أعاهدك عهد من لا يؤمن بغير الصدق والصراحة: لن أرسل لك حرفا، ولن أبث لك طرف علم، ولن أكون مثقلا عليك برسائلي التي لا ينبغي أن تأوي إلا إلى من يحفظ لسانه قبل أن يفلته على من أمامه مستهلكا منه عقله وفكره، آماله وطموحاته، نفسه ومشاعره وعواطفه ووجدانه، وراحته أخيرا، لا، بحول ربي وقوته لن يستهلك مخلوق مشاعر هذا العبد الفقير إلى ربه القدير، ولكن علمتني الأيام، وأدبتني السنون، ومخضتني التجارب - بكسر الراء لا بضمها من التجربة لا الجرب يا محب - أن الإنسان المفكر المبدع المنطلق لا بد وأن يساء فهمه، بل يساء الأدب معه، بل يحسد، وفي أحايين ليست بالقليلة يرمى وراء ضوء الشمس كما يقولون، أو ينفى، أو يقصى، أو حتى يعرض إلى القتل أو التهديد بالقتل، أو، إلى آخر تلك القائمة من المنغصات لكل مجد ومجيد، وكريم وأصيل، وإنسان لا يرضى بغير الإقدام لا الإحجام، إنسان يفرش جناحيه من الطموح والإرادة ليحلق في سماء غير سماء أولئك المحبطين المخذلين، أو على الأقل الذين لا يعلمون، إنسان يغرد في واد آخر كما يقولون، إنسان يسعى لإكمال إنسانيته المفطورة على النقص، ولكن، ولكن مرة أخرى يحاول أو يقارب بلوغ الكمال، وهل بشر كامل؟، ولكن الشريف لا يرضى بالنقص حتى يسعى للكمال أو ما يقارب الكمال، ما عليه سوى سلوك الطريق، وما عليه من الوصول، المهم أن يكون الطريق صحيحا سليما، أما كيف تصل ومتى تصل فليست إليك...
تلك جمل قصيرة نفثت بها بعد تعليق أحد أعمامي على كتابتي في مقالي الخامس بعنوان "حدثني جدي"، فقال: "خثرده لا تصلح للنشر.
ولا تنشرها ما دام فيها شي يخص والدي رحمه الله".
أعجب - ونحن في دنيا العجب يا محب - كيف تنطلق هذه الألسنة بهذه الألفاظ؟ كيف؟ كيف؟
العجب من يرى العيب في نفسه، ولا يراه شيئا، ويرى العيب - إن صح كونه عيبا - في الآخرين ثم لا يرضى بغير اللفظ القاصف، والكلم القاذف، ولا يفكر أبدا في عواقب أو مآلات كلامه، وهذا عين الحمق وعين الجهل.
فإن قيل: الانفعالات النفسية أحيانا تسيطر على الإنسان؛ قيل: نتفق على هذا، ولذا نفثت بهذه الجمل التي إن بقيت في الصدر حطمته، وفي العقل شوشت تفكيره، وفي النفس أقلقتها، فلا بد إذن للمصدور أن ينفث.
سامحني يا عم أن قلت ما قلت، ولكن ما دعاني لذلك شيء غير صدقي وصراحتي، ولو لم أقدرك، ما نفثت بها إليك، فخذها صافية نقية، برة علوية: لأنت عندي خير من كثير، ومن لا يعرف طعم الزنجبيل؛ كيف له أن يتذوق؟ ومن لا يشم ولا يذوق لا يتطعم، وقد عرف من اغترف، وما على محسن من سبيل، وأنا ما أسأت، وما كان لي ذلك، بل أجدت وأفدت، على النقيض من ذلك، فكان الحق لي عليكم أن تثنون وتباركون، وتشجعون، وإن كان ثمة قصور، فاللبيب الأريب والعاقل الحصيف يعلم جيدا كيف يقول؟ ومتى يقول؟ ولا يبدر منه الهين من القول أو الفعل - فضلا عن الجليل - من ساعته قبل أن يستعمل أداته الإنسانية الدالة على معنى الإنسان وخاصيته وهي "أداة التفكير".
تريث يا عم، ليس ما قال ابن أخيك بخثردة ولا ثرثرة ولا بربرة، وإنني لجدير بأن يقال لي: شكرا، لقد أجدت وأفدت وأبدعت، وإن كنت أخطأت، فقد بينت وأوضحت - وإن كنت أكثرت - منهجية إصلاح الخطأ، فتدبر عماه، تدبر، بورك فيك.
ومرة أخرى:
أعدك لن أرسل لك مقالا ولا خاطرة، لا شعرا ولا نثرا، فمن عادتي لا أحب الثقلاء، وأخشى أن أكون ثقيلا عليك.
شكرا عمي بحجم السماء، شكرا بحجم معاجم اللغة العجماء، شكرا، وإن كانت كلمة الشكر والامتنان لا تفي بمقامك، فالعم بمقام الوالد، وأنت على كل والد، ومساند، ومساعد.
أعلم أن في كلامي شيئا من المبالغة المقبولة، فتقبلها بصدر رحب، وأعلم أننا في بيئة لا تؤمن بغير الأوامر وكأننا في ثكنة عسكرية، فلنتجاوز كل هذا، ولنؤمن بفنون الأدب العربية، فما كتبت لا يخرج عن نطاق الأدب، وإن كان هو أبوك، فهو جدي، وما كتبته أخذته عن جدي شقيق جدي الذي هو أبوك.
تصبح على خير أيها العم الذي هو في مقام سيدي والدي.
بقلم/
عبدالرحمن بن مشعل بن حضيض العوفي الحربي.
المدينة- الثلاثاء- ١٤٤٨/٢/٧.
Abdurrahmanalaufi@gmail.com