حرب البسوس من أشهر وقائع العرب، وقد اشتهر "مسلسل الزير سالم" عندما بث في القنوات في عام ٢٠٠١ تقريبا وما بعده، وتداولته قنوات كثيرة، وشاهده كثيرون.
هنا نقل من كتاب "المفصل في تاريخ العرب قبل الإسلام"، لعله يزيح بعض الوهم، ويثبت بعض الحقيقة.
قال جواد علي رحمه الله:
"وتؤلف الأيام التي وقعت بين القبائل العدنانية الجزء الأكبر من أيام العرب، وهي أهمها وأغناها بالشعر والأمثال والقصص.
وكان لتميم وبكر وتغلب أثر خطير فيها.
وأشهر هذه الحروب، الحرب المسماة بحرب البسوس، وقعت بين بكر وتغلب ودامت أربعين عامًا على ما يذكره الأخباريون.
وتغلب وبكر هما من قبائل ربيعة، لذلك تكون حرب البسوس من الحروب التي وقعت بين قبائل ربيعة؛ لأن أيام العدنانيين هي أيام وقعت بين قبائل ربيعة وحدها، وأيام وقعت بين قبائل من ربيعة وقبائل من مضر، وأيام وقعت بين
قبائل مضر.
وذكر بعض أهل الأخبار أن أشهر أيام بكر وتغلب، خمسة أيام مشاهير.
أولها يوم عنيزة وتكافئوا فيه، والثاني يوم واردات، وكان لتغلب على بكر. والثالث يوم الحنو، وكان لبكر على تغلب. والرابع يوم القصيبات، وكان لتغلب على بكر. والخامس يوم قضة، وهو آخر أيامهم، وكان لبكر. وفيه أسر مهلهل من ربيعة.
وتولد من هذه الحرب قصص وشعر. نسب إلى أبطال الأيام التي وقعت فيها، وأمثلة ذُكر أنها قيلت في المناسبات، صارت على العادة أمثلة شائعة بين الناس.
وليست حرب البسوس في الواقع حربًا واحدة، إنما هي حروب عدة وقعت في تلك المدة المذكورة, وفي أوقات متقطعة إلى أن انقطعت بوساطة المنذر بن ماء السماء وتدخله بين الفريقين.
والذي أثار نيران هذه الحرب هو جساس بن مرة بن ذهل بن شيبان أخو "جليلة" امرأة كليب بن ربيعة سيد قبيلة تغلب، وذلك بقتله كليبًا؛ لأنه أدمى ضرع ناقة للبسوس خالة جساس، إذ كانت ترعى في أرض حماها كليب ومنع الرعي فيها إلا لإبله. وقد أثار عمل كليب هذا غضب جساس، فقتله، وثارت بذلك الحرب بين تغلب وبكر قوم جساس.
وكليب بن ربيعة، أو "كليب وائل" كما يعرف عند بعض أهل الأخبار، هو وائل بن ربيعة بن الحارث بن زهير بن جشم بن بكر بن حبيب بن عمرو ابن غنم بن تغلب. رجل صلب قوي، تمكن بمواهبه وبقدرته من السيطرة على قبائل ليست السيطرة عليها بأمر سهل يسير، ومن إقامة نفسه ملكًا عليها، ومن أخذ الإتاوة من القبائل، ومن الانتصار على قبائل اليمن في يوم خزاز. وبقي على ذلك دهرًا، حتى داخله: زهو شديد، فأخذ يبغي على القبائل ويشتط في أخذ الإتاوة منها وفي اتخاذ خيرة الأرضين المخصبة أحماء لا يجوز لإبل غيره الرعي فيها، ولا الاستيلاء على مواضع الماء، حتى ضجرت الناس منه، فكانت نتيجتة ما تقدم.
وأخذ المهلهل "واسمه عدي بن ربيعة"، وهو أخو كليب على نفسه عهدًا بأن يترك النساء، والغزل، والقمار، والشراب، حتى يثأر بقتل أخيه، وجمع قومه، ووقعت حروب. ومهلهل هذا هو أول من هلهل الشعر، أي أرقه على حد رواية أهل الأخبار.
وقد أقام أصحاب "كليب" قبة رفيعة على قبره، تكريمًا له. شأن الجاهليين في ذلك الزمن من إقامة القباب على قبور الكبار.
وفي جملة الأيام التي يدخلها أهل الأخبار في حرب البسوس: يوم النهي، ويوم الذنائب، ويوم واردات، ويوم عنيزة، ويوم القصيبات، ويوم تحلاق اللمم".
المفصل في تاريخ العرب قبل الإسلام، جواد علي، دار الساقي، ط٤، ١٠/٢٧.
وفي كتاب "نهاية الأرب" قال النويري رحمه الله:
"[ذكر حرب البسوس وهى حرب بكر وتغلب ابنى وائل]
قال أبو المنذر هشام بن محمد بن السائب: لم تجتمع معدّ كلّها إلّا على ثلاثة من رؤساء العرب، وهم: عامر بن الظّرب بن عمرو بن بكر بن يشكر بن الحارث.
وعامر هو قائد معدّ يوم البيداء حين تمدحجت مذحج وسارت الى تهامة، وهى أوّل واقعة كانت بين تهامة واليمن.
والثانى: ربيعة بن الحارث بن مرّة بن زهير بن جشم بن بكر بن حبيب بن كلب وهو قائد معدّ يوم السّلّان، وهو يوم كان بين أهل تهامة واليمن.
والثالث: كليب بن ربيعة، وهو الذى يقال فيه: أعزّ من كليب وائل، وقاد معدّا كلّها يوم خزاز، ففضّ جموع اليمن وهزمهم، واجتمعت عليه معدّ كلّها وجعلوا له قسم الملك وتاجه وتحيته وطاعته، فغبر بذلك حينا من الدهر، ثم دخله زهو شديد وبغى على قومه حتى بلغ من بغيه أنه كان يحمى مواقع السحاب فلا يرعى حماه ويقول: وحش أرض كذا فى جوارى فلا يهاج، ولا تورد إبل أحد مع إبله، ولا توقد نار مع ناره.
وكانت بنو جشم وبنو شيبان فى دار واحدة بتهامة، وكان كليب قد تزوّج جليلة بنة مرّة بن ذهل بن شيبان أخت جسّاس بن مرّة، وكانت لها ناقة يقال لها: السراب، وبها يضرب المثل فى التشاؤم، فيقال: «أشأم من السراب» و «أشأم من البسوس» وهى معقولة بفناء بيتها فى جوار جسّاس بن مرّة، فمرّت بها إبل لكليب، فلما رأت السراب الإبل تازعت عقالها حتى قطعته، وتبعت الإبل واختلطت بها حتى انتهت الى كليب، وهو على الحوض، ومعه قوس وكنانة، فلما رآها أنكرها، فانتزعها بسهم فخرم ضرعها، فنفرت وهى ترغو، فلما رأتها البسوس قذفت خمارها عن رأسها وصاحت: واذلّاه! واجاراه.
[ذكر مقتل كليب وائل]
قال: فأجمشت جسّاسا، فركب فرسا له مغرورا به، وتبعه عمرو بن الحارث ابن ذهل بن شيبان على فرسه، ومعه رمحه، حتى دخلا على كليب الحمى، فطعنه جسّاس فقصم صلبه، وطعنه عمرو بن الحارث من خلفه فقطع قطنه، فوقع كليب وهو يفحص برجله وقال لجسّاس: أغثنى بشربة من ماء، فقال له: تجاوزت شبيثا «١» والأحصّ ففى ذلك يقول عمرو بن الأهتم:
وإنّ كليبا كان يظلم قومه ... فأدركه مثل الذى تريان
فلمّا حشاه الرمح كفّ ابن عمّه ... تذكّر ظلم الأهل أىّ أوان
وقال لجسّاس أغثنى بشربة ... وإلّا فخيّر من رأيت مكانى
فقال تجاوزت الأحصّ وماءه ... وبطن شبيث وهو غير زؤان
وقال نابغة بنى جعد:
أبلغ عقالا أنّ خطّة داحس ... بكفّيك فاستأخر لها أو تقدّم
كليب لعمرى كان أكثر ناصرا ... وأيسر ذنبا منك ضرّج بالدّم
رمى ضرع ناب فاستمرّ بطعنة ... كحاشية البرد اليمانى المسهّم
وقال لجسّاس أغثنى بشربة ... تدارك بها منّا علىّ وأنعم
فقال تجاوزت الأحصّ وماءه ... وبطن شبيث وهو ذو متوسّم
قال: فلما قتل كليب ارتحلت بنو شيبان حتى نزلوا بماء يقال له النّهى، وتشمّر المهلهل أخو كليب- واسمه عدىّ بن ربيعة، وإنما قيل له المهلهل لأنه أوّل من هلهل الشعر، أى أرقّه- فاستعدّ المهلهل لحرب بكر، وترك النساء والغزل، وحرّم القمار والشراب، وجمع اليه قومه، فأرسل رجالا منهم الى بنى شيبان يعذر اليهم فيما وقع من الأمر، فأتوا مرّة بن ذهل بن شيبان وهو فى نادى قومه، فقالوا له: إنكم أتيتم عظيما بقتلكم كليبا بناب من الإبل، فقطعتم الرّحم، وانتهكتم الحرمة، وإنّا كرهنا العجلة عليكم دون الإعذار إليكم، ونحن نعرض عليكم خلالا أربعا، لكم فيها مخرج ولنا مقنع، قال مرّة: ما هى؟ قالوا: تحيى لنا كليبا أو تدفع لنا جسّاسا قاتله فنقتله به، أو همّاما فإنه كفء له، أو تمكّننا من نفسك فإنّ فيك وفاء من دمه، فقال: أمّا إحيائى كليبا فهذا ما لا يكون. وأمّا جسّاس فإنه غلام طعن طعنة على عجل ثم ركب فرسه فلا أدرى أىّ البلاد احتوت عليه. وأمّا همّام فإنه أبو عشرة وأخو عشرة وعمّ عشرة، كلّهم فرسان قومهم فلن يسلّموه لى فأدفعه اليكم يقتل بجريرة غيره. وأمّا أنا فما هو إلّا أن تجول الخيل جولة غدا فأكون أوّل قتيل بينهما، فما أتعجّل من الموت، ولكن لكم عندى خصلتان:
أما إحداهما فهؤلاء بنىّ الباقون فعلّقوا فى عنق أيّهم شئتم نسعة فانطلقوا به الى رجالكم فاذبحوه ذبح الجزور وإلّا فألف ناقة سوداء المقل أقيم لكم بها كفيلا من بكر بن وائل، فغضب القوم وقالوا: لقد أسأت، تبذل لنا صغار ولدك وتسومنا اللبن من دم كليب.
ووقعت الحرب بينهم، ولحقت جليلة زوجة كليب بأبيها وقومها، واعتزلت قبائل بكر بن وائل، وكرهوا مجامعة بنى شيبان ومساعدتهم على قتال إخوتهم، وأعظموا قتل جسّاس كليبا بناب من الإبل، فظعنت لجيم عنهم، وكفّت يشكر عن نصرتهم، وانقبض الحارث بن عباد فى أهل بيته، وهو أبو بجير وفارس النعامة. وقال المهلهل يرثى كليبا من أبيات:
بات ليلى بالأنعمين «١» طويلا ... أرقب النّجم ساهرا أن يزولا
كيف أهدى ولا يزال قتيل ... من بنى وائل ينسّى قتيلا
فى قصيدة طويلة.
وقال أيضا يرثيه من أخرى:
نعى النعاة كليبا لى فقلت لهم ... مالت بنا الأرض أو زالت رواسيها
القائد الخيل تردى فى أعنّتها ... زهوا إذا الخيل لجّت فى تعاديها
من خيل تغلب ما تلقى أسنّتها ... إلّا وقد خضّبوها من أعاديها
يهزهزون من الخطّىّ مدمجة ... كمنا أنابيبها زرقا عواليها
ترى الرّماح بأيدينا فتوردها ... بيضا ونصدرها حمرا أعاليها
لا أصلح الله يوما من يصالحكم ... ما لاحت الشّمس فى أعلى مجاريها
يوم النّهى
فالتقوا بماء يقال له: النّهى، كانت بنو شيبان نازلة عليه، ورئيس تغلب المهلهل، ورئيس شيبان الحارث بن مرّة، فكانت الدائرة لبنى تغلب، ولم يقتل فى ذلك اليوم أحد من بنى مرّة.
[يوم الذنائب]
ثم التقوا بالذنائب، وهى أعظم وقعة كانت لهم، فظفرت بنو تغلب وقتل من بكر مقتلة عظيمة، وفيه قتل شراحيل بن مرة بن همّام بن مرّة بن شيبان، وهو جدّ الحوفزان، قتله عتّاب بن سعد بن بن زهير بن جشم، وقتل من بنى ذهل بن ثعلبة عمرو بن سدوس بن شيبان، وقتل من بنى قيس بن ثعلبة سعد بن ضبيعة بن قيس وتيم بن قيس بن ثعلبة، وهو أحد الحرقيّين وكان شيخا كبيرا، فحمل فى هودج، فلحقه عمرو بن مالك بن الفدوكس بن جشم فقتله.
[يوم واردات]
ثم التقوا يوم واردات وعليهم رؤساؤهم الذين تقدّم ذكرهم، فظفرت بنو تغلب، واستحرّ القتل فى بنى بكر، فيومئذ قتل الشعثمان: شعثم وعبد شمس ابنا معاوية بن عامر بن ذهل بن ثعلبة وسيّار بن الحارث بن سيّار، وفيه قتل همّام ابن مرّة أخو جسّاس لأبويه، فمرّ به مهلهل مقتولا فقال: والله ما قتل بعد كليب قتيل أعزّ علىّ فقدا منك يوم عنيزة.
[يوم عنيزة]
ثم التقوا بعنيزة، فظفرت بنو تغلب، ثم كانت بينهم معاودة ووقائع كثيرة كل ذلك كانت الدائرة فيها لبنى تغلب على بنى بكر، فمنها يوم الحنو، ويوم عويرضات، ويوم أنين، ويوم ضرية، ويوم القمصيبات، كلها لتغلب على بكر، أصيبت فيها بكر حتى ظنوا أن لن يستقبلوا أمرهم.
وقال المهلهل يصف هذه الأيام وينعاها على بكر فى قصيدة طويلة أوّلها:
أليلتنا بذى حسم أنيرى ... اذا أنت انقضيت فلا تحورى
فإن يك بالذنائب طال ليلى ... فقد أبكى من اللّيل القصير
فلو نبش المقابر عن كليب ... لأخبر بالذنائب أىّ زير
وإنّى قد تركت بواردات ... بجيرا فى دم مثل العبير
هتكت به بيوت بنى عباد ... وبعض القتل أشفى للصدور
على أن ليس عدلا من كليب ... اذا برزت مخبّأة الخدور
وقال المهلهل أيضا وقد أشرف فى الدماء:
أكثرت قتل بنى بكر بربّهم ... حتّى بكيت وما يبكى لهم أحد
آليت بالله لا أرضى بقتلهم ... حتّى أبهرج بكرا أينما وجدوا
أبهرج: أى أدعهم بهرجا، لا يقتل بهم قتيل، ولا تؤخذ بهم دية.
وقال أيضا:
قتلوا كليبا ثمّ قالوا أربعوا ... كذبوا وربّ الحلّ والإحرام
حتى تبيد قبيلة وقبيلة ... ويعضّ كلّ مثقّف بالهام
ويقمن ربّات الخدور حواسرا ... يمسحن عرض ذوائب الأيتام
حتى يعضّ الشيخ بعد حميمه ... ممّا يرى ندما على الإبهام
[يوم قضة]
قال: ثم إنّ المهلهل أسرف فى القتل ولم يبال بأىّ قبيلة من قبائل بكر وقع، وكانت أكثر بكر قعدت عن نصرة بنى شيبان لقتلهم كليبا، وكان الحارث بن عباد قد اعتزل تلك الحروب، حتى قتل ابنه بجير, بن الحارث بن عباد، فلمّا بلغه قتله قال: نعم القتيل قتيل أصلح بين ابنى وائل، وظنّ أنّ المهلهل قد أدرك به ثأر كليب وجعله كفؤا له، فقيل له: إنما قتله بشسع نعل كليب. وكان المهلهل قال لمّا قتل بجير بن الحارث: بؤبشسع نعل كليب، فلمّا سمع الحارث ذلك غضب، وكان له فرس يقال له النعامة، فركبها وتولّى قتال تغلب بنفسه، فكانت الدائرة فيه على تغلب، فتفرّقت قبائل تغلب وهرب المهلهل. وقال الحارث بن عباد:
قرّبا مربط النعامة منّى ... لقحت حرب وائل عن حيالى
قرّبا مربط النعامة منّى ... شاب رأسى وأنكرتنى رجالى
لم أكن من جناتها علم اللّ ... هـ وإنى بحرّها اليوم صال
فى قصيدة طويلة نحو المائة بيت كرّر فيها:
قرّبا مربط النعامة منّى
فى خمسين بيتا.
وكان أوّل يوم شهده الحارث يوم قضة، وهو يوم تحلاق اللمم، وفيه يقول طرفة:
سائلوا عنّا الّذى يعرفنا ... بقوانا يوم تحلاق اللّمم
يوم تبدى البيض عن أسؤقها ... وتلفّ الخيل أعراج النّعم
(يوم تحلاق اللّمم)
ويوم تحلاق اللّمم، إنما سمّى بذلك لأن الحارث بن عباد لمّا تولّى الحرب قال لقومه: احملوا معكم نساءكم يكنّ من ورائكم، فإذا وجدن جريحا منهم قتلوه، وإذا وجدن جريحا منّا سقينه وأطعمنه، فقالوا: ومن أين يتميّز لهنّ؟ فقال:
احلقوا رءوسكم لتمتازوا بذلك، ففعلوا، فسمّى به، فقال جحدر بن ضبيعة- وكان من شجعانهم-: اتركوا لمّتى وأقتل لكم أوّل فارس يقدمهم، فتركوه، وهو الذى قتل عمرا وعامرا التغلبيّان، طعن أحدهما بسنان رمحه، والآخر بزجّه ثم صرع بعد ذلك، فلمّا رأته نساء بكر دون حلق ظنّوه من تغلب فأجهزوا عليه.
وفى هذا اليوم أسر الحارث بن عباد المهلهل عدىّ بن ربيعة وهو لا يعرفه فقال له: دلّنى على عدىّ وأخلى عنك، فقال له عدىّ: عليك العهد بذلك إن دللتك عليه، قال نعم، قال فأنا عدىّ، فجزّ ناصيته وتركه وقال فيه:
لهف نفسى على عدىّ ولم أع ... رف عديّا إذ أمكنتنى اليدان
وكان الحارث آلى ألّا يصالح تغلبا حتى تكلّمه الأرض، فلمّا كثرت وقائعه فى تغلب ورأت تغلب أنها ما تقوم له حفروا سربا تحت الأرض وأدخلوا فيه رجلا وقالوا له: اذا مرّ بك الحارث فغنّ بهذا البيت:
أبا منذر أفنيت فاستبق بعضنا ... حنانيك بعض الشّرّ أهون من بعض
فلما مرّ الحارث اندفع الرجل وغنّى بالبيت، فقيل للحارث قد برّ بقسمك فابق بقيّة قومك، فأمسك، فاصطلحت بكر وتغلب.
ثم إنّ المهلهل فرّ بنفسه فنزل بمذحج فى بنى جنب، فخطبوا اليه ابنته، وقيل أخته، فمنعهم، فأجبروه على تزويجها وساقوا اليه جلودا من أدم، فقال فى ذلك:
أعزز على تغلب بما لقيت ... أخت بنى الأكرمين من جشم
أنكحها فقدها الأراقم فى ... جنب وكان الخباء من أدم
لو بأبانين جاء يخطبها ... ضرّج ما أنف خاطب بدم
ليسوا بأكفائنا الكرام ولا ... يغنون فى ذلّة ولا عدم
ثم اشترى المهلهل عبدين يغزوان معه، فغزا بهما حتى طال عليهما ذلك، فاختارا الراحة منه، فأجمعا على قتله بموضع قفر، فلمّا شعر بما همّا به ولم ير لنفسه ملجأ قال لهما: أبلغا عنّى هذه المراسلة، فقالا هات، فقال:
من مبلغ عنّى بأنّ مهلهلا ... لله درّكما ودرّ أبيكما
فلمّا قتلاه وانصرفا نحو بيته فقالا: مات بأرض كذا وذكرا وصيتّه، فلم يدر أحد ما أراد، فقالت ابنته: والله ما كان أبى ردىّ الشعر، ولا سفساف الكلام، وإنما أراد أن يخبركم أنّ العبدين قتلاه، وإنما معنى البيت:
من مبلغ عنّى بأنّ مهلهلا ... أضحى قتيلا بالفلا مجدّلا
لله درّكما ودرّ أبيكما ... لا يبرح العبدان حتّى يقتلا
فقتل العبدان بعد أن أقرّا بذلك. وقيل: إنه أصبح قتيلا بين رجلى جمل هاج. والله تعالى أعلم بالصواب".
نهاية الأرب في فنون الأدب، النويري، ٣٩٦/١٥.
بقلم/
عبدالرحمن بن مشعل بن حضيض العوفي.
طبرجل- الأحد- ١٤٤٧/١٢/٢٨.
Abdurrahmanalaufi@gmail.com