قيد الخاطر- (رفع سقف التوقعات...واستطرادات)
١- لا ترفع سقف توقعاتك في الناس، فإنك إن فعلت؛ خذلت.
أهم ما يهم كثيرا من الناس هو هذا الأكل والشرب والحديث الهامشي الذي ليس له هو من العلم والثقافة والأدب والفكر في قبيل ولا دبير، فكيف إذا علمت أن كثيرا منهم لم يقف عند حد المباح حتى جاوزه إلى المكروه، بل تعدى إلى الحرام، من مثل ذكر العورات وما لا يجوز ولا ينبغي ذكره لا جدا ولا هزلا إلا اللهم على سرير الزوجية...
سمعت أحدهم يوما يعمل في حقل التعليم الحكومي يقول: والله لو عينت مدير مدرسة، لأدوس على المعلمين ومن تحت يدي، هذا معنى كلامه، وصريح لفظه قال: "أعطيهم بالنعال"، أي: أضربهم بالنعال، والمعنى ذكرته في مقال سابق بعنوان "تعاملات وظيفية لا إنسانية"، فهو سيعاملهم بفوقية وضميره لا يؤنبه لأنه يجد المبرر "الحزم والضبط"، ولو لم يفعل ما تفوه به، لكن هذا يفضي إليك بسر - أعني الحدث ذاته -، وهو أن كثيرا من النفوس تساكنها وتعاشرها وهي تنطوي غالبا دون علمك على السم الزعاف، وعلى شر كبير ما كنت تحلم به، وثانيا: أن النفوس المريضة أو الناقصة غالبا لا تحتاج إلى وقت لكي تكشف عن سوءاتها بالفعل، قد تكشف عن بعض ذلك من باب عدم التحرز في اللفظ، كما في القصة السابقة...
٢- ما أكثر المفتين وهم في الحقيقة أنصاف المتعلمين، وهذه بلية كبرى، وطامة عظيمة، ومصيبة جليلة، فهم لم يجاوزوا الشبر الأول في العلم، ومع ذلك تجاوزوه بالإفتاء إلى الشبر الثالث دون استحقاق فعلي!
هؤلاء صنف وهم أنصاف المتعلمين، فكيف ببليتنا من إفتاء الجهلاء، فهم لم يطلبوا العلم أصلا؟!.
وهنا استطراد نافع إن شاء الله، سمعت أحدهم ينقل عن ابن باز رحمه الله قوله: "أعلام الموقعين لابن القيم كتاب الإسلام". وهذا الكتاب يتحدث فيه ابن القيم رحمه الله عن الفتوى والمفتين من الصحابة رضي الله عنهم جميعا ومن بعدهم، وفتاوى النبي صلى الله عليه وسلم، وشروط الفتوى، وخطر القول على الله بغير علم، إلى آخر ذلك العلم الغزير، المؤصل المقعِّد في هذا الباب العظيم من الدين "الفتوى".
ولو بحثت عن مقولة "لا أدري" في كتب الفتاوى والسير والتراجم والتاريخ، لوجدت ما لا ينقضي منه العجب من المواقف العظيمة والحكم السديدة والآراء الصائبة الرشيدة، ولوقفت على كثير من تلك المقولات التي يصرح فيها أصحابها - وهم أعلام نبلاء، كرام فضلاء - بأنهم لا يدرون، فيسأل العالم، فيجيب بكل يسر وسهولة وبتوفيق من الله فيقول: لا أدري.
ابن باز رحمه الله سئل سؤالا الذي يسمعه لأول وهلة يقول هذا سؤال سهل للغاية، قيل له: قبل النوم أنوم أطفالي بتخيلي قصة غير حقيقية ثم أحكيها لهم، فهل هذا يدخل في حكم الكذب؟
بالتأكيد لو طرحت هذا السؤال في أغلب المجالس، لانبرى الجميع غالبا للتسرع في الإجابة، وبعضهم يقول: أظن، والله يقول: (إن الظن لا يغني من الحق شيئا)، والظن لا يكون في العلم والإفتاء، فإذا كنت لا تدري، فقل بملء فيك: لا أدري، ومن قال لا أدري، فقد أجاب وأصاب، ومن أخطأ لا أدري؛ أصيبت مقاتله.
المهم أجاب ابن باز رحمه الله بقوله: لا أدري.
والشيخ محدث المدينة عبدالمحسن بن حمد العباد البدر وفقه الله المعلم بالمسجد النبوي الشريف ودرس الكتب الستة، وهو من تلاميذ ابن باز رحمه الله، حدث ابنه الشيخ أد. عبدالرزاق البدر أنه عد له إجابات كثيرة بهذا الصدد في مجلس واحد.
وأنا أقول: شيمة العالم: لا أدري، ولا يأنف من قول لا أدري إلا جاهل، أو أحمق، أو هما معا، والله المستعان.
٣- ما زلت مقتنعا بفكرة إصلاح الأمة، ونظريتي في هذا الإصلاح تنطلق من الفرد إلى الأسرة إلى المجتمع، من القاع إلى القمة، من الأسفل إلى الأعلى، وأن الناس لا يزالون في تخلف وتراجع ما دامت ثقافة الجواب طاغية على ثقافة السؤال، العلم أخي الغالي هو السؤال، المذاكرة، المدارسة، المراجعة، هو أن تذل طالبا، لتعز مطلوبا.
وليس من باب العلم والعقل والحكمة التصدر للإجابة على كل سؤال، والدخول بالنقاش في كل قضية، وتغليب الهوامش على الأصول، حتى بنى الكثير علمهم الممزق المشوه على الظن والتوهم والتلفيق، وظنوا أنهم حصلوا، وهم في الحقيقة ما حصلوا، بل لفقوا، وهذا هو المرض الخطير الذي ضرب بأطنابه في نفوس الكثيرين ألا وهو "مرض الوهم"، يتوهم أنه يعلم وهو لا يعلم، أو علمه مشوه أو ملفق...
٤- تأملت في أسلوب بعض الناس فاستخلصت الآتي:
* من الناس من ينصحك بل يستهزئ بك، ويضح عليك، وأنت تضحك، وتطرب، حتى تفقد الرد أو التبرير أحيانا من هذا الضحك، ولعلمك بحقيقة أسلوبه، ومغزاه، فهو أسلوب محبب، لطيف، وأحيانا بالتأكيد لا يقبل، فتوقفه قبل أن يكمل.
* ومن الناس من لا تقبل السماع منه، لأنه فظ غليظ، فظ المعاملة، غليظ المقالة، عيونه لا تبشر بخير، ومنطقه ولو كان ينصح لا تنصت له، لا تقبل عليه بقلبك، وهذا حديث الأرواح: أقبل علي بقلبك وقالبك، لأسمع، لست مجرد آلة استقبال، أنا إنسان، والإنسان يبحث عن تحقيق معاني الإنسانية في نفسه وعبر الآخرين.
أكتفي إلى هنا، والاكتفاء سر الرضا.
بقلم الأديب المتفنن/
عبدالرحمن بن مشعل بن حضيض العوفي الحربي.
طبرجل- الاثنين- ١٤٤٧/٥/١٩.
Abdurrahmanalaufi@gmail.com