سألت أخي الغالي حسين الدراج - من زملاء "نادي الكتابة الإبداعية شغفنا" -:
هل هذه تعتبر رواية، وهي التي كتبتها بعنوان "ساعة صدام"؟
أولا أسرد كتابتي، وبعدها أذيل بتعليق أخي حسين.
قلت أنا:
"في لحظة صفائية ووقت تجلي؛ رأيت - كعادتي - مقاطع فيديو في ذلك المدعو "سناب شات" لذلك الرئيس المدعو "صدام حسين" وهو يشتكي للقاضي: ساعتي التي أهدتنيها ابنتي؛ حرموني منها الأمريكان!
يشتكي للقاضي أمر ساعته التي على يده، ينظر لساعته التي انتزعت منه بألم، يشتكي لماذا هذه الأصفاد والسلاسل، إلى قائمة كثيرة من الشكوى والتذمر؛ التفت بصمت، خرجت من ذلك المدعو "سناب شات" هرعت لأكتب وأقيد هذه الكلمات...
أمرُّ الظلم - يا سادة - أن يسطو الإنسان على أخيه الإنسان ويعامله بأعلى ما يمكن من درجات القسوة والعنجهية والظلم والابتزاز، ثم يتألم أو يشتكي إن أحد نزع عنه ساعته التي على يده، أو أن يحاكم كذلك المدعو "صدام حسين" محاكمة علنية ويعطى الفرصة تلو الفرصة، ثلاث سنين تقريبا ليدافع عن نفسه، وهو لم يمنح أصلا لما كان على سدة الحكم أحدا ليدافع عن نفسه، بل كان المنهج العام المتبع هو التصفية والتعذيب، والطرد والتشريد، وما رأينا من تلك "المقابر الجماعية"، فلقد أعمل آلة القتل البعثية الحزبية الاشتراكية العنصرية الجاهلية في العرب والأكراد، في السنة والشيعة. ويمكن أن يقال "عادل في ظلمه"، ولكن لا يمكن أن يقال "طائفي"، والحق يقال، كما قيل.
العبرة في كون الجلاد يتألم لساعة نزعت من يده، ولا يتألم لضحاياه من المعذبين والمشردين بالآلاف، وفي كونه يرى صواب فعله مطلقا، وما يتمتع به من عنجهية وطغيان حتى ظهرت بوادره أو بعض بوادر نفسه الشريرة في بعض قضايا أو جلسات محكمته، وذلك لنوع من الحرية الممنوحة له، وهو كان بالأمس لا يتنفس أحد في حضرته، قمع وقهر، وظلم شنيع فظيع...
القصة تطول، والدروس والعبر تطول، ولكن الحمقى والمغفلين هم الذين يتبعون كل ناعق، ويسيرون خلف كل شخصية لها بريقها أو شهرتها أو حتى سطوتها، متقوقعون خلف كل بطل موهوم، أو خيال منسوج من حكاية يطول وصفها، ويصعب فهمها على كثير من الطغام...والكثيرون أعداء الحق والحقيقة ولو استبان لهم الأمر جليا، طبيعة البشر...
هذا الكائن الغريب "صدام" - أو "هدام" كما يقول الشاعر الكبير "سعد بن جدلان" رحمه الله - أتى من طبيعة وبيئة مريضة، متمردة، جاهلة، وهذا كفيل لمن تدبر في صنع الطغيان، فهو نتيجة "عقد الطفولة" و "أمراض النفس" و "عوارض النقص"، فلنقصه كان لا يسمع، وإن سمع الحق؛ لا يخضع، ويضرب وفي ضربه أشد الوجع...
هو لم يحاسب نفسه على إطلاق النار على الزعيم الرئيس العراقي الراحل "عبدالكريم قاسم"، ولا على قتل ابن الرئيس "أحمد حسن البكر"، ولا على عزل الرئيس "أحمد حسن البكر"، ولا على دخول الحرب مع إيران، ولا على ضرب واحتلال الجارة الحرة العربية "الكويت"، ولا على قصف "الرياض"، ولا على مجازره بحق الشيعة والأكراد والعرب والسنة، ولا على كونه من أهم أسباب غزو أميركا واحتلالها العراق في عام ٢٠٠٣، ١٤٢٤ تقريبا، ولكنه يشتكي للقاضي: هذه الساعة لماذا تنتزعها مني أميركا؟ بأي حق أم بأي عدالة أم بأي جرم؟
لم يسأل نفسه عن نفسه: لم؟ ولم؟ ولم؟
إنه في داخله يرى حقيقة نفسه "جلاد بامتياز"، ويأبى أن يكون "ضحية"، لكنه كان، ولله الحمد، ورأى بعض عقاب الديان له، قصفت قصوره، وشردت عائلته وأهله، وقتل أبناؤه، وقبض عليه في "سرداب" متخفيا مذلولا، وسجن، وعذب، وشنق أمام العالم في عيد الأضحى المبارك...
هذا هو الواقع، تراكمات، ومغالطات، ثم لا يريد أن يتحمل شيئا من مسؤولياته، ليلقي باللائمة على من نزع من يده ساعته: لم نزعت ساعتي؟ بأي حق؟ أهذه الديمقراطية؟
لم يسأل نفسه: ما حكمة الله في تدبيره؟ لم جاءت أميركا بما يفوق مئتين وخمسين ألف جندي لاحتلال العراق من وراء المحيطات؟!
لسنا نتحدث هنا عن مقامه في جنة أو في نار، هنا نحكي الواقع، نربط بين الأحداث، نحلل المشهد، لتكتمل الصورة الممزقة ل "شهيد الأضحى" كما يقال، وهو الذي ضحى بالمسلمين، بشعبه، بالأكراد، بالعرب سنة وشيعة، ويرفع عقيرته: أنا نجحت في الانتخابات بنسبة ١٠٠%!
والكثير كان يصفق له، لأن الكثير في ميزان الشرع قليل غثاء هباء، لا يسمن ولا يغني من الجوع، وفي الأثر عن ابن مسعود رضي الله عنه: "أنت الجماعة ولو كنت وحدك"...
وأنا الحمدلله والفضل لله والشكر كله لله مسلم سني سلفي أثري، لا "صدامي"، لا "بعثي"، لا "اشتراكي"، لا "حزبي"، لا "عنصري"...
والحق في نفسه قوة، وله هيبة، وعنده الملاذ، وفيه الجمال والكمال، وخلاف الحق يسقط ولا بد، والحق ما وافق الكتاب والسنة بفهم سلف الأمة الصالح رضوان الله عليهم أجمعين، لا ما حيك من مؤامرات الألمان، أو لعب الأمريكان، أو دسائس فرنسا، أو خبث إيطاليا...".
قال الأخ حسين معقبا؛ بل مجيبا على سؤالي:
"هذا النص ليس رواية بالمعنى الفني للرواية، فالرواية تعيش بالشخصيات والأحداث والحبكة والتحولات، أما هذا النص فيعيش بالفكرة والموقف والرؤية.
هو أقرب إلى مقالة فكرية تبدأ من مشهد صغير؛ ساعة نُزعت من يد صاحبها، ثم تتسع لتطرح سؤالًا أكبر عن الإنسان حين يتألم لما يفقده هو، ويغفل عما فقده الآخرون بسببه.
النص لا يحكي قصة بقدر ما يحاكم فكرة، ولا يبني عالمًا روائيًا بقدر ما يبني موقفًا أخلاقيًا وسياسيًا من التاريخ والسلطة والطغيان والمسؤولية.
وربما تكمن قوته الحقيقية في هذه المفارقة الإنسانية العجيبة: أن الإنسان قد يرى الظلم الواقع عليه بوضوح شديد، بينما يعجز عن رؤية الظلم الذي صنعه بيديه.
أما الرواية فكانت ستجعل القارئ يرى ذلك بنفسه من خلال المشاهد والشخصيات والحوار، دون أن تخبره بما يجب أن يراه أو يعتقده.
ومع ذلك، فإن في النص بذرة روائية واضحة؛ فمشهد الرجل الذي فقد دولة كاملة ثم توقف عند ساعة في معصمه، مشهد يمتلك من الرمزية ما يكفي لبناء قصة كاملة حول السلطة والذاكرة والسقوط وثمن القرارات الكبرى".
بقلم/
عبدالرحمن بن مشعل بن حضيض العوفي.
القريات- الأربعاء- ١٤٤٨/١/١٦.
Abdurrahmanalaufi@gmail.com