة في المحاكمة، و "إذا عرف السبب؛ بطل العجب"، الرجل منطلق في مبادئه وأهدافه وتصوراته للنفس والكون والحياة والسياسة والفكر والاقتصاد لا من الإسلام ولا من القرآن ولا من سنة النبي العدنان محمد بن عبدالله عليه الصلاة والسلام، بل من حزبه الجاهلي البغيض صاحب السفر الحافل في المجازر والمشانق والاغتيالات "حزب البعث العربي الاشتراكي".
والإعلام من صنعه، وشخصية الرجل القوية من صدرته وخلفها رجال المخابرات ودول عظمى، حتى كان ما كان، واغتر به الكثير من الرعاع ومن قل فقهه وعلمه، وضعفت بصيرته وفهمه، الذين يسيطر عليهم العُجب من المظهر، ولا ينفذون إلى الحقائق والمخبر، كالطفل يغتر بالجمرة يحسبها حلاوة أو أي شيء، لضعف تمييزه، أو يختار الشاب ما يضره، لسطوة شهوته، وعمى بصيرته، وبعض الناس لقوة عاطفته تسيطر عليه تلك العاطفة المتأججة، فيضمحل العقل أو يتلاشى أو يضعف إلى حد كبير، فيحمل ساعة عليها صورة الطاغية، أو يلصق صورته على جواله من الخلف، أو يضعها في صور العرض لديه على الواتس ووسائل التواصل الاجتماعي، من قبيل العجب بالرجل ونضاله وما يملك من "ظاهرة صوتية"...إلى آخر سجله المشرف في الإجرام والتجهييل والغطرسة...
إنني آسى على هؤلاء الفئام من الناس الذين يتبعون كل ناعق، ولا يكفيهم القرآن ولا السنة ليعتبروا، ومن لم يعتبر بهذين الأصلين الأصيلين الكتاب والسنة، فلا اعتبر، ومثواه سقر، والسلام. 

بقلم/
عبدالرحمن بن مشعل العوفي. 
طبرجل- الثلاثاء- ١٤٤٨/٤/١٨
Abdurrahmanalaufi@gmail.com

الأربعاء، 23 سبتمبر 2026

قيد الخاطر- (هو أنا)

قيد الخاطر- (هو أنا)

يقول "هو أنا" أو "هوانا" لا يهم من القائل بقدر ماذا يقول، فإن القول هو المطلوب - بغض النظر عمن صدر منه ذلك القول -:
عشت طفولة بائسة، وذقت المرارة والمرير والأمر في كل أطوار حياتي، في الطفولة والمراهقة، وفي الجامعة والوظيفة، ولما تزوجت، ولما طلقت، وبعد الطلاق، وخلصت إلى حكم سديدة، وآراء متينة، ولا أدعي الصواب في كل ذلك، ومجنون من يدعي العصمة بعد الأنبياء عليهم الصلاة والسلام.
ولئن كان "الاعتراف" جزءا لا يتجزء من حالة أي أديب أو مفكر، فإنني خلقت معترفا قبل أن أتأدب أو أتشاعر، ولا أزعم أبدا أن ذلك الاعتراف هو من قبيل التربية المتلقاة، ولا من جهة التعليم الأكاديمي، ولا من قبل حلقات العلم وتحفيظ القرآن الكريم، لا، بل من شيء واحد دعاني للتأمل كثيرا في نفسي وفي الكون وفي هؤلاء الأناسي، وفي تلك الأحداث المحلية والعالمية، شيء واحد دعاني للوقوف والتأمل كثيرا، والاستنتاج والربط والفك والتحليل، شيء واحد لا غير، وهو ما أسميه أنا العبد الفقير عبدالرحمن الربيعاني "ممارسة الحياة"، أنا كائن حي بالفطرة، قد تستغرب هذا الكلام، ولكنه الحق والواقع، وليس تزيدا أو ادعاء ملائكية نفسي.
أزعم أنني إنسان حي بصير قادر متحرك، يؤمن بنفسه، ويؤمن بربه، ويكفر بكل ما لا يؤمن به، أي "إنسان شفاف"، يحب الوضوح، ويكره الروغان، يمقت "المظهرية" ويفضل "الربانية"، حتى النصيحة يفكر كثيرا في سلوكها قولا وعملا ونية وإرادة، وكل فعل خير أو فعل بر يحب أن يستصحب نيته فيه، فهو يفتش في إراداته ومراداته، ما الذي دفعه لفعل هذا وترك ذاك؟!
"هو أنا"، مارس الحياة بكل ما فيها من تناقضات، وكاد أن ينفجر رأسه من كثرة التفكير، صاحب يخون صاحبه في أعز موقف، ووالد يسطو على ولده المؤدب، وزوج وزوجة ينكران المعروف والود، ومواقف كثيرة تختل فيها "مروءات المستعربين" أي: من يدعي العربية وهو لا يحفل بعربيته واقعا وعملا وفكرا ومنهجا، ومواقف أخرى فيها صور كثيرة عظيمة من الظلم والظلمات...
"هو أنا" يقول:
قد عرفت معنى النفاق والمنافقين، مظاهر وماديات، مصالح ولا إنسانية، وهذه "الفلاشات" و "الكاميرات"، وما تراه من الضجيج وما تسمعه من المدح المزيف والكاذب؛ تعلم أن تلك الأموال وذلك المدح هو دولة بين أناس معينين، أي يتداولونه بينهم، وصاحب الحق والحاجة لم يبرح مكانه، ولم يغادر موقعه!.
والد أو أخ أو عم أو خال، أو أبناؤهم لا يسألون عن بعض، ولا يتراحمون، ولا يسند بعضهم بعضا، حتى الكلمة الطيبة غادرت فضاءهم، إن كانت بينهم أصلا، قل لي بربك أي إنسانية يتحدثون عنها؟ أم أي دين؟ أم أي أخلاق؟!
إن العربي في الجاهلية لديه أخلاق أكثر من كثير ممن رأيت، فهم لا أخلاق الإسلام ولا مروءة الجاهلي، والمصيبة أنهم فرحون مستأنسون، أو على الأقل راضون بما هم عليه، ولا نكير!.
 أين القلوب؟ أين الدين؟ أين المروءات يا أصحاب "الكاميرات" ويا أرباب "الفلاشات"، ويا أيها الشعراء المداحون الهجاؤون؟!.
الترابط الأسري والتلاحم المجتمعي قد خفت إلى حد بعيد للأسف، حتى من يذهبون للأعراس ولو كان من الأسرة الواحدة أو العائلة الكبيرة أو القبيلة لا تجدهم يسندون العريس بمبلغ طيب أو مجزي، مسكين ذلك الشاب أو العريس، أولا تكاليف عرسه، مهر زوجه، تأثيث بيته، عليه أن يتحمل كل ذلك لوحده!.
والله إن أقسى ما يواجه الإنسان في هذا العصر الحرج اللا إنساني هو "توحش الإنسان" و "توغل المادية"، هو ألا تسمع الكلام الحلو ممن يظن فيهم الحب والإخاء، كالإخوان والوالدين والأعمام والأخوال والأقارب والجيران، وأصحاب التوجه الواحد، وأرباب العمل في أعمالهم كالموظفين وغيرهم، المنطق يقول المفترض أن يكونوا أقرب لكل خير وأبعد عن كل شر، والدين يقول ذلك أيضا، ولكن الواقع للأسف يقول غير ذلك.
"هو أنا" يدعي أنه أصبح يتحمل أعباء ينوء بحملها صم الجبال الرواسي، لأن لديه وعيا وفكرا وعقلا لا بأس به. 
المشكلة والمعضلة أن بعض الناس أو أكثرهم يقفون عند الحكم الظاهري، أو عند الأفعال المجردة، ولا ينفذون بأبصارهم وبصيرتهم إلى العلل والأسباب، فلذا لا يتوصلون إلى نتيجة مرضية؛ بل إلى نتيجة مرضية، مزيفة، فيبنون عليها التصورات ويطلقون بعد ذلك عنان الأحكام!.
المشكلة والمعضلة هو أن تعيش "دور البطل" أو "شيخ الإسلام" أو "رجل المال والإعلام" وترى من حولك مجرد هباء، كبر وغطرسة، جهل مركب، أمراض متأصلة، ومع كل ذلك يثور إن نصحته أو لمحت له ليغير من وضعه، ويبدل من طريقته، ويستبدل أسلوبه!.
المشكلة والمعضلة أن أكثر الناس يهتمون بأدق التفاصيل في أمور الدنيا والمادة، ثوبه الذي يرتديه، يحرص حرصا شديدا على نظافته، كذلك جسده، من باب أولى سيارته، لكن الدين والأخلاق وهذه الأشياء لا يهتم بها كما ينبغي، أو لعله لا يهتم بها أبدا!.
كيف تريدني أن أحب من لا يحبني، أو أتقرب إلى من لم يتقرب مني، أو بالأحرى أشعر بالجفاف عند رؤيته، أو بالأحرى بالكره أو الامتعاض منه؟
إن روحي لتذبل ألف مرة عند رؤية بعض الناس، لا، بل عند مجرد التفكير فيهم، قد سلخوا من الإنسانية سلخا مهينا، فلا تشم فيهم أو منهم رائحة إنسانية، أكوام من اللحم والعظم، وحسب!.
إن روحي لتنزف ألف مرة حسرة على رؤية بعض البشر، كيف يحق لأحدهم أن يظن نفسه من البشر وهو في الحقيقة والواقع صفاته ليست صفات البشر الأسوياء؟!.
بعض الناس أو أكثرهم قد خول لنفسه أن يأخذ موقع الحكم والناس هم اللعيبة، أو موضع الناقد والناس هم المنقودون، وذلك في كل الحالات، حاله يدل على ذلك، تصرفاته وأفعاله تعريه وتفضحه.
وأخيرا:
أغبى الناس من يظن العقل فيه والغباء في الناس.

بقلم/
عبدالرحمن بن مشعل العوفي. 
طبرجل- الأربعاء- ١٤٤٨/٤/١٢.
Abdurrahmanalaufi@gmail.com