الاثنين، 21 سبتمبر 2026

قيد الخاطر- (ضريبة الطيب)

قيد الخاطر- (ضريبة الطيب)

تكون طيبا، نبيلا، شهما، كريما، ذا أخلاق فاضلة، وقيم عالية، وخلال غالية، فتلدغ مرة ومرتين وثلاث مرار وألف مرة!.
تكون طيبا في حديثك، في نظرات عيونك، في حسن سماعك وإنصاتك، في حلاوة لسانك، فتلدغ مليون مرة!.
تسامح مرة واثنين وثلاث مرار، وأكثر من ذلك، فتلدغ مرة واثنين وألف مرة!.
في كل خصلة طيب وكل موقف شهامة ورجولة وكرامة، تجابه بكل خسة وكل نذالة، وتلدغ في كل مرة ألف مرة!.
تحترم الآخرين - ليس من باب الضعة والذل والمهانة والضعف؛ بل لكونك لا تعرف غير سبيل الطيب سبيلا تسلكه في فجاج هذه الدنيا العجيبة - فتلدغ وتلدغ وتلدغ!.
الولد مع الوالد، والموظف مع المدير، والمرؤوس مع الرئيس، كل ما تراه من تلك "الطبقية الفجة" أو "التضخم الذاتي" هو صادر من نفوس مريضة بعقد النقص، كل يرى نفسه هو الأفضل والأجدر والأقوى، ولو كان الآخر هو الطيّب، هو النبيل، هو الشهم، وهو الكريم، فيسطو بسلطة رئاسته أو إدارته أو أبوته، فلا ينتج من تلك السطوة الفجة غير ركام هش لنفوس غير سليمة، قد داهمها طوفان الأسى، وتغلب على فطرتها بركان الظلام، فشرد نور الفطرة كل مشرد، أو على الأقل هشم من صحتها، وأوغل في إخراج عللها لتطفو على السطح طفيليات أمراض النفوس التي إن خرجت أو أُخرجت بجهالة جاهل، فعلى النفوس السليمة والسلامِ السلامُ!.
هذه "ضريبة الطيب" للأسف، ضريبة يدفعها الطيب بنبله وأخلاقه وخلاله، وشهامته وكرامته؛ لأن ميزان الطيب النبيل الرجل الكريم ليس كميزان صاحب النفس العليلة، والعقل الكليل إلا عن تدبير كل شر ومصيبة يوقع بها الطيب في شراكه الخبيث.
الطِّيب له ضريبة، يحب أن يعلم هذا كل رجل طيب، ولكن ما أجمل الرجل تراه طيبا حصيفا، لينا حازما، عاقلا حكيما، وإن تنازل عن بعض حقه لله، ونزل على المصلحة الراجحة، فنعما ذاك من رجل، لكن لا يسمح لأحد أن يستغفله، نعم، يتغافل، ولكن لا يغفل، ويقدر للأمور نصابها، ويحكم له ميزانها، ولا يخرج في كل ذلك عن قانون الطيب، وسنن الحكمة.
الرجل الطيب يكفيه ثناء الناس عليه لطيبه، وقبل ذلك الأجر الوفير من الله تعالى، الغني الشكور، العزيز الغفور. 
وإذا كان للطيب ضريبة، فللنذالة والخسة ضريبة، أعظمها مقت الله، ثم ثناء الناس شرا عليه، فيا لهناءة من عاش الدنيا بطيب، ورحل عنها بطيب، ويا لشؤم وخسارة من عاشها بنذالة وخسة، وغادرها نذلا خسيسا. 
والخلاصة:
منزلة الطيب لها ضريبة، ومنزلة الخسة والنذالة لها ضريبة، فانظر فيم تنفق سلعتك. واعلم بأن الطيب رجولة، والخسة والنذالة ذكورة لا رجولة، وأن الرجل بالأخلاق والخلال، لا بالشماغ والعقال.

بقلم/
عبدالرحمن بن مشعل العوفي. 
طبرجل- الاثنين- ١٤٤٨/٤/١٠
Abdurrahmanalaufi@gmail.com

الأحد، 20 سبتمبر 2026

شذرات

(شذرات)

١- بصدد إنشاء مدونة و متجر إلكتروني، وفتح مقهى ثقافي في المدينة.
اقترحت تسميته "الربيعاني" ؛ لأن جدي الخامس ربيعان، أو "مراحي" 
من قول جرير: أهذا الشيب يمنعني مراحي؟
ما رأيك؟
أرسلتها لعدد من الفضلاء:
أجاب حبيبنا وأستاذنا وأديبنا المؤلف البارع د. محمد بن سعود الحمد وفقه الله بقوله:
مراح، أفضل من مراحي.
وقال أ. ناصر بن عبدالله البدر وفقه الله:
الربيعاني إن كنت تريد  بناء علامة تجارية طويلة العمر لها قصة وهوية.
أما إن كان التركيز الأكبر على المقهى الثقافي والأجواء الأدبية فـ "مراحي" اسم آسر وغير مألوف 
أما "مراح" فالاسم أوضح وأبسط من “مراحي”.
وفيه:
سهولة الحفظ.
ودلالة على السعة والأنس والراحة.
ومناسب جدًا لمقهى ثقافي.
٢- من أكثر الأبيات التي أعجبتني:
للعشماوي وفقه الرب العلي، يقول:
لا تهنوا لا تحزنوا لا تيأسوا * لا تقنطوا فالله نعم المؤنسُ
كونوا مع الله العظيم وأبشروا * فهو الذي يحمي التقي ويحرس
٣- مما سمعت من الأمثال في طبرجل في قبيلة الشرارات: "آذان البل خرش طرش".
والمعنى آذان الإبل مستوفزة منتبهة حذرة لأي صوت.
ويضرب المثل للحذر من الكلام..
٤- حكمة اليوم:
* من ملكك؛ زهدك.
* لذة العلم والمعرفة أعظم اللذات وأدومها، بخلاف اللذات الأخرى، كالغنى والجاه والشهرة والطعام والشراب، فإنها تزول لأدنى عارض.
* نظرتك لنفسك؛ تترتب عليها نظرة الناس لك.
٥- الشيب نور ونذير.
٦- قرأت لأحدهم - ظاهره متدين -، وهو في منبر خير، رأيته كتب في ذلك البرنامج "سناب شات" نكتة فاضحة معيبة، لا يليق أبدا أن تصدر من رجل خير وبر ونفع مجتمعي، فتألمت لذلك الحال، وعذت به تعالى المتعال من سوء المنقلب والحال.
للشهرة فتنة وضريبة، والكثير يغتر ولا يثبت.
٧- نكتة:
يقول صدام حسين أمام القاضي: أنا أطلقت النار على عبدالكريم قاسم، مع أنني والله ما أكرهه، والله ما أكرهه!.
قال أبو عبدالملك:
هذا صنيعه مع من لا يكرهه، إذن يا ترى ما صنيعه مع من يكرهه أو يعاديه؟ لا يكلفك ذلك شيئا سوى أن تفتح عينيك وأذنيك وتنصت وترى، لتشاهد وتسمع ما تخجل منه الإنسانية قاطبة، وكل فعل عنده له ما يبرره، والأعجب هو غلو كثير من المغرورين به فيه، ولا عجب، فالجهل يأتي دوما بالعجائب.
٨- سأل أخي الغالي فيصل العلي على منصة × هذا السؤال: كيف تبنى الذائقة اللسانية؟ وأجاب، وأنا أفدت هذه الفائدة فقلت:
القرآن والسنة، وشعر العرب من المعاصرين إلى الجاهليين، وكتب علي الطنطاوي ومحمود شاكر المصري والزيات وأحمد أمين، والرافعي والعقاد وزكي مبارك، والبشير الإبراهيمي، والخضر حسين وابن عاشور، وابن باديس، وبكر أبو زيد، وابن الجوزي وابن حزم، كل أولئك منجم أدب، ومكنز عقل.

بقلم/
عبدالرحمن بن مشعل العوفي. 
سكاكا- الاثنين- ١٤٤٨/٤/١٠.
Abdurrahmanalaufi@gmail.com

الأحد، 13 سبتمبر 2026

شذرات

(شذرات)

١- من أكثر الأبيات التي أعجبتني:
وإن أولى البرايا أن تواسيه * عند السرور الذي واساك في الحزَنِ
إن الكرام إذا ما أسهلوا ذكروا * من كان يألفهم في المنزل الخشن
نشرها أخي الغالي المثنى الجرباء، وكثير من الأبيات ألتقطها من حسابه على "سناب شات".
* ومن أكثرها أيضا:
أو ما ترى الورد الجميل يفوح بالذكرى شذاه؟
أو ما ترى الفجر الذي ما زال ينعشنا نداه؟
أرجوك...
دعك من الأسى وانظر إلى الأفق الفسيح...
أما تراه؟!
انظر إليه فإنه
مبتسما سناه.
للعشماوي.
* ويقول عيسى جرابا:
صباح الخير هل أحلى * 
وأندى من صباح الخير؟
على شفة الندى تنساب * تهمي من شفاه الطير
ترفرف عذبة النجوى * بأحبابي صباحي غير!.
* ومن شعر أخي الغالي عبدالخالق خضران الزهراني وفقه الرب العلي:
بكل ما في من شوق أناجيها * فتدعي أن حبي كان تمويها 
تريد مني دليلا في هواي ولم * تقنع بحرقة أشواق أغنيها 
لو أن شوقي دعا صخرا لجاوبه * مشاعري ضوء شمس كيف أخفيها؟
عابت علي بأني حين أبصرها * أغضي انشغالا وأني لا أحييها 
فقلت حسنك يا دنياي يشغلني * عن الدنيا وما فيها
* وأيضا لأحدهم:
تعزَّ بحسن الصبر عن كلِّ هالك * 
ففي الصبر مسلاة الهموم اللوازمِ
إذا أنت لم تسلُ اصطبارًا وخشية * 
سلوت على الأيام مثلَ البهائمِ
٢- حكمة اليوم:
* الألم نعمة تستحق الشكر. 
* عادة البشر تعقيد الحلول السهلة. 
* الفراغ في الوقت؛ ينتج الفراغ في النفس والعقل.
٣- سألت أخي الغالي الأستاذ الدكتور عبدالرزاق الصاعدي وفقه الرب العلي: أريد ترشيح سبعة كتب في مختلف العلوم الشرعية واللغوية والأدبية والتاريخية، صاحبها موسوعي، في القديم والحديث لا هنت. 
فأجاب:
* اللغة والنحو: التذييل والتكميل، لأبي حيان، ٢٢ مجلدا. 
* الأدب: الأغاني، لأبي الفرج الأصفهاني، أو خزانة الأدب للبغدادي. 
* المعاجم: لسان العرب لابن منظور، أو تاج العروس للزبيدي. 
٤- الإنسان بطبيعته يميل للسهولة لا للتعقيد، والذي نراه من بعض الأناسي هو مرض في حد ذاته، من ذلك "تعقيد الحلول السهلة للمشكلات"، فالإنسان يحب الحديث والكلام والكتابة والتعبير عن فيض مشاعره - إما لفظا أو كتابة -، الصمت قاتل!.

بقلم/
عبدالرحمن بن مشعل بن حضيض العوفي الحربي. 
طبرجل- الأحد- ١٤٤٨/٤/٢.
Abdurrahmanalaufi@gmail.com

الثلاثاء، 8 سبتمبر 2026

قيد الخاطر- (الحالة الصدامية)

قيد الخاطر- (الحالة الصدامية)

رأيت كثيرا مقطع فيديو من "محاكمة صدام حسين"، وأحد الشهود يقول: نشكر المحكمة على الاستجابة لطلبنا بإحضار المتهمين المجرمين"، وصدام يرد بانفعال: هذا الكلام كان يجب أن تقوله قبل ما هو الآن وأنا في القفص، لا تقول مجرم يا مجرم، يا مخنث، أنت المجرم أبوك مجرم".
قال أبو عبدالملك:
لقد أتيح ل "صدام" ديمقراطية لا يحلم بها أي رئيس مجرم، أولا هي محاكمة، ثانيا علنية، ثالثا يسمح له بتوكيل هيئة دفاع، ويتجاوز على المحكمة والشهود بألفاظ "شوارعية"، و "سوقية"، و "منحطة"، بل وعلى القاضي، وهذه "نفسية الطاغية"، لأنه لا يؤمن بغير العنف، فلو استخدم معه العنف؛ لما تفوه بربع كلمة مما تفوه به، ولكن سمح بإعطائه مساحة من الحرية، فمارس في تلك المساحة ما يمكن أن يمارسه طاغية مجرم لا يؤمن بغير العنف، ولا يحتكم لغير العنف، ولا يؤمن بأخطائه، ولا يستجيب للنصح، فهو قد دمر "قاعدة الشورى"، وحطم من قبل "نظام الإسلام"، وأصبح مثالا سيئا في العرب للحاكم الغادر الماكر، الخائن الخؤون، كثير الخيانة والغدر، الذي إيمانه عميق جدا ب "الرصاصة" و "المقصلة"، و "المشنقة" و "حوض التيزاب"، فضلا عن السجون والمعتقلات.
والمشكلة "مشكلة نفسية" بل "عقلية فكرية"، بل هي جميعا قد اجتمعت في شخص هذا الطاغية، وهي حالة تستدعي دراسة جادة، تدرسه من طفولته إلى مراهقته إلى انضمامه ل "حزب البعث"، إلى شقاوته وعبثه، إلى محاولة اغتيال الزعيم الراحل "عبدالكريم قاسم"، إلى هروبه إلى "مصر الكنانة"، إلى رجوعه إلى "عراق الرشيد"، إلى أن كان نائب الرئيس "أحمد حسن البكر"، ثم لما أصبح رئيس العراق المطلق، ثم لما دخل في حرب مع "إيران"، ثم لما غدر في الجارة "الكويت"، بل و "المملكة العربية السعودية"، ثم لما تسبب في قتل مليون طفل عراقي أثناء فترة الحصار، ودخل العراق في مرحلة خطيرة بسبب "الحالة الصَّدامية الصِّدامية" مع العالم، بل حتى مع الجار القريب والداعم ك "الكويت" و "السعودية"!.
إن العرب لا يزالون في تأخر حتى يؤسسوا نظاما تعليميا يقوم على الوفاء للدين في المقام الأول، عندئذ تخرج أجيال طاهرة نقية، بل قوية في كافة المستويات ومناحي الحياة، لأن الدين يقود الدنيا، والفكر والعقل مطلوب لكل إنسان، فكيف بحاكم يحكم أمة؟! والحاكم هو من الشعب في المستقبل، فإذا تأهل المجتمع دينيا وعقليا وفكريا، فعلى الإجرام السلام.
والسلام.

بقلم/
عبدالرحمن بن مشعل بن حضيض العوفي الحربي. 
طبرجل- الثلاثاء- ١٤٤٨/٣/٢٦.
Abdurrahmanalaufi@gmail.com

الاثنين، 7 سبتمبر 2026

قيد الخاطر- انقلاب شامل

قيد الخاطر- (انقلاب شامل)

أنا الآن على ظهر دابتي، أو باللفظ العصري "راكب سيارتي"، درجة الحرارة اثنان وثلاثون، المكيف هَبوب، الشيخ عبدالله القرافي الحربي - إمام المسجد النبوي الشريف - يقرأ في المذياع من سورة النمل، تلاوة مرتلة مجودة، بدون أي تكلف، للتو فلينا من المدرسة - فلينا بلهجة الشرارات أي انصرفنا بلهجة أهلي في ديار المصطفى صلى الله عليه وسلم المدينة -، الآن خرجت من "الفياض" فياض طبرجل لا فياض سكاكا، تبعد عن طبرجل خمسة عشر كلم تقريبا، والآن دخلت مركز طبرجل أو شريان طبرجل أي وسط المحافظة، بالتحديد الآن عن يميني "مستوصف حدرج"، ويساري "حارة الدعيجاء"، والدعيجاء لهم تاريخ معرق في القبيلة بطبيعة الحالة أي قبيلة الشرارات، وفارسهم المشهور "خلف بن دعيجاء"، صاحب الكرم والشجاعة، وهم يعتزون به ويفتخرون. 
أحببت أن أدلف بيسر للموضوع المراد، بل بتشويق مصحوب بفائدة. وعلى فكرة هناك أكلة مشهورة من أكلات اليمن والحجاز وهي "معصوب"، وللفائدة أيضا كلاهما "مصحوب" و "معصوب" على وزن "مفعول"، هذه فائدة لغوية، أو بالأحرى نحوية، بالتحديد صرفية، فالنحو قسمان: نحو وصرف، كنا ندرسه في المتوسطة لما كنت طالبا في "وادي ريم" في "متوسطة المغيرة بن شعبة" رضي الله عنه، وهي مادة "النحو والصرف"، أما الآن فالمناهج تغيرت كثيرا، فقد جمعت مواد اللغة العربية في كتاب أُسمي "لغتي"، وكذلك مواد الدين كانت مقسمة: التوحيد، الحديث، الفقه، التجويد، القرآن الكريم، أما الآن فقد جمعت في كتاب أسمي أيضا "الدراسات الإسلامية"، كذلك كنا ندرس مادة التاريخ منفصلة، ومادة الجغرافيا منفصلة، أما الآن فقد ضمت في كتاب سموه "الدراسات الاجتماعية"...
الذي أريد قوله باختصار حتى لا أسهب أو أطيل أو أثقل عليكم - وأثقل شيء على صاحب المروءة هو الثقيل صاحب الدم الغليظ -:
إن أخطر انقلاب شامل مدمر هو "انقلاب المفاهيم والأفكار".
قديما كانت المرأة محجبة مستورة مصونة، وتحترم الرجل، والآن النساء تمردن كثيرا، والرجال ضعفوا كثيرا.
قديما كان الولد يوقر أباه، والآن الأولاد سيرتهم ليست حسنة مع والديهم، ولا تبشر بخير.
قديما كانت الأسرة أكثر انضباطا، والآن أكثر انفلاتا. 
قديما كان الطالب يحترم المعلم ويخافه ويرهبه، والآن المعلم أصبح يخاف من الطالب وولي أمره والنظام التعليمي نفسه.
كل ما سبق يستحق آلاف علامات الاستفهام والتعجب. 
إننا لم نصل بعد إلى تأسيس فكر إسلامي أصيل، أو ثقافة إسلامية أصيلة، نابعة من معين الدين ونقاء السنة ومنهج القرآن ووسطية الإسلام.
الآن أبو عبدالله: السلام عليكم. 
أبو عبدالملك: وعليكم السلام. 
ودمه للحق ظريف...
نكمل غدا، بحول الله وقوته. 
مع السلامة.

بقلم/
عبدالرحمن بن مشعل بن حضيض العوفي الحربي. 
طبرجل- الاثنين- ١٤٤٨/٣/٢٥.
Abdurrahmanalaufi@gmail.com

الأحد، 6 سبتمبر 2026

شذرات

(شذرات)

١- مما نصحني به شيخنا محمد بن سعود الحمد وفقه الله كتاب 
"وحي الأزهر، أحمد حسن الزيات، مقالات لم تنشر من قبل، جمعها وقدم لها/ هاني محمود، المكتبة العمرية ودار الذخائر".
٢- من أكثر الأبيات التي أعجبتني:
وهي للعشماوي:
عتابي على قدر الوفاء أبثه * وعندي لأصحاب الوفاء مراتبُ
ولولا صفاء الود في النفس لم تجد * صديقا إذا جار الصديق يعاتب
فطمئن على حالي فؤادك إنني * أعادي على نهج الهدى وأصاحب
ولله وجداني ولله نبضه * ومن أجله أرضى وفيه أغاضب 
٣- حكمة اليوم:
* الجسد يموت، الروح لا تموت.
* الفقر فقر النفوس، والغنى غنى النفوس.
* في سبيل إنجاز عمل عظيم؛ لا تنظر إلى "متى"، وانظر إلى "كيف".
* أخطر أنواع الأسلحة "سلاح الفكر".
* أغبى الأغبياء من يظن بخداعه الكسب..
* الإفساد المعنوي قد يفوق الإفساد الحسي، وعادة البشر هي الإفساد.
٤- قال الأستاذ الدكتور عبدالرزاق الصاعدي وفقه الرب العلي على "منصة ×": (هل أعاني من مشكلة؟ رغبتي في السفر إلى خارج المملكة صفر، أما رغبتي في التجول والسياحة في بلادنا فلا حدود لها.
أجد متعة كبيرة في سهولها وأوديتها وجبالها وسواحلها).
قلت معلقا ومعقبا:
بغض النظر عن أي شيء آخر: لدينا كنوز وثروات وإبداع لم يكتشف بعد، وأنا من عادتي أطرب للجمال، وأحب الجمال، بل أتعشق الجمال، ولكن لعلة القرب وكثرة الملاصقة لا يرى أكثر هذا الخلق ما لديه من إبداع، وما عنده من ثروة، بالعكس كثير منهم مغرم بالبعيد، زاهد في القريب!.

بقلم/
عبدالرحمن بن مشعل بن حضيض العوفي الحربي. 
طبرجل- الأحد- ١٤٤٨/٣/٢٤
Abdurrahmanalaufi@gmail.com

الأربعاء، 2 سبتمبر 2026

قيد الخاطر- (مجتمع مريض)

قيد الخاطر- (مجتمع مريض)

يقرؤون كثيرا، ولا يطبقون معشار ما يقرؤون، أولا يقرؤون، ولا يطبقون، أو يطبقون خلاف ما يقرؤون، هذا مجتمع مريض.
يتكاتفون على الفرح بمصيبة الآخرين في السر إن كانوا كرماء ولو قليلا، ويتظاهرون بالسخط علنا، أو حتى لا يتظاهرون، فكل ما عليهم من تقاسيم يدل على بعض حقيقتهم، غير أسوياء ظاهرا وباطنا، وهؤلاء هم اللؤماء...بل هذا مجتمع مريض...
الترقية والعلاوات حسب المصلحة الشخصية الفردية، وينحى المبدعون جانبا، ويسلم الكفؤ لعمل هو غير مبدع فيه، هذا مجتمع مريض...
الأمين يبصق في وجهه، ويسخر منه، ويرون أمانته "قلة رجولة"، والخؤون يحتفى به ويكرم، ويصفق له، ويرونه رجلا، لا، بل بطلا...هذا مجتمع مريض...
المؤدب المحترم، النبيل صاحب المروءات والخلق الحسن يرونه إما متصنعا، أو كما يقولون "قليّل عرف"، أو شخصية ضعيفة، هذا مجتمع مريض...
فهم الدين على كونه مظهر فحسب، وتضخيم أمر المظاهر الإسلامية، كتوفير اللحية وتقصير الثياب، وبناء المساجد، على حساب أمر الباطن، فلا يعتنى بأعمال القلوب قراءة وفهما وتعليما، فلذا ترى بعض من يدعي التدين يطيل لحيته ويقصر ثوبه، ثم يخيل إليه عقله الباطن وفهمه المريض أنه أحد أجلة العلماء أو من حقبة التابعين، ثم يشمخ بأنفه ويصعر خده ويتكبر على الناس لأنه لا يملك سوى إطالة شعيرات، وتقصير بعض الثوب، وبعض العبادات المظهرية، وفي رصيده بعض الريالات، أما أعمال القلوب، فما خطرت له على بال...هذا مجتمع مريض...
يسارع في التبديع والتفسيق والتكفير، ويتكتل ويتحزب، ويرمي المتحزبين بأقذع سباب وأفحش خطاب...هذا مجتمع مريض...
لا يعرف من "التربية" إلا "الضرب"، يضرب فعلا أو يضرب قولا، ومن الضرب المعنوي ما يكون أنكى في النفس من جراح الضرب الفعلي، ولا يعرف أيضا من "التربية" إلا رؤية المساوئ، ثم تضخيمها، وعدم نسيانها...هذا مجتمع مريض...
من يعق، ومن يهجر، ومن لا يرى فضيلة أن تسلك طريق العفو، فيرميك ب "قلة المراجل" مثلا، أو ب "ضعف الشخصية"، هذا مجتمع مريض...
أن ينسى الزوجان أمر العشرة بالمعروف، أو أحدهما لأي سبب، ثم يتبع ذلك سباب وشتام وخصام وطلاق، ثم ينسى الزوجان أو أحدهما لأي سبب ما كان بينهما من فضل ومعروف، والله يقول: (ولا تنسوا الفضل بينكم...)، ثم يسعيان أو أحدهما في إلحاق الضرر بالآخر، أو بالانتقام من الآخر بالأولاد ذكورا أو إناثا، ولا يرعووا عن فعل كل نقيصة، ويسعى أهل الزوجين أو أحدهما لإشعال النار على النار، ولا يحكمون لا شرعا ولا عقلا ولا عرفا، هذا مجتمع مريض...
أن ينسى الأصحاب فضل بعضهم على بعض، فيتفرقون، ثم يفضح بعضهم بعضا، هذا مجتمع مريض...
أن تدخل المجلس وتسلم، ولا تسمع من يرد عليك من قلب أو بغير قلب، أو يدخل أحدهم ويسلم من طرف أصابعه، هذا مجتمع مريض...
أن تصرح ولا تلمح لمن أمامك في شيء من النقد الجارح، أو القول الفاضح، كأن تقول: معك رائحة عرق، أو تذكر له قصصا مشينة، فيها ذكر للسوءات ووصف للعورات، خلاف المروءات، هذا مجتمع مريض...
أن تهدي لبعضهم كتابا، فيرفض قبول الهدية، تقول له: أعطها ولدك، فيرفض أيضا، أو يقبلها أحدهم لكن لا يشكر ولا يثني، هذا مجتمع مريض...
إخلاف الوعد، والكذب، والغش، والنفاق وقل ما شئت، وعدد ما لا حصر له من صفات السوء وخلال النواقص، لتلمحها جلية بينة في مجتمع قلب الموازين، وعكس الفطر، أحل ما حرم الله، وحرم ما أحل الله، أعني: استحل ذلك بفعله وليس شرطا بقوله، فمن أميز صفات المستحل: التكرار والإصرار، حتى أضحت صفات لمجتمع يرى هو نفسه مجتمعا راقيا متمدنا صحيحا سليما، لكن الحقيقة تجهر بالحق دوما في إباء: مجتمع مريض...
عندما تتحلل من الدين والعقل والعرف، وتتقمص أحط الأدوار وأبأس المشاهد، فإن العقلاء والحكماء لن ينظروا إليك إلا من منظار واحد "إنسان مريض"، مرادف كلمة "مجتمع مريض".
 فالمرض أصيل في هذا النوع الإنساني البئيس، يظنه ترقى، وما علم المسكين أنه إلى الهاوية...
وحتى لا أبعث اليأس والبؤس في النفوس أحب التنويه إلى أن هذا الكلام هو عن جزئية في المجتمع، وهو المرض، فلم أتطرق هنا إلى الصحة، وإلى الجانب المشرق في المجتمع، ولكن لعل الحديث يوقظ من غفل، ويحرك من خمد، فإن الذكرى تنفع المؤمنين. 

بقلم/
عبدالرحمن بن مشعل بن حضيض العوفي الحربي. 
طبرجل- الأربعاء- ١٤٤٨/٣/٢٠
Abdurrahmanalaufi@gmail.com

الجمعة، 28 أغسطس 2026

أدب الشهرة

قيد الخاطر- (أدب الشهرة)

منطق الزمن الحالي في ناحية الشهرة ينصحك بالتالي:
إذا أردت أن تكون مشهورا، لا مغمورا فافعل الآتي بلا حياء لا بلا خجل:
١- تحلل من قيود الدين الكثيرة.
٢- لا تكترث بالعادات والتقاليد قليلا ولا كثيرا.
٣- كن على مبدأ "الغاية تبرر الوسيلة".
٤- انطلق من المادة إلى المادة، واقفز على كل جوانب الروح، وارم الضمير في حفرة، ودس برجليك عليه، فلا يؤنبك.
٥- هناك "عارضة أزياء"، فلم لا تكون أنت "عارض أزياء"؟!.
٦- الناس لا تحب الركود؛ فثورهم ولو بأدنى شيء، ولو باستنقاص نفسك وهجوها، أو بالمجاهرة بمعصيتك ومخالفاتك، أو بشذوذك العلمي والعملي.
٧- هناك في كل عقيدة ومذهب متطرفون، ويتبعون من على هواهم، ومن يؤيدهم يرزق من قبلهم بكثير من المال والمتع ويشتهر، فلا ضير عليك ذلك، تطرف للشهرة، واكفر بدينك، وحطم عقيدتك.
٨- للناس مذاهب فيما يشغلون به، وهذه الكرة لعبة العصر، سافر وصور وابذل لأجلها كل الجهد والوقت، وصوت بحنجرتك، فهذا ميدان رابح للشهرة. 
٩- هناك أناس كثير يعشقون الغناء والصوت الجميل، غن، ودندن، وأدم على ذلك ونادم. 
١٠- هناك من قلبوا الحب من الرجال للنساء إلى حب المردان وشعروا في ذلك الكثير، فتغزل في المردان وأكثر من وصفهم.
١٢- الناس يهرعون إلى الأساليب المسلية، إذن أكثر من الكلام عن السعادة، ولا توازن في الخطاب.
١٣- استغل كل حدث للشهرة.
١٤- عليك بالكلام العام ولا تفصل؛ لأن التفصيل يقتل البهجة أو بالأصح يغتال المشهد.
١٥- لا تلتزم بالأخلاق.
١٦- علق على كل حدث.
١٧- عرض نفسك للشبهات.
١٨- أكثر من المبالغات في ردات الأفعال. 
١٩- تملق الجماهير، واطلب رأيهم في كل شيء، واعتذر بخنوع عن كل خطأ في حقهم ولو بدون قصد، فإذا تمكنت؛ لا عليك، أظهر كبرك وغطرستك. 
٢٠- لا تنس المقالب ولو مع أمك وأبيك. 
٢١- تكلم في كل فن، وأتِ بالعجائب.
٢٢- صور الطبيعة.
٢٣- ظهور الزوج مع زوجته في مظهر مخل لا يخل في هذا العصر، كالرقص وما إليه، إنه فن وذوق وحس رفيع. 
كتبت هذا بعد قراءتي لكتاب أحمد أمين "فيض الخاطر"، وقد تكلم فيه عن "أدب الروح"، فارتأيت أن أكتب عن هذا الموضوع. 
ما مضى هو من الواقع الذي رأيت، واقع الشهرة المشاهد في دنيا العجب وناس العجب، حمانا الله من حمأة الشهرة ووصبها ونصبها، وجعل لنا لسان صدق في الحاضرين والآخرين.

بقلم/
عبدالرحمن بن مشعل بن حضيض العوفي الحربي. 
طبرجل- السبت- ١٤٤٨/٣/١٦
Abdurrahmanalaufi@gmail.com

الخميس، 27 أغسطس 2026

قيد الخاطر- (شيخ وشيخ)

قيد الخاطر- (شيخ وشيخ)

عن تجربة:
 خالطت كثيرا من المشايخ، هذا وصفهم بين الناس، ذهب الشيخ، رجع الشيخ، قال الشيخ، أفتى الشيخ، خطب الشيخ، حدث الشيخ، قابلت الشيخ، واستخلصت بعض الحكم، ووقفت على كثير من الفوائد، بمجرد المخالطة تتبين لك أمور وأمور.
منهم الفظ الغليظ، مكفهر الوجه، مقطب الجبين، تتعوذ بالله عند رؤية تقاسيم وجهه التي تبعث في النفوس أول ما تبعث كآبة وحسرة وندامة، وتقول: أعوذ بكلمات الله التامات من شر ما خلق. 
تسلم عليه مصافحة، فيمد يده متفضلا، ولكن تشعر بالإهانة، كأنه يهينك وهو يصافحك، تسليم غير إسلامي إن صح التعبير، والذي غير إسلامي يعني "جاهلي"، وليس من المروءة، هذا الأخير أقل أحواله.
تهديه كتابا، لا ينبس ببنت شفه، لا يشكر، ولا أقول لا يثني!.
وآخر تكون معه على موعد، فلا يأتي على موعده، وكأنه لم يصنع شيئا، ولا يعتذر.
لا يقرأ ولا يكتب، لا يؤلف ولا يخترع، مع كل تلك النواقص قد فرغ نفسه للنقد والثلب، وتهييج صفة الصراع بين الآخرين!.
شيخ بالصفة، لا بالواقع.
وآخر قد ملأ الكبر جوانحه، وخالج قلبه، فهو يظن أو يعتقد أنه يملك مفاتيح الجنة، فيبدع هذا، ويكفر ذاك، يجرح ويعدل على مزاج نفسه وهوى نفسه وحزبه المتخلف المريض.
وآخر يحتقر العصاة، وآخر لا يعطف على فقير، ولا يرق لمسكين، ولا تمنيه نفسه إلا أن يحرز المنصب والجاه والمكانة، فلذلك يقسو قلبه، ويكون أعبد الناس لمصلحة نفسه، فهو يدور حول نفسه، وحول مصلحته الخاصة، قد خرج من النفع العام إلى النفع الخاص، كل ذلك بشعور أو بدون شعور، المهم أن إبليس ذكي للغاية في تلبيسه، فلذا يقع كثير ممن ظاهرهم التدين في أفعال مشينة، منها فقر في الأخلاق، ويظنون أنهم يحسنون صنعا، وأنهم على الجادة، وهم قد وقعوا في فخ الشيطان وشرك إبليس، موه عليهم بوساوسه، وأضلهم بتلبيسه، فتدرجوا في الغواية من حيث يعتقدون الهداية.
هذا صنف.
وصنف هو شيخ فعلا على الجادة المستقيمة، أخلاق عالية، وخلال أزكى من الغالية، يجود بالبسمة، ويكرم باللمسة، إن وضعته على جرح كان البلسم الشافي، لا يطعن في الظهر، ولا يعبس ولا يكفهر، جود مع عدم المن، وستر لا يفضح، أمين لا يخون، كريم نبيل، متواضع، لين الجانب، خفيض الجناح، ودود رؤوف رحيم، فهو "أصلي" لا "تقليد"، أذكر من هؤلاء من ينطبق عليه وصف الأصلي "ابن باز" عليه رحمة رب العباد، فهو شيخ الخاصة، وإمام العامة، قد بلغ أعلى المناصب، وهو مع ذا متواضع للغاية البعيدة، متواضع في كل شيء، وأجلى صفاته "العلم والكرم والحلم"، ميمات ثلاث عرف بها رحمه الله. 
إذن حتى الشيوخ لأنهم من طينة البشر ليسوا على السواء في الصفات والأحكام والأفعال.
وفي النهاية: الحكم للصفات والأفعال، لا للمظاهر والأشكال.

بقلم/
عبدالرحمن بن مشعل بن حضيض العوفي الحربي. 
طبرجل- الخميس- ١٤٤٨/٣/١٤.
Abdurrahmanalaufi@gmail.com

الأربعاء، 26 أغسطس 2026

قيد الخاطر- (نفسي قبل كل شيء)

قيد الخاطر- (نفسي قبل كل شيء)

لا بأس - قرة عيني - أن أبوح لك ببعض البوح الذي يجمع الصدق مع التنفيس:
 لا أكتمك إن قلت حقا أشعر بأنني كبير، كبير فعلا، تجاربي حياتي، وحياتي تجاربي، قمت وسقطت، أشرقت وأظلمت، أشعر بالعظمة في أحوال، وفي أحوال أخرى أشعر بالحقارة، نعم، أعترف لك بسر: أنا إنسان، ومنذ نشأتي في طفولتي وحارتي لم أشأ يوما إلا أن أكون أنا، أنا الإنسان، ولكن...، ولكن عصفت رياح، وهاجت أمواج، ففكرت وقدرت، تقدمت وتأخرت، تغيرت وتغيرت، وأجانب الصدق إن قلت: قد بلغت الكمال، ولكن لا ضير على الشرفاء أن يقاربوا الكمال، ولا أدعي أنني شريف ولا حقير، يكفيني من هذه المعاني "معنى الإنسان"...
أشارك وأحلل، أخالط وأصاحب، أدقق وأستنتج، أطرب للجمال، ويغريني الكمال، وأدأب لأهداف وضعتها، وخطط نسقتها، مع إيماني بضعفي وقلة حيلتي بدون توفيق ربي وتسديده وإعانته وتيسيره.
 وكوني إنسان، مؤمن بضعفه وعجزه، مؤمن بقدراته، مؤمن بربه، لا يتصنع، وإن كان، فلمصلحة راجحة، وحكمة بالغة، لأن الإنسان يكفيه أن يعيش المعاني السامقة إن حقق إنسانيته أولا قبل كل شيء، فكيف إذا ترقى وتدرج في سلالم العز والمجد والفضيلة بإسلامه وإيمانه وإحسانه ويقينه؟! 
لا ريب أن الإنسان المسلم الحقيقي لا يستطيع أن يكون غير ما يريد، أو يحقق ما لا يريد عمدا لا خطأ ولا جهلا...
أخيرا أقول:
يكفيك يا إنسان أن تعلم موقع العالم من الخير والشر إن التفت إلى نفسك، وغصت في أعماق نفسك، وحللت واستنتجت، وتأملت مليا، وخلوت وبلوت، ثم لا تروعك ضجة ولا جلبة، نفسك أولا قبل كل شيء، ربك أولا قبل كل شيء، دينك أولا قبل كل شيء، الحقيقة المبتغاة، والحق المنشود، هذه بطبيعة الحال رسالتي من نفسي إلى نفسي، فنفسي قبل نفوس الآخرين قبل كل شيء. 
مع السلامة. 

بقلم/
عبدالرحمن بن مشعل بن حضيض العوفي الحربي. 
طبرجل- الأربعاء- ١٤٤٨/٣/١٣.
Abdurrahmanalaufi@gmail.com

السبت، 22 أغسطس 2026

قيد الخاطر- أتغافل ولست بغافل

قيد الخاطر- (أتغافل ولست بغافل)

يكاد يتفق العقلاء على أن تسعة أعشار العافية هي في كلمة واحدة "التغافل".
وأكاد أجزم - من خبرتي في الحياة ومخالطة بعض النفوس الصالحة والمهترئة المتقادمة على كر الأيام في غيابات الجهل وظلمات التخلف - أكاد أجزم جزما لا مرية فيه بأي وجه من وجوه المراء أن الرجل عندي هو المتغافل لا الغافل بطبيعة الحال.
حصلت لي مواقف كثيرة، آخرها بالأمس:
رجل جاء إلى النادي أو المجلس أو الديوانية، عهدي به أو عهده بي قبل شهرين، جاء ولم يسلم لا لفظا ولا مصافحة، وأجلس في المجلس بجانب أحد زملائه، هممت بالقيام له، لكن عزة نفسي، وتغافلي لا غفلتي أقعدتني أو عقرتني، من لا يراني؛ لا أراه أي شيء، نعم، لا أجابهه بالعداء، ولكن أحفظ كرامة نفسي وعزتي واعتزازي، أحفظ إنسانيتي، مركزيتي، شخصيتي، ذاتي، وكل ما يتعلق بي من الوجه وماء الوجه، أصون نفسي وأرفعها عن رؤية من لا يراني أو يتجاهلني أو يظنني غافل، وإنما أنا متغافل، ولست بغافل. 
الكرش والصوت المرتفع والجسم الطوال، المنصب والجاه، الشهرة وتوابعها، القبيلة والأسرة، المنطقة، الشكل والجمال، كل ذلك لا يصنع منك رجلا، الرجولة سماتها وصفاتها مبثوثة في القرآن الكريم والسنة النبوية المطهرة، وفي كتب الأدب والسير والتراجم والذكريات والمذكرات واليوميات، من قرا؛ رقى، ومن وقف؛ عرف، واغترف، ولكن كيف للجاهل أن يعلم أنه جاهل؟!
المصيبة من يظن الديانة في نفسه والعقل والرجولة، وهو لا يعدو أن يكون ذكرا لا رجلا، وأن الناس تتقي شره، لا لأنها تحبه، وفي الحديث: (إن شر الناس عند الله منزلة يوم القيامة من تركه الناس اتقاء شره) أو (فحشه).، أو كما قال صلى الله عليه وسلم. 
وإن هذا من ذاك الصنف، لا أخلاق المسلم، ولا مروءة العربي الجاهلي.
هذا موقف من المواقف، وغيرها كثير، ولكن لا أحب الإطالة، وأنا الآن جالس في مكتبتي الخاصة في "طبرجل"، مستوفز لقراءة كتاب "فيض الخاطر" للكاتب المبدع الأديب أحمد أمين، عليه رحمات رب العالمين.
ووالله ترددت قبل كتابة هذا المقال، أو هذه "الفضفضة"، لأن تركيزي هذا العام على القراءة أكثر من الكتابة، وهي نصيحة شيخي الأديب الأديب المتفنن محمد بن سعود الحمد التميمي وفقه الرب العلي، ولكن ماذا أصنع وكيف أشفى والكتابة دائي وعلتي ومرضي وشفائي في ذات الوقت؟!
أعتقد أنني لا أستطيع الفكاك عنها، فلذا صبركم علي، ودعاءكم للعبد الفقير بأن تتحسن حالته ومقدرته في هذه العلة الشافية في آن واحد، فإنها عنده متنفسه الأمثل، بها يبوح، ويبث شجنه وحزنه، وينشر فرحه وضحكه، فهي المعبرة الصادقة، تفصح عن بعض ما يداخله من شعور، أو ما يختلج في ضلوعه وبين جوانحه وفي دخيلة عقله ودماغه من أفكار ورؤى، وهي بعد ممهدة للطريق لمن بعده، فالأفكار إن حبست ماذا نستفيد منها؟
لا بد لكل مفكر وكاتب وأديب أن يكون على شيء أو جانب كاف وصحيح من الثقة والأنا في موضعها، حتى يسير على الدرب، أو يمهده لمن يأتي بعده، المهم لا تراجع ولا هزيمة، ونعم للتصحيح والمراجعة والتنقيح والتوضيح.
وعذرا لقد أطلت. مع السلامة.

بقلم/
عبدالرحمن بن مشعل بن حضيض العوفي الحربي. 
طبرجل- الأربعاء- ١٤٤٨/٣/٦.
Abdurrahmanalaufi@gmail.com

الثلاثاء، 18 أغسطس 2026

شذرات

(شذرات)

١- من أجمل الحكم التي سمعت: "الذي أوله شرط؛ آخره نور".
٢- حكمة اليوم:
* سافر ولا تصور، ولا تخبر أحدا إلا من يعز عليك، ألق الغشاوة عن قلبك "كل الناس طيبون"، نظرة الطيب هذي لن تجني منها إلا الحسد، وما يترتب عليه من سحر وعين.
* لن تكون عبدا لله حتى تتخلص من عبودية غيره من المال والنفس والهوى.
٣- ومما سمعت من أحد العامة يقول: سمعت أحد المشايخ يقول: إن الله يقول: "يا دنيا يا دنية، من خدمك فاستخدميه، ومن خدمني فاخدميه".
وقال ممثلا حال من يعبد ماله: "مس قلبي، ولا تمس رغيفي".
٤- من أكثر الأبيات التي أعجبتني:
وهي للعشماوي. 
آمنت بالله لم أشرك به أحدا * ولا شكوت لغير الله آلامي 
لولا يقيني بربي لانطوى أملي * في لحظة وتلاشت كل أحلامي 
علقت بالله قلبي واستعنت به * فاستبشرت بالرضا والحب أيامي
٥- من أكثر الأبيات التي أعجبتني من الشعر العامي:
الله نشد يا حمود عن معرفة يوم * وعشر وثمان سنين يا حمود جيران 
يا حمود يظهر لك صديق من القوم * ويظهر من الربع الموالين عدوان 
٦- لا تفرح قد تكون "عربي النسبة"، لا "عربي الخلق".
وليس عربي متفرنج. 
القسمة اثنتان لا ثالث لهما:
أن تكون عربيا في النسب فحسب، أو عربيا نسبا وخلقا. 
وقد يطغى "التفرنج" على بعض العرب فيصبح إلى الغرب أقرب منه إلى العرب، بفعل وسائل كثيرة، أهمها وأخطرها الإعلام ووسائل التواصل الاجتماعي. 
٧- أحمد أمين: "أصدق كاتب في نظري من احتفظ بشخصيته، وجعل أفكاره وعواطفه تمتزج امتزاجا تاما بأسلوبه، وخير أسلوب عندي ما أدى أكثر ما يمكن من أفكار وعواطف في أقل ما يمكن من عسر وغموض والتواء، وراعك بجمال معانيه أكثر مما شغلك بزينة ألفاظه، وكان كالغانية، تستغني بطبيعة جمالها عن كثرة حليها".
فيض الخاطر، المعراج، ط١، ١٤٤٥، ٣٧/١.
٨- من حكم العامة التي سمعتها: "اللي له نصيب؛ ما ياكله الذيب".

بقلم/
عبدالرحمن بن مشعل بن حضيض العوفي الحربي. 
طبرجل- الثلاثاء- ١٤٤٨/٣/٥
Abdurrahmanalaufi@gmail.com

الجمعة، 7 أغسطس 2026

قيد الخاطر- (الشفاء بالكتب)

قيد الخاطر- (الشفاء بالكتب)

كنت مراسلا جيدا بيني وبين شيخي محمد بن سعود الحمد وفقه الله، وكنت أرسلت له في هذا اليوم قصيدتي فيه رفعه الله منازل في الدارين، آمين.
علق على قصيدتي يشكرني، فكتبت هذا الكلام على ذلك المدعو "الواتس".
وهذا نصه:
والله إنك لتشفى بمطالعة عناوين الكتب وأسماء المؤلفين، أبو عبدالملك يتحدث عن نفسه، وهو يراها حقيقة في كثير من الأصلاء، وأظن أن شيخنا الأديب الأريب الكاتب الخريت محمد بن سعود الحمد التميمي وفقه الرب العلي هو من هذا الصنف؛ من يشفى من علله النفسية والبدنية بمطالعة عناوين الكتب وأسماء مؤلفيها، ولو لم ينل إلا هذه اللذة، ولو لم يقع بصره أو يهتز قلبه جذلا إلا لهذا الشأن فحسب، ولو لم يصل إلى أي مبتغى آخر، يرى برغم كل ذلك أنه حصل اللذة، ووقع على الكنز، وجمع المجد من أطرافه، على الأقل يكتفي بها من اللذائذ عن غيرها، أو يندمج روحيا في صفحاتها وأغلفتها، فقبل أن يشتمها ويقبلها، قد أدخلها جوف قلبه، واختلطت بدماء أحشائه، ليس هذا من قبيل المبالغة أو التزيد، ولكنها الحقيقة في ذلك الوسط النقي التقي الخفي.
ومن لا يفتح حديثه إلا في سوق الدنيا ولا يدندن إلا حول أفخاذ النساء، ولا يطرب إلا للشهرة ذاتها أو مشاهير الفلس وما يبثون من سموم، ومن لا يفتح إلا المجاري، ولا يشم إلا الروائح العفنة، كيف لهذا أن يقتنع بكلام الحقائق؟ أم كيف يشتم الروائح الزكية؟!
إنني أظن أن القيامة تقوم ولا يقتنع هذا الصنف من الناس؛ تلك قاعدة أغلبية، وأنا لا أتحدث عن أفراد، بل أتحدث عن صنف ومجموعة وحزب، تجمعهم "السفاهة" ومن أفرادها "مشاهير الفلس"، ومن مفرداتها: السفه والحمق والجنون، وقل أن رأيت مشهورا من ذلك الصنف إلا وفكره ضحل، ضحل، ضحل، حتى وصل بالكثير منهم إلى أن يكون فعلا "عارض أزياء"، ويقرب الكاميرا ليصور أفخاذه وبطنه وإبطه وشعر رأسه وحاجبيه، وغرفته الخاصة، ويظهر بمظهر لا يشرف إلا الذكران من حزبه، وهؤلاء خطر على الذكورة قبل الرجولة، بل خطر على الإنسانية، نعم "مشاهير الفلس" الخطر القادم، والمرض الداهم، فلنتفطن.
فكر مريض، رخيص، مبتذل، تافه، سفيه، إن صح أصلا أن يدعى فكرا، بل هو توجه لنشر السفاهة والتفاهة والسطحية في المجتمع، والله المستعان. 
كلامي ليس موجها لأشباه الرجال، بل هو للرجال الأحرار، والسلام. 

بقلم/
عبدالرحمن بن مشعل بن حضيض العوفي الحربي. 
المدينة- وادي الدوداء- حارة المكيسر- الجمعة- ١٤٤٨/٢/٢٤.
Abdurrahmanalaufi@gmail.com

حدثني جدي- (٦)

حدثني جدي- (٦)

جلست مع جدي - وفقه الرب العلي - في هذا اليوم ومما قال:
أكثر عملائي في الرياض في غرب الرياض، وأيضا في "الدرعية" و "عرقة"، وفي "أم الحمام"، وأكثرهم من "عتيبة" من "الشيابين" و "الدغالبة".
عملائي في الدرعية:
محمد السياري، إبراهيم الفصام، عبدالعزيز بن عثمان، وناصر قريب من "الدفاع المدني" وإبراهيم.
والدرعية شمال الرياض.
وأكثر عملائي عتبان في "أم الحمام".
مسلي الشيباني له معرض سيارات في الرياض، وعسكر الشيباني، وعامر الشيباني جيرانه وأبناء عمومة. 
كانوا يشترون مني الفحم، يتصلون أو يتدفؤون عليه، عندهم خيام عند "درب السيل"، وشبك الحرس الوطني قريب منهم، أما المقر الرئيسي للحرس ففي "حي النسيم".
عسكر لما توفي، كان لي عليه أربع مئة ريال، جاءني ولده يقول هذا الدين أمي قالت لي أعطه صاحب الفحم، فرفضت، وقلت: سامحته.
ومما قال:
في عام ١٣٩٠ تقريبا كنا في الرياض، عند السكن "عشة" وهي مكونة من خشب، يصلي بنا الشيخ خزام أبو محماس الدغيلبي العتيبي، وممن يصلي وراءه الشيخ مقحم العتيبي، وضويحي العتيبي، والذي في الإمارة دحيم العتيبي.
وعبدالعزيز الحلوان أبو عبدالله عنزي، رجل أعمال، مسكنه عند "نزلة العريجاء" عند محطته، ونقل عند "طلعة البديعة"، ويصوم رمضان في "مكة"، له زوجتان، وأعرف ابنه البكر عبدالله، وأبناءه سلطان، وتركي.
عنده معارض سيارات في "الشفا"، ونائب المعارض ماجد، وله مزرعة في "عرقة"، و "الخرج"، فيها رشاشات وحصادات.
يقول:
وكنت أبيع في "الخرج" قليلا.
سألته كم بين الرياض والخرج؟
قال: مئة كلم تقريبا. 

بقلم/
عبدالرحمن بن مشعل بن حضيض العوفي الحربي. 
المدينة- وادي الدوداء- حارة المكيسر- الجمعة- ١٤٤٨/٢/٢٤
Abdurrahmanalaufi@gmail.com

الأحد، 2 أغسطس 2026

قيد الخاطر- (بدل التوجه للنقد)

قيد الخاطر- (بدل التوجه للنقد)

بدل التوجه للنقد ورؤية الجوانب الغير محببة، كان يجب أن يقال: هذا كله من صنعك أنت ونحتك أنت وأنت هذا حالك فكيف لو قرأت أكثر وازددت ونهلت أعظم، ماذا ستصبح؟ وماذا ستخرج؟ وماذا ستكتب؟ وماذا ستقول؟!

لا أزكي نفسي، لكن أنا غالبا إذا رأيت أي بذرة خير في الغير؛ أنميها، ولا أشوش على صاحبها فضلا عن محاولة طمسها أو الإغضاء منها.
المقصد:
يعجبني هذا البيت ويطربني:
أقلوا عليهم لا أبا لأبيكم * من اللوم أو سدوا المكان الذي سدوا
أنا مؤمن بالحوار، كافر بالقمع، من أنت أيها الكائن الحي حتى لا تسمح بالنقاش أو الحوار؟ من نزل لميدان العلم والثقافة والأدب والمعرفة والفكر؛ عليه أن يتسم برحابة الصدر، وإلا؛ فخير له القبر.
هذا من منهجي في الحياة ومن صور طبيعتي: أؤمن بالحوار الهادف البناء، وأكفر بالجدال الصاخب الهزيل الأحمق، وأحتقر حزبه، وما أكثر الشراذم وأصحاب السوالف والحكايات، ومحدودي القدرات العقلية والفكرية والثقافية والأدبية والمعرفية والعلمية.
أحدهم لا يحسن الحديث إلا في الأسعار والجبن والبطيخ، وأحاديث يعف عن ولوجها الرجال الأحرار، أما أشباه الرجال ممن لا تهمهم شيمة، ولا يقومهم معروف، فلا أسف عليهم، الأسف واللوم يتوجه لمن يواجههم أو يحادثهم، لأن الواجب عليه أن يترفع عن مجالسة النوكى والحمقى، وهل أحمق من إنسان لا يحسن إلا الحديث في الجبن والخضار والأسعار؟ في النساء وشؤونهن؟ فيما تحت الآباط وما بين الأفخاذ؟
البعض لا يصلح معه إلا أن يتلقى صفعات تلو لكمات، لكي يفيق، ولكن قد بلينا، فعلينا الصبر والاعتزال، أو المخالطة بقدر يسير لا يضر، أو يضر ويمكن دفعه قبل استفحاله، ثم لا ينجي منه إلا الموت!.

بقلم/
عبدالرحمن بن مشعل بن حضيض العوفي الحربي. 
المدينة- وادي الدوداء- حارة المكيسر- الاثنين- ١٤٤٨/٢/٢٠.
Abdurrahmanalaufi@gmail.com

الجمعة، 31 يوليو 2026

قيد الخاطر- (عام ١٤٤٨ سنة أدبية)

قيد الخاطر- (عام ١٤٤٨ سنة أدبية)

هذا العام الهجري الجديد ثمانية وأربعون وأربع مئة وألف يطل علينا بفتوحات وفيوضات وإلهامات، حقها أن تذكر، فتشكر، ولا تكفر.
لا أريد الإسهاب أو الإطالة، ولكن أختصر فأقول:
هذا العام جعلته مخصصا لقراءة كتب الأدب المعاصر، وحفظ بعض القصائد للمعاصرين، إذن فهي (سَنة أدبية)، ساعة يوميا تكفي لقراءة مئة صفحة، والمهم هو الهضم بعد القراءة.
أقرب لك الصورة: 
سين من الناس يقرأ يوميا ألف صفحة، وآخر مئة صفحة، الأول لا يشغل باله بالهضم، والثاني بعكسه، كلاهما يتقدم ويشار له بالبنان، أحدهما يتميز بعمق الفكر، والثاني بسعة المفردات، وسعة الثقافة.
إذن عدد المقروء، وكيفية القراءة، والتخصص أو العلم الذي تقرأ فيه، بل والجو الذي أنت محاط به في الداخل أو الخارج، والهدف الذي تريد أن تصل إليه؛ كل ذلك مؤثر - بلا أدنى ريب - في المسيرة العلمية الفكرية الثقافية الأدبية.
أيضا بخصوص الحفظ والفهم، وأيهما تركز عليه، يقال فيه ما قيل في السابق.
أقول أخيرا:
من نصحني بهذا وأن أركز على كتب معينة، منها: "فيض الخاطر" لأحمد أمين، وكتب أحمد حسن الزيات "وحي الرسالة" و "في ضوء الرسالة"، وكذلك "الأعمال الكاملة" لإبراهيم عبدالقادر المازني، وشعر "أحمد شوقي"، وقال لي اجعل لك منها وردا يوميا لاثني عشرة سنة، ثم بعدها أدلك على كتب أدبية أخرى، الغرض من هذه الخطة أن تتشرب أساليب من ذكرت من هؤلاء الأدباء.
وقال لي لا ضير أن تقرأ كما تريد، الذي أريده منك أن تدمن القراءة لكتب من ذكرت لك، خطة أولية، ذاك هو شيخنا المفضال الأديب المؤلف المبدع والكاتب القدير محمد بن سعود الحمد وفقه الله ورعاه.
وبعض من ذكر من الكتب لدي - بحمد ربي تعالى-، والذي ليس عندي، سأقتنيه، إن شاء الله تعالى. 
لي مزيد إيضاح حول هذه الخطة، وسأشارككم - كالعادة - ماذا يستجد من فوائد، حقها أن تنشر ولا تكتم أو تكنز أو تدفن.

بقلم/
عبدالرحمن بن مشعل العوفي. 
المدينة- وادي الدوداء- حارة المكيسر- الجمعة- ١٤٤٨/٢/١٧
Abdurrahmanalaufi@gmail.com

الخميس، 23 يوليو 2026

شذرات

(شذرات)

١- تالله ما صبرني على مر ما أنا فيه من معاناة التعلم والتعليم الحكومي، وغثاء الطلاب وقليلي الأفهام وضعفاء العقول والنفوس؛ إلا رؤيتي لجوانب إيجابية أخرى؛ أهمها: إفادتي من الوظيفة لشؤون العلم والتعليم والثقافة، مشروع العمر، وطموحاتي وأحلامي. 
٢- من أجمل ما قرأت: "ضغوط الحياة لن تهدأ، كل ما عليك أن تهدأ أنت".
٣- من أجمل ما سمعت: "كلما رقيت؛ ارتقيت".
وهي لصاحبي أبي عبدالله إبراهيم السيد.
٤- من الحكم التي نشرتها:
* من عوائق السعادة: انشغال النفس بوسائل السعادة عن أصل السعادة.
* كاد أن يكون التواضع مقرونا بالعلم، والكبر مقرونا بالجهل؛ بل لا يرى نفسه من يعلم حقيقة نفسه. 
* البحث عن الحقيقة عمل شاق، والرضا بالجهل أشق منه.
* من رضي بعقله؛ فقد رضي بجهله. 
* ليس بإنسان طبيعي من لا يتعلم من التجارب. 
* لن تأخذ أكثر مما تعطي.
* تغافل ولا تغفل.
* من أراد النبوغ وقوة الفهم وسعة الإدراك وتفتح آفاق النفس وخفة الروح؛ فليسافر. 
* من اعتمد على الله، فلا قل ولا ذل ومل، ومن اعتمد على سواه؛ قل وذل، ومل وضل.
* جميل أن تَسعد، والأجمل أن تُسعد.
* هناك صفحات لم تغلق؛ لذا يظهر الحزن، ويطفو الغضب، والحل بالمختصر: أغلق الصفحات قبل كل شيء. 
* لن تحصل على ما تريد؛ حتى تعلم ما تريد.
* الحياة المثالية في الجنة، فهم هذه الحقيقة والعمل عليها؛ بلسم للروح، وشفاء للنفس، وتنمية للعقل.
٥- قلت لنفسي: 
لن أنتظر حتى يكتب الآخرون عني، سأكتب سيرتي الذاتية؛ بل أبشركم لقد كتبتها.
لن أنتظر كل شيء من كل أحد، ولذا كنت مبادرا في مجالي المحبب إلى قلبي "نشر ثقافة القراءة والكتابة الإبداعية".
لن أنتظر أبدا، وما زلت أقدم، ولن أسلم الراية بعد موتي؛ لأنني لن أموت.
٦- عن تجربة:
لا تحكم على أخلاق أحد حتى تعاشره، ولا تحكم عليه من قدرته الخطابية، ولا من أول لقاء أو نظرة، الحكم مقرون بالمعاشرة، حتى لا تصاب بصدمات أو لكمات عاطفية.
لقد حصل معي شيء من هذا كثير، فرحمت نفسي، وأشفقت عليها، وغيرت طريقة تفكيري، فاسترحت، وأرحت.
٧- من أجمل ما قرأت: أحدهم بل هو أخي الغالي د. إبراهيم بن عبدالعزيز المبدل كتب كلمة تعبر عنه في الواتس وهي "أناة القط، ووثبة الأسد".
٨- من أكثر الأبيات التي أعجبتني:
سعيد من له قلب سليم * وتفكير وعقل مستقيمُ
ويشقى من له قلب مريض * وعقل من تخبطه سقيم
ألست ترى زهور الروض نشوى * إذا انهمر الندى وجرى النسيم 
وحين تداهم الأزهار ريحٌ * دبور لا يرى إلا الهشيم؟!.
وهي للعشماوي وفقه الرب العلي. 
٩- أحيانا البداءة من حيث بدء الآخرون؛ هو المسار الصواب في رحلة الإبداع.
١٠- من كلمات جدي حضيض رحمه الله سمعتها من إحدى خالاتي حفظها الله:
"من حبني، ما غوى فمي".
١١- من أكثر الأبيات التي أعجبتني:
من يحفظ المعروف لو ما يرده * حفظه لمعروف الرياجيل معروف
للشاعر محمد الجعيد.

بقلم/
عبدالرحمن بن مشعل بن حضيض العوفي الحربي. 
وادي الدوداء- حارة المكيسر- الجمعة- ١٤٤٨/٢/١٠.
Abdurrahmanalaufi@gmail.com

الثلاثاء، 21 يوليو 2026

قيد الخاطر- (رسالة إلى عمي)

قيد الخاطر- (رسالة إلى عمي)

أعاهدك عهد من لا يؤمن بغير الصدق والصراحة: لن أرسل لك حرفا، ولن أبث لك طرف علم، ولن أكون مثقلا عليك برسائلي التي لا ينبغي أن تأوي إلا إلى من يحفظ لسانه قبل أن يفلته على من أمامه مستهلكا منه عقله وفكره، آماله وطموحاته، نفسه ومشاعره وعواطفه ووجدانه، وراحته أخيرا، لا، بحول ربي وقوته لن يستهلك مخلوق مشاعر هذا العبد الفقير إلى ربه القدير، ولكن علمتني الأيام، وأدبتني السنون، ومخضتني التجارب - بكسر الراء لا بضمها من التجربة لا الجرب يا محب - أن الإنسان المفكر المبدع المنطلق لا بد وأن يساء فهمه، بل يساء الأدب معه، بل يحسد، وفي أحايين ليست بالقليلة يرمى وراء ضوء الشمس كما يقولون، أو ينفى، أو يقصى، أو حتى يعرض إلى القتل أو التهديد بالقتل، أو، إلى آخر تلك القائمة من المنغصات لكل مجد ومجيد، وكريم وأصيل، وإنسان لا يرضى بغير الإقدام لا الإحجام، إنسان يفرش جناحيه من الطموح والإرادة ليحلق في سماء غير سماء أولئك المحبطين المخذلين، أو على الأقل الذين لا يعلمون، إنسان يغرد في واد آخر كما يقولون، إنسان يسعى لإكمال إنسانيته المفطورة على النقص، ولكن، ولكن مرة أخرى يحاول أو يقارب بلوغ الكمال، وهل بشر كامل؟، ولكن الشريف لا يرضى بالنقص حتى يسعى للكمال أو ما يقارب الكمال، ما عليه سوى سلوك الطريق، وما عليه من الوصول، المهم أن يكون الطريق صحيحا سليما، أما كيف تصل ومتى تصل فليست إليك...
تلك جمل قصيرة نفثت بها بعد تعليق أحد أعمامي على كتابتي في مقالي الخامس بعنوان "حدثني جدي"، فقال: "خثرده لا تصلح للنشر. 
ولا تنشرها ما دام فيها شي يخص والدي رحمه الله".
أعجب - ونحن في دنيا العجب يا محب - كيف تنطلق هذه الألسنة بهذه الألفاظ؟ كيف؟ كيف؟
العجب من يرى العيب في نفسه، ولا يراه شيئا، ويرى العيب - إن صح كونه عيبا - في الآخرين ثم لا يرضى بغير اللفظ القاصف، والكلم القاذف، ولا يفكر أبدا في عواقب أو مآلات كلامه، وهذا عين الحمق وعين الجهل.
فإن قيل: الانفعالات النفسية أحيانا تسيطر على الإنسان؛ قيل: نتفق على هذا، ولذا نفثت بهذه الجمل التي إن بقيت في الصدر حطمته، وفي العقل شوشت تفكيره، وفي النفس أقلقتها، فلا بد إذن للمصدور أن ينفث. 
سامحني يا عم أن قلت ما قلت، ولكن ما دعاني لذلك شيء غير صدقي وصراحتي، ولو لم أقدرك، ما نفثت بها إليك، فخذها صافية نقية، برة علوية: لأنت عندي خير من كثير، ومن لا يعرف طعم الزنجبيل؛ كيف له أن يتذوق؟ ومن لا يشم ولا يذوق لا يتطعم، وقد عرف من اغترف، وما على محسن من سبيل، وأنا ما أسأت، وما كان لي ذلك، بل أجدت وأفدت، على النقيض من ذلك، فكان الحق لي عليكم أن تثنون وتباركون، وتشجعون، وإن كان ثمة قصور، فاللبيب الأريب والعاقل الحصيف يعلم جيدا كيف يقول؟ ومتى يقول؟ ولا يبدر منه الهين من القول أو الفعل - فضلا عن الجليل - من ساعته قبل أن يستعمل أداته الإنسانية الدالة على معنى الإنسان وخاصيته وهي "أداة التفكير".
تريث يا عم، ليس ما قال ابن أخيك بخثردة ولا ثرثرة ولا بربرة، وإنني لجدير بأن يقال لي: شكرا، لقد أجدت وأفدت وأبدعت، وإن كنت أخطأت، فقد بينت وأوضحت - وإن كنت أكثرت - منهجية إصلاح الخطأ، فتدبر عماه، تدبر، بورك فيك.
ومرة أخرى:
أعدك لن أرسل لك مقالا ولا خاطرة، لا شعرا ولا نثرا، فمن عادتي لا أحب الثقلاء، وأخشى أن أكون ثقيلا عليك.
شكرا عمي بحجم السماء، شكرا بحجم معاجم اللغة العجماء، شكرا، وإن كانت كلمة الشكر والامتنان لا تفي بمقامك، فالعم بمقام الوالد، وأنت على كل والد، ومساند، ومساعد.
أعلم أن في كلامي شيئا من المبالغة المقبولة، فتقبلها بصدر رحب، وأعلم أننا في بيئة لا تؤمن بغير الأوامر وكأننا في ثكنة عسكرية، فلنتجاوز كل هذا، ولنؤمن بفنون الأدب العربية، فما كتبت لا يخرج عن نطاق الأدب، وإن كان هو أبوك، فهو جدي، وما كتبته أخذته عن جدي شقيق جدي الذي هو أبوك. 
تصبح على خير أيها العم الذي هو في مقام سيدي والدي. 

بقلم/
عبدالرحمن بن مشعل بن حضيض العوفي الحربي. 
المدينة- الثلاثاء- ١٤٤٨/٢/٧.
Abdurrahmanalaufi@gmail.com

حدثني جدي- (٥)

حدثني جدي- (٥):

ومما حدثني به جدي، قال - متعه الله بالصحة والعافية والطاعة -:

آخر عهدنا بركوب الجمال عام ١٣٦٥ تقريبا. 
وكانت المفرحات يجلبونها من المدينة، وهي:
بصل وجزر وكراث، وتمر، وقرصان، توضع على ظهور الحمير.
وكان يباع رأس الشاة للقصابين في المدينة بسعر أعلاه خمس ريالات.
وقال بأنه سافر للرياض في عام ١٣٨٠، هو ومرزوق بن مطيع، ومعهم عبدالرزاق بن عناية الله، ورشيد بن رشيد.
وكان زواج جدي وزواج عبدالرزاق عام ١٣٨٣، وزواج جدي حضيض شقيق جدي نافع في عام ١٣٧٣، وكذلك منصور بن محمد، وزواج جدي حضيض من الثانية عام ١٣٨٣ تقريبا.
يقول: كنا نبيع على ظهور الحمير، ثم جاءت عربات مسطحة من جدة، ثم أتت سيارات "ددسن".

بقلم/
عبدالرحمن بن مشعل بن حضيض العوفي الحربي. 
الدوداء- حارة المكيسر- ١٤٤٨/٢/٧.
Abdurrahmanalaufi@gmail.com

الأحد، 19 يوليو 2026

معنى الإنسان في مقاومته

(معنى الإنسان في مقاومته)

تكلم فكُلِم، صمت، فلم يلتفت إليه، عبر بكل سبيل عن مشاعر نفسه المكبوتة المقهورة، ولم يسمع صوته، وحين يحتدم الضجيج، وتعلو الأصوات، وتنخفض العقول عند أشباه ربات الحجال من أشباه الرجال من الذكور أو أنصاف الذكور؛ يخلد كعادته إلى وسادته، يلملم ما تبقى من جراحاته في معركة الحياة العبثية، التي لم يجنِ منها سوى حطام نفسي متهالك، ولكنه ما زال يرمم، ويعقم، وإن كان الماضي شديد السطوة، محكم السيطرة على النفس والأنفاس، ولكنه برغم كل ذلك لا زال يقاوم...
إن معنى الإنسان يتجلى في مقاومته...
إنه ليس معاند كما يقولون أو يفهمون، ولكنه إنسان لا يؤمن بالسلبية، ولا يطيق السلبيين، بل هو إيجابي في نظرته وتصوراته، ولكنه محاط بمرضى نفسيين، نرجسيين، مغرورين، جامدين، متقوقعين، إلى آخر مفردات تلك المعاني...
إنه لا يريد إلا أن يكون نفسه، هو هو، بإيجابياته وسلبياته، لأنه ليس جمادا صامتا جامدا، أو حمارا أو ثورا يقاد كما يراد، بل إنسان، إنسان بكل معاني مفردة الإنسان، وإن تعامى عن تلك الحقائق من تعامى، ممن لا يؤمنون إلا بأنفسهم، ولذا، فهم متقوقعون، متحجرون، غير منفتحين على الآخرين، لا يؤمنون بهذه السنة الكونية "الخلاف"، ولا يفهمون من الشريعة إلا ظاهرها، أو بعض ظاهرها إن أحسنا بهم الظن، ولذا قعدت بهم هممهم، وليتهم وقفوا هنالك، لا، بل لم يقنعوا حتى رموا الآخر بأمراضهم وعللهم، جرعوه العلقم، وأذاقوه الويل، وإن صاح أو شكى، قالوا: لم كل هذا؟!
يقال لهذا الصنف من البشر: إن تحملكم أحد، فليس هذا يعني صواب منهجكم وصحة طريقتكم وسلامة أسلوبكم، ولكنها المروءات...
ويا نعم ذاك الرجل الذي كما قيل: "يفهمها وهي طائرة"، ولا يطول الطريق لفهمه لأن يصل الأسلوب البليغ إليه بعد القول والفعل لأن يصفع أو يلكم، فاللبيب بالإشارة يفهم، كما قيل أيضا...
والختام:
لا معنى للإنسان إلا أن يكون مؤمنا بالآخر، مؤمنا بالمتناقضات، مؤمنا بالأخطاء، وإلا فهو إنسان ناقص بكل المقاييس؛ لأن من آمن بالموجودات؛ آمن بالمتناقضات...ومن صحح فهمه؛ لم يضره أن يتنازل أو يتفاوض أو يستشعر، ولكن البلاء هو ما نعيشه "ذئاب في جلود أناسي"، ويمكن أن يقال: "كلاب"...

بقلم/
عبدالرحمن بن مشعل بن حضيض العوفي الحربي. 
المدينة- السبت- ١٤٤٨/٢/٥.
Abdurrahmanalaufi@gmail.com

الثلاثاء، 14 يوليو 2026

(اسلم وصعد في العلا بسلام)

(اسلم وصعد في العلا بسلام)

اسلم وصعد في العلا بسلامِ * يا خادم البيتين والإسلام
يا باطشا زمر الطغاة ببأسه * ومذيقهم كأس الردى بحسام 
تلك الأفاعي نكست برؤوسها * لما انثنى كالصقر والضرغام
وأقام ينشر في يمان جنوبنا * عدل السماء بمنهج العلام
ومدمر حصن الدعي وخبثه * "حوثي قم" بضربة ونظام
ومفكك خطط الخؤون لأرضه * ولدينه بالفكر والصمصام 
ولكم يغيث من البلاد بعطفه * وبجوده الميمون والإكرام 
والجمع يشهد ما نطقت مزيفا * إلا الحقيقة نهجنا بزمام 
فلتهنأنّ أبا الفوارس والندى * ولتسلمنّ من الأذى وسقام
وليحفظ الملك العلي بذاته * وطن العقيدة من شرور طغام 
ووليَ عهد بلادنا بولاية * عمت فواضلها بدون خصام
والله أسأل أن ينيل بفضله * أقصى البلاد بأمنه وسلام

شعر/
أبو عبدالملك عبدالرحمن بن مشعل العوفي الحربي. 
طبرجل- الاثنين- ١٤٤٥/١١/١٢.
Abdurrahmanalaufi@gmail.com 

بمناسبة:
تلقي خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز آل سعود - شفاه الله وعافاه - الفحوصات الطبية في قصر السلام بجدة قبل هذا التاريخ بيوم، وتبين وجود التهاب في الرئة.

الأربعاء، 1 يوليو 2026

سؤالاتي- (رواية "ساعة صدام")

سؤالاتي- (رواية "ساعة صدام")

سألت أخي الغالي حسين الدراج - من زملاء "نادي الكتابة الإبداعية شغفنا" -:
هل هذه تعتبر رواية، وهي التي كتبتها بعنوان "ساعة صدام"؟
أولا أسرد كتابتي، وبعدها أذيل بتعليق أخي حسين.
قلت أنا:
"في لحظة صفائية ووقت تجلي؛ رأيت - كعادتي - مقاطع فيديو في ذلك المدعو "سناب شات" لذلك الرئيس المدعو "صدام حسين" وهو يشتكي للقاضي: ساعتي التي أهدتنيها ابنتي؛ حرموني منها الأمريكان!
يشتكي للقاضي أمر ساعته التي على يده، ينظر لساعته التي انتزعت منه بألم، يشتكي لماذا هذه الأصفاد والسلاسل، إلى قائمة كثيرة من الشكوى والتذمر؛ التفت بصمت، خرجت من ذلك المدعو "سناب شات" هرعت لأكتب وأقيد هذه الكلمات...
أمرُّ الظلم - يا سادة - أن يسطو الإنسان على أخيه الإنسان ويعامله بأعلى ما يمكن من درجات القسوة والعنجهية والظلم والابتزاز، ثم يتألم أو يشتكي إن أحد نزع عنه ساعته التي على يده، أو أن يحاكم كذلك المدعو "صدام حسين" محاكمة علنية ويعطى الفرصة تلو الفرصة، ثلاث سنين تقريبا ليدافع عن نفسه، وهو لم يمنح أصلا لما كان على سدة الحكم أحدا ليدافع عن نفسه، بل كان المنهج العام المتبع هو التصفية والتعذيب، والطرد والتشريد، وما رأينا من تلك "المقابر الجماعية"، فلقد أعمل آلة القتل البعثية الحزبية الاشتراكية العنصرية الجاهلية في العرب والأكراد، في السنة والشيعة. ويمكن أن يقال "عادل في ظلمه"، ولكن لا يمكن أن يقال "طائفي"، والحق يقال، كما قيل.
العبرة في كون الجلاد يتألم لساعة نزعت من يده، ولا يتألم لضحاياه من المعذبين والمشردين بالآلاف، وفي كونه يرى صواب فعله مطلقا، وما يتمتع به من عنجهية وطغيان حتى ظهرت بوادره أو بعض بوادر نفسه الشريرة في بعض قضايا أو جلسات محكمته، وذلك لنوع من الحرية الممنوحة له، وهو كان بالأمس لا يتنفس أحد في حضرته، قمع وقهر، وظلم شنيع فظيع...
القصة تطول، والدروس والعبر تطول، ولكن الحمقى والمغفلين هم الذين يتبعون كل ناعق، ويسيرون خلف كل شخصية لها بريقها أو شهرتها أو حتى سطوتها، متقوقعون خلف كل بطل موهوم، أو خيال منسوج من حكاية يطول وصفها، ويصعب فهمها على كثير من الطغام...والكثيرون أعداء الحق والحقيقة ولو استبان لهم الأمر جليا، طبيعة البشر...
هذا الكائن الغريب "صدام" - أو "هدام" كما يقول الشاعر الكبير "سعد بن جدلان" رحمه الله - أتى من طبيعة وبيئة مريضة، متمردة، جاهلة، وهذا كفيل لمن تدبر في صنع الطغيان، فهو نتيجة "عقد الطفولة" و "أمراض النفس" و "عوارض النقص"، فلنقصه كان لا يسمع، وإن سمع الحق؛ لا يخضع، ويضرب وفي ضربه أشد الوجع...
هو لم يحاسب نفسه على إطلاق النار على الزعيم الرئيس العراقي الراحل "عبدالكريم قاسم"، ولا على قتل ابن الرئيس "أحمد حسن البكر"، ولا على عزل الرئيس "أحمد حسن البكر"، ولا على دخول الحرب مع إيران، ولا على ضرب واحتلال الجارة الحرة العربية "الكويت"، ولا على قصف "الرياض"، ولا على مجازره بحق الشيعة والأكراد والعرب والسنة، ولا على كونه من أهم أسباب غزو أميركا واحتلالها العراق في عام ٢٠٠٣، ١٤٢٤ تقريبا، ولكنه يشتكي للقاضي: هذه الساعة لماذا تنتزعها مني أميركا؟ بأي حق أم بأي عدالة أم بأي جرم؟
لم يسأل نفسه عن نفسه: لم؟ ولم؟ ولم؟
إنه في داخله يرى حقيقة نفسه "جلاد بامتياز"، ويأبى أن يكون "ضحية"، لكنه كان، ولله الحمد، ورأى بعض عقاب الديان له، قصفت قصوره، وشردت عائلته وأهله، وقتل أبناؤه، وقبض عليه في "سرداب" متخفيا مذلولا، وسجن، وعذب، وشنق أمام العالم في عيد الأضحى المبارك...
هذا هو الواقع، تراكمات، ومغالطات، ثم لا يريد أن يتحمل شيئا من مسؤولياته، ليلقي باللائمة على من نزع من يده ساعته: لم نزعت ساعتي؟ بأي حق؟ أهذه الديمقراطية؟
لم يسأل نفسه: ما حكمة الله في تدبيره؟ لم جاءت أميركا بما يفوق مئتين وخمسين ألف جندي لاحتلال العراق من وراء المحيطات؟!
لسنا نتحدث هنا عن مقامه في جنة أو في نار، هنا نحكي الواقع، نربط بين الأحداث، نحلل المشهد، لتكتمل الصورة الممزقة ل "شهيد الأضحى" كما يقال، وهو الذي ضحى بالمسلمين، بشعبه، بالأكراد، بالعرب سنة وشيعة، ويرفع عقيرته: أنا نجحت في الانتخابات بنسبة ١٠٠%!
والكثير كان يصفق له، لأن الكثير في ميزان الشرع قليل غثاء هباء، لا يسمن ولا يغني من الجوع، وفي الأثر عن ابن مسعود رضي الله عنه: "أنت الجماعة ولو كنت وحدك"...
وأنا الحمدلله والفضل لله والشكر كله لله مسلم سني سلفي أثري، لا "صدامي"، لا "بعثي"، لا "اشتراكي"، لا "حزبي"، لا "عنصري"...
والحق في نفسه قوة، وله هيبة، وعنده الملاذ، وفيه الجمال والكمال، وخلاف الحق يسقط ولا بد، والحق ما وافق الكتاب والسنة بفهم سلف الأمة الصالح رضوان الله عليهم أجمعين، لا ما حيك من مؤامرات الألمان، أو لعب الأمريكان، أو دسائس فرنسا، أو خبث إيطاليا...".
قال الأخ حسين معقبا؛ بل مجيبا على سؤالي:
"هذا النص ليس رواية بالمعنى الفني للرواية، فالرواية تعيش بالشخصيات والأحداث والحبكة والتحولات، أما هذا النص فيعيش بالفكرة والموقف والرؤية.

هو أقرب إلى مقالة فكرية تبدأ من مشهد صغير؛ ساعة نُزعت من يد صاحبها، ثم تتسع لتطرح سؤالًا أكبر عن الإنسان حين يتألم لما يفقده هو، ويغفل عما فقده الآخرون بسببه.
النص لا يحكي قصة بقدر ما يحاكم فكرة، ولا يبني عالمًا روائيًا بقدر ما يبني موقفًا أخلاقيًا وسياسيًا من التاريخ والسلطة والطغيان والمسؤولية.
وربما تكمن قوته الحقيقية في هذه المفارقة الإنسانية العجيبة: أن الإنسان قد يرى الظلم الواقع عليه بوضوح شديد، بينما يعجز عن رؤية الظلم الذي صنعه بيديه.
أما الرواية فكانت ستجعل القارئ يرى ذلك بنفسه من خلال المشاهد والشخصيات والحوار، دون أن تخبره بما يجب أن يراه أو يعتقده.
ومع ذلك، فإن في النص بذرة روائية واضحة؛ فمشهد الرجل الذي فقد دولة كاملة ثم توقف عند ساعة في معصمه، مشهد يمتلك من الرمزية ما يكفي لبناء قصة كاملة حول السلطة والذاكرة والسقوط وثمن القرارات الكبرى".

بقلم/
عبدالرحمن بن مشعل بن حضيض العوفي. 
القريات- الأربعاء- ١٤٤٨/١/١٦.
Abdurrahmanalaufi@gmail.com

الثلاثاء، 30 يونيو 2026

رواية (إنسان خاص)

رواية (إنسان خاص)

حيث قدر الله وكتب، انتقل طفل القرية من "حارة المكيسر" - القاطنة على ضفاف "وادي الدوداء" جنوب غرب المدينة وفي أحضان الجبال الدافئة - من تلك الحارة الوادعة إلى المدينة ليكمل الدراسة في الجامعة، انتقل من "الجامعة الإسلامية" إلى "جامعة طيبة" التي يفصل بينهما شارعان، ثم تخرج سريعا من الجامعة، ثم دخل "الدبلوم التربوي"، ثم عين معلما في "طبرجل" إحدى محافظات "منطقة الجوف" شمال المملكة العربية السعودية في نهاية عام ١٤٣٩.
ثم في عام ١٤٤١ كان زواج الحبيب، وفي عام ١٤٤٢ كان مولود الحبيب الأول "فرات"، أنبتها الله نباتا حسنا وجميع بنات المسلمين، ثم حصل الطلاق في رمضان المبارك من عام ١٤٤٥.
ثم فتح الله عليه - وهو الفتاح العليم -، فاختط لنفسه مشروع حياته، وهو العلم والتعليم، ونشر ثقافة القراءة والكتابة الإبداعية، فأنشأ "صالون رواد المعرفة الثقافي" بطبرجل التابع إلى "جمعية الأدب والأدباء" بالمدينة، وألف كتاب "شذرات من كتب ابن قيم الجوزية"، من إصدارات "مكتبة دار الحجاز" بالرياض، وبيع في "مكتبة جرير" وغيرها، ونفد من المكتبات خلال سنة تقريبا، ولله الحمد. 
وبعدها صدر كتاب "كنوز من مكتبتي" عن ذات الدار، وبيع في "جرير" وغيرها.
وبعدها كتاب "شذرات ذهبية من كتب الأعلام"، عن "مكتبة خزامى" بعرعر.
ووفقه الله في أعمال أخرى تهيئ حياته لغد أجمل، وتخدم - وهو الأهم - مشروع عمره الذي نذر نفسه له "العلم والتعليم، ونشر ثقافة القراءة والكتابة الإبداعية".
وخلال تلك السنوات ما زال يحاول أن يقاوم، وأن يتعافى، وأن يتناسى بعض ما كان من سوء في الماضي، وذلك بالتزكية الشرعية والعلمية، والتنمية العقلية والفكرية والثقافية، وبتجويد العلاقات، وتمتين الروابط المستحبة، وركل الغثاء إلى الفناء، ومحاولة الرقي بالأفراد والمجتمعات عبر المشروع المرسوم والمخطط له.
كان كما تمنى "شاعرا مهتما بقضايا أمته الإسلامية والعربية"، ولا يحتاج إلى شيء أعظم من الثبات على الطاعة والهدى والحق والعلم والنور، وهو سؤاله الدائم في سجداته. 
هو طموح، وطيب، وشاعر، ومؤلف، وكاتب، وكريم، لا يدعي ذلك أبدا - معاذ الله -، ولكن من التصق به عن قرب؛ شهد له بذلك.
هو ليس بمعصوم، وليس جلادا، هو ضحية في زمان ما، أو مكان ما، وما زال في طور التعافي والتجديد.
هو لا يرجو شيئا غير أن يرى فعلا بعين بصيرته الوجود جميلا، فعلا لا مجرد قول أو ثرثرة...
هو محاط بكثير من المحبطين والمثرثرين والمهرجين والمتنمرين، الحاسدين والحاقدين والناقمين، التافهين والمتكبرين والمتعالين، ولكنه أيضا محاط بأهل النبل وأرباب الفضل، فكيف يقسو؟!
إنه يعلم حقيقة تصارع الخير والشر، وهو يعيش في الواقع لا في الخيالات والأوهام، ولكنه لن يفلح إن أراد معالجة المرض دون جس موضع المرض، فلذا كان دقيق الملاحظة لأمراض الأفراد والمجتمعات المعاصرة، ويرقب بعينيه تلك الثغرات، ليسدها.
يعلم أن "الشق أكبر من الرقعة" - كما قيل في المثل المشهور -، ولكنه يجاهد بفكره وقلمه، بشعره ونثره، بماله وجاهه، وإن تنكر له أقرب المقربين، وباعوه بلا ثمن، بل أهانوه ولو بالنظرات!.
إنه جَلد مصابر، مرابط معاند، لا يستسلم لليأس، ولا يخرجه النصر عن طوره.
إنه طيب وليس بضعيف. 
إنه يعلم، ولكن يتجاهل.
إنه لم يدخر شيئا لمشروعه إلا وبذله، وإن كان في نقص طعامه وشرابه ولباسه.
إنه متفرد - ليس بالنسبة إلى التافهين والجاهلين؛ بل إلى العظماء والمفكرين -، ليس أنه فوقهم أو تحتهم؛ بل لاختلاف الطبائع والأذواق والأفكار والمشارب والأخلاق والتصورات والمفاهيم والحقائق وما شئت من شيء يلتصق بالإنسان في جوهره أو في قشوره...
إنه متفرد في صوابه وخطئه، في سمعه وبصره، في حركته وسكونه، إنه إنسان له كينونته الخاصة، وذوقه الخاص، وفكره الخاص، وعلمه الخاص، وشعره الخاص، ونثره الخاص، ونفسيته الخاصة، إنه إنسان خاص!.
كيف له أن يكتب أو ينظم ويكون مجيدا أو قريبا من الإجادة والإفادة البديعة دون أن يشعر بالعظمة والفخر والزهو والمجد والشهرة والإنسانية في أسمى مراتبها؟!.
كيف له أن يشعر إن لم يتشاعر؟
كيف له أن يتفرد إن لم يقلد؟!
ومن التقليد يكون التفرد!.
كيف له أن يشعر بقيمته إن لم يسوق لفكرته، لعلمه، لثقافته، لأدبه، لشعره، لنثره؟!.
إنه لا يشحذ، لا يتكفف، لا يطلب ما ليس له، فلماذا البعض - أو لعله الكثير - لا يقابلونه إلا بما يصدق على الشحاذ أو المنتحل أو السارق؟!
تصدق؟ لقد حظره بعضهم لما سأله برسالة على ذلك المدعو "واتساب"!.
مواقف كثيرة تدل على مدى صغر تلك العقول، وضعف هداية تلك القلوب، ولكنه أصر، واستمر، ركز، وأصاب بعض أهدافه، واستمر، وأصر، وما زال يسير بخطى واثقة في تحقيق آماله وطموحاته...
وهو لا يزال يشكر لأهل الوفاء صنيعهم، ولكنه يحزنه للغاية البعيدة أولئك من ظن فيهم الظن الحسن، فخيبوا الظن، إنها "فتنة الخذلان" يا سادة، لعلني أصبت بها مؤخرا، حيث توالت علي أحداث، لعلها كانت نتيجة تراكمات، نعم "صدمات الطفولة"، و "المراهقة"، وما حصل من طلاق وفراق، وبعدها أحداث صغيرة نعم، لكنها مؤثرة بلا ريب، الغبي من ينطلي عليه تغافلي، أو بالأحرى من لا يحس بي، أو لا يشعر، أو بالأصح لا يريد أن يحس بي أو يشعر، كأننا بالضبط في "نادي الضباط" أو في "ميدان القتال": نفذ، فحسب، أوامر، افعل ولا تفعل، ولا تجادل، وهنا "مغالطة الحوار"، قلب الحوار إلى جدال، وهذا "عين النرجسية"، وفي ديننا "عين الكبر".
إنه يعلم ما يجره عليه "الوعي الزائد"، ولكنه يأخذ راحة بين الفينة والأخرى، فلا يقرأ ولا يكتب كالعادة، بل يخفف من ذلك كثيرا، خاصة في تلك الإجازة الصيفية التي تأتي وتطل علينا بعد نهاية العام الدراسي، وهي شهران، تسمن وتغني من استغلها واستثمرها، ولا تسمن ولا تغني لمن ضيعها وفرط، كما هي عادته المستحبة. 
إنه لُدغ كثيرا، أهين، تهكم عليه، وواجه من قلة الأدب وقلة الذوق وقلة المروءة، ما الله به عليم، وما زال يقاوم...
إنه يعلم حقيقة هذه الدار، وأنها دار فتنة وابتلاء، ولذا قال: "ما أجمل الصبر، لا، بل ما أجمل العافية".
إنه مدين لكل من علمه وأرشده وأدبه، وهو يقول "شكرا" لكل من رعاه ورباه، ولو لم يرد بحرف على كلمة الشكر.
إنه يعلم أن الإنسانية أخذ وعطاء، ولن تأخذ حتى تقدم، وستواجه من المعضلات ما يعجز تصوره، ولكن ماذا نصنع بأقدار كتبت علينا إلا الرضا والتسليم، ولذا فهو مسلم لله رب العالمين. 
يسأل، يكتب، يتصل، يؤدي الواجب، ثم ما عليه إن جوبه بصد أو نكران، إنه فحسب يخاف أن يعتاد الإذلال والإهانة كما اعتادها في صغره، وما زالت مؤثرة في تكوين شخصيته، ولكنه - والحمدلله - ما زال يقاوم...
إنه في النهاية "إنسان خاص".
للبقية تكملة بحول الله وقوته. 
إلى اللقاء يا أصدقاء.

بقلم/
عبدالرحمن بن مشعل بن حضيض العوفي. 
طبرجل- الثلاثاء- ١٤٤٨/١/١٥.
Abdurrahmanalaufi@gmail.com

الاثنين، 29 يونيو 2026

تعقيب أ/ حسين الدراج على رواية (إنسان خاص)

تعقيب أ/ حسين الدراج على رواية (إنسان خاص)

أرسل لي الأستاذ القدير/ حسين الدراج وفقه الرب العلي - من أصدقاء نادي الكتابة الإبداعية شغفنا - معقبا على روايتي "إنسان خاص" هذا النقد الجميل:
"السلام عليكم ورحمة الله وبركاته،
ليست قيمة النص في أنه حكى سيرة رجل، بل في أنه كشف أثر السيرة في الإنسان.
هناك فرق بين أن تقول: ماذا حدث لي؟
وبين أن تسأل: ماذا فعلت بي الأشياء التي حدثت؟
وهذا النص ينتمي إلى السؤال الثاني.
فهو ليس استعراضًا للنجاح، ولا شكوى خالصة من الخذلان، بل محاولة رجلٍ أن يفهم نفسه بعد طريق طويل من التحوّل، والانكسار، والمقاومة.
أكثر ما شدّني فيه أن الكاتب لا يبحث عن شفقة، بل عن إنصاف.
لا يريد أن يُرى كاملًا، ولا معصومًا، ولا فوق الناس، بل أن يُرى على حقيقته:
إنسانًا خاصًا.
والإنسان الخاص لا يعني أنه أفضل من غيره، بل أنه حمل تجربته بطريقة لا تشبه غيره.
رأى كثيرًا، وتألم كثيرًا، وفكّر أكثر مما ينبغي، لكنه لم يسمح للخذلان أن يطفئ مشروعه.
بقي وفيًا للعلم، وللكتابة، ولرسالة التعليم، وكأن المعرفة عنده ليست مهنة، بل طريقة للنجاة.
لكن الإنسان، مهما كان صاحب رسالة، لا يكتمل بمشروع واحد فقط.
فالعلم لا يغني عن الأسرة، والكتابة لا تعوض الصحة، والطموح لا يبرر إهمال المال، والوعي لا يكتمل إن انفصل عن المجتمع.
الحياة ليست بابًا واحدًا نفتحه ونترك بقية الأبواب مغلقة.
بل هي توازن بين الروح والعقل، وبين الأسرة والعمل، وبين الصحة والمال، وبين المشروع الشخصي والواجب الاجتماعي.
ومن أراد أن يخدم الناس بالكلمة، فعليه أولًا أن يحرس إنسانه من الداخل؛ لأن الرسالة الحقيقية لا تطلب من الإنسان أن يحترق، بل أن يضيء دون أن ينطفئ.
وفي النص وجع واضح، لكن الأجمل أن هذا الوجع لم يتحول إلى قسوة.
ظل فيه امتنان.
وظل فيه إيمان.
وظل فيه أمل بأن الكلمة قادرة على ترميم شيء مما كسرته الحياة.
وربما لهذا بدا النص في جوهره كأنه يقول:
قد لا يفهمني الجميع، وقد لا ينصفني القريب، وقد لا يلتفت العالم إلى ما أحمله في داخلي…
لكنني ما زلت أقاوم أن أصبح نسخة مشوهة مما آذاني.
وهذه، في تقديري، أجمل بطولة يمكن أن يصل إليها الإنسان".

بقلم/
عبدالرحمن بن مشعل بن حضيض العوفي.
طبرجل- الثلاثاء- ١٤٤٨/١/١٥.
Abdurrahmanalaufi@gmail.com

قيد الخاطر- (أمراض متأصلة)

قيد الخاطر- (أمراض متأصلة)

تمزح أقل من مزح الطرف الآخر، فلا يرضى، وهذا من الكبر والعجب والغرور والجهل والحمق، وهو مرض قل من يسلم منه، وهو من التطفيف في المعاملات. 
يذكر غيرك قصة أو موقفا في مجلس يجمعكم كالعادة، فلا أحد يثرب عليه أو ينتقد ما قال، تقول أنت القصة في يوم آخر، فيفز أحدهم لينتقد ما قلته، ويعطيك من كيت وكيت!.
القصة باختصار: 
هو مرض متأصل في بعض النفوس أو في كثير من النفوس، مرض البغض والحسد والكراهية، أو على الأقل عدم الارتياح أو الراحة لهذا الإنسان لأي سبب كان، فالمواقف والكلمات لها أصول وجذور، ولها ظواهر وقشور، ولكن السلامة أن تعرف نفسك قبل كل شيء، ثم تسعى جهدك لمحاولة فهم نفوس الآخرين.
يصرح لك أحدهم بقوله:
 أنا آكل من التراب، ولا أمد يدي، ثم يبتليه الله فتتوقف خدماته، ويطلب منك سلفة أو قرضا حسنا!، والواجب عليه أن يسأل الله العافية، فابتلاء الله لا يسأل ولا يطلب تصريحا ولا تعريضا أو تلميحا، وفي قصة يوسف عليه السلام: (رب السجن أحب إلي مما يدعونني إليه...)، فسجن، قال بعض العلماء: ولو سأل الله العافية، لعافاه. 
تذكر قصة إنسان ابتلاه الله فقتل بنتيه، وأراد قتل زوجته، فيأتي هذا الإنسان ليعقب: هذا من قلة الوازع الديني، قلت له: من الصحابة من زنى وسرق وقتل، رضي الله عنهم أجمعين فهم غير معصومين، الإنسان مهما كان يضعف، يصيب ويخطئ، وهذا الإنسان المجادل الذي توقفت خدماته ويطلب مني قرضا حسنا قد تغيرت نفسه، وأصبح يسيء في بعض معاملاته أو تصرفاته، وفي الأخير النفوس في قدراتها وتحملها ليست على نسق واحد، فاحمد الله، وسله العافية.

بقلم/
عبدالرحمن بن مشعل بن حضيض العوفي. 
طبرجل- الثلاثاء- ١٤٤٨/١/١٥.
Abdurrahmanalaufi@gmail.com

السبت، 27 يونيو 2026

شذرات

(شذرات)

١- قيل: ثمانية إن أهينوا فلا يلوموا إلا أنفسهم:
* الجالسُ على مائدة لم يُدْع َإليها.
* والمتأمَّرُ على رَبَّ البيْت.
* وطالب الخير من أعدائه.
* وطالب الفضل من اللئام.
* والداخل بين أثْنين من غير أن يُدخلاهُ.
* والُمسْتَخَفُّ بالسُّلطان.
* والجالسُ مجلساً ليس بأهل.
* والمقبلُ بحديثه على من لا يسمع منه.
(درر الحكم، منصور الثعالبي، دار الصحابة، ط١، ٢٠).
٢- ذكر الله أكبر عون على الشدائد، لما أرسل الله موسى وهارون عليهما السلام إلى فرعون؛ أمرهما بالإكثار من ذكره تعالى، قال تعالى: (اذهب أنت وأخوك بآياتي ولا تنيا في ذكري* اذهبا إلى فرعون إنه طغى).
٣- حكمة اليوم:
* لا مفروح به أعظم من انسكاب غيث الإيمان في بيداء القلب المقفرة. 
* من أشد ما يغيظني: مناقشة أحمق، أو جاهل، أو متعالم.
* نجاة المؤمنين متحتمة - لمجموعهم لا لأفرادهم - في الدنيا والآخرة، ولا ينمحي الإيمان حتى تقوم الساعة. 
* أن تعيش لقضية وتموت عليها؛ هو نصر بحد ذاته، نحن الآن في المرحلة الثانية الوجودية، اطمئن، يفوز دائما، من يضحك أخيرا. 
* الصمت مفتاح المعرفة لنفسك.
٤- من أكثر الأبيات التي أعجبتني:
من عف خف على الصديق لقاؤه * وأخو الحوائج وجهه مملولُ
٥- قال الأستاذ عبدالله القحطاني وفقه الرب العلي على منصة ×:
إذا كان الجميع يتحدثون عن الطيبة والوفاء، فمن أين ينبع هذا الكم الهائل من القسوة والجفاء الذي يثقل قلوب الناس؟
قلت:
التمظهر والتصنع أحد أهم أسباب انحطاط الأفراد والمجتمعات، ومن نظر في الطرح العلمي الديني؛ يجد ضعفا ملحوظا في جانب البناء الروحي النفسي الوجداني، وهذا من الخلل وضعف التوازن، فالتوازن مطلوب، والوسطية سمة الدين، وتغليب الخطاب العلمي الجاف على الخطاب الروحي؛ مصيبة.

بقلم/
عبدالرحمن بن مشعل بن حضيض العوفي. 
طبرجل- السبت- ١٤٤٨/١/١٢.
Abdurrahmanalaufi@gmail.com

السبت، 20 يونيو 2026

الكبت

(الكبت)

في "لسان العرب، لابن منظور، ٧٦/٢، دار صادر، ط٣" قال رحمه الله: "والكَبْتُ: كَسْرُ الرجُلِ وإِخزاؤُه".
وكما نعلم جميعا أن من سنن الله الكونية: دوام الحال، من المحال، وأن الأمم يطرأ عليها التغيير، وأن المجتمعات يداخلها بين الفينة والأخرى ما يكون سببا في هلاكها أو إحيائها من مواتها، أو يسعى بها للتقدم والحال الأحسن، كذلك الحال في الأفراد، فالتغيير إذن سنة كونية، إما للأحسن، أو للأردى، ولكن لا بد أن تعلم أن ليس ثمة شر محض بالنسبة لأفعال الله وتقديراته، أما بالنسبة لمفعولاته، فهناك خير وشر، والشر لا يضاف إلى الله من باب الأدب، وفي الحديث: "والخير في يديك، والشر ليس إليك".
وقد تكلم ابن القيم رحمه الله عن الحكم والعلل والأسباب في تقدير الشرور والآفات كلاما مؤصلا مدللا، فليراجع في موضعه.
ما مضى تأسيس وتقعيد لما سأبثه لك أيها المبارك.
إذا علم ذلك، فإن المؤمن اللبيب، والعاقل الحبيب الأديب الأريب لا يستريب أبدا إذا رأى ما لا يعجبه، من نفسه أو غيره، من خاصته أو الأبعدين، فلا يقطب الجبين، ولا يولول أو يتحسر كالثكلى أو كالحمقى، بل يعرف أولا لماذا وقع هذا الذي لا يعجبه، ويرجع كل شيء أولا إلى قضاء الله وقدره تعالى، ثم ينظر في طبيعة الدنيا وطبيعة البشر، وما جبلوا عليه من السهو والخطأ والغفلة والنسيان، وأن ليس معصوما سوى الأنبياء عليهم السلام، فيتقين هذا أولا، ثم يبني بعد ذلك تصرفاته أو ردود أفعاله على ما قعده وأصله وأسسه، وما قعد وأصل وأسس على كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم وكلام الصحابة والتابعين رضي الله عنهم أجمعين ومن سار على منوالهم، واختط سلوكهم، لا ريب أنه بنى على أساس متين، يصحح على ضوء ذلك تصوراته وأفكاره وطبيعة ردات أفعاله، وإن أضاف لذلك ما يكتنزه من حكم الشرق والغرب - شرط ألا تصادم الشرع -؛ فذلك خير على خير، ولا يحجر في هذا إلا معتوه، أو قليل الديانة، أو جاهل، أو من جمع تلك الخصال جميعها، فالحكمة ضالة المؤمن.
أقول أيها الموفق:
إذا علم ما مضى، فلماذا بعض الآباء وبعض الأمهات يسطون على أولادهم - كبتا وتحقيرا واستهزاء واستنقاصا وتعييرا -، ثم مع ذلك يطالبونهم بأعلى الدرجات، وتحقيق أعلى المستويات، ويعقدون المقارنات، فيكبتون مشاعر الأولاد، ويقزمون عقولهم، ويصغرون من شأنهم، ممزوج ذلك بمطالبتهم بنقيض ما يصنعون لهم!
أي عقل هذا وأي فكر، بل أي دين؟!
تطلب منهم ما لم توفره أنت لهم، بل على العكس من ذلك، تشحنهم بالأخطاء والعيوب، ثم تطلب منهم الإنتاج والمسؤولية والإبداع!
إنك لن تحصد غير ما زرعت، فازرع خيرا، تلقه، وازرع شرا، تلقه، هذا الأصل، ولا حكم للمستثنى والشاذ.
وهنا تنبيه آخر:
التدرج في التربية مهم، وفهم طبيعة المراحل العمرية مهم، واندماج الوالد في دورات تدريبية أسرية مهم، لأن الأساس يبنى على تأسيس الوالدين، فتأسيس الوالدين يثمر حلوا أو مرا حسب ما يزرعانه في نفوس ومشاعر الأولاد، فإما ينبت الزرع قويا صلبا متماسكا، أو ينبت هشا ضعيفا يابسا متفتتا، وكما قيل في المثل العربي: "يداك أوكتا، وفوك نفخ"، وفي المثل الشعبي: "خبز خبزيته، يا الرفله كليه".
وأخيرا:
الأسرة الآمنة من تحفظ كرامة أفرادها. 
والسلام. 

بقلم/
عبدالرحمن بن مشعل بن حضيض العوفي. 
طبرجل- السبت- ١٤٤٨/١/٥.
Abdurrahmanalaufi@gmail.com

الخميس، 18 يونيو 2026

شذرات

(شذرات)

١- من أكثر الأبيات التي أعجبتني:
قول عبدالخالق الزهراني وفقه الرب العلي:
وما بين القدوم إلى الرحيلِ * سيمضي العمر بالأمل الطويل 
وإن الناس غرقى بالأماني * ولا ينجو سوى النفر القليل
هي الدنيا تحذرنا بصمت * وتشعل نارها طرف الفتيل 
تقول لأهلها لا تأمنوني * فكم لي كل يوم من قتيل
وقول الشاعر سامي بن أحمد القاسم وفقه الله:
أمل ترعرع في الوجود يتيما * ومضى كما شاء الإله عظيما 
أوحى له الرحمن أنك مرسل * والكون بالشرك الوخيم سقيما 
فغدت به الدنيا توحد ربها * ورسولنا بالمؤمنين رحيما 
حتى أتى أمر الإله لنا بها * "صلوا عليه وسلموا تسليما"
وقول الآخر:
كم من عليل قد تخطاه الردى * فنجا ومات طبيبه والعُوّدُ
٢- من الأمثال التي سمعتها في قبيلة الشرارات في طبرجل:
خير ما في الدنيا حاضرها.
وأيضا:
يبراها ما يطاها. 
٣- حكم اليوم:
* معاداة الرجال؛ سم قتال.
* لا مفروح به أعظم من انسكاب غيث الإيمان في بيداء القلب المقفرة.

بقلم/
عبدالرحمن بن مشعل بن حضيض العوفي. 
طبرجل- الخميس- ١٤٤٨/١/٣.
Abdurrahmanalaufi@gmail.com

الثلاثاء، 16 يونيو 2026

شذرات

(شذرات)

١- من أكثر الأبيات التي أعجبتني:
قول عبدالخالق الزهراني وفقه الرب العلي:
الدين ليس ركيعات يقام بها * والقلب أسود من غل ومن حسدِ
الله ليس بمحتاج عبادتنا * لكنها تأخذ الإنسان للرشد 
خلاصة الدين في أمر سأوجزه * طهارة القلب قبل الثوب والجسد 
وقول لسان الدين بن الخطيب:
فإن غبت غاب الأنس عني بأسره * ومالي من عيش إذا لم تكن معي
وقوله:
وما عرفت نفسي ألذ من اللقا * وأندى على الأكباد من ساعة القربِ
وقول الآخر:
وإذا أحب الله يوما عبده * ألقى عليه محبة في الناسِ
وفي المدائح النبوية:
قول المعري في كتابه "لزوم ما لا يلزم":
دعاكم إلى خير الأمور محمد * وليس العوالي في القنا كالسوافلِ
حداكم إلى تعظيم من خلق الضحى * وشهب الدجى من طالعات وآفل
وألزمكم ما ليس يعجز حمله * أخا الضعف من فرض له ونوافل 
وحث على تطهير جسم وملبس * وعاقب في قذف النساء الغوافل 
وحرم خمرا خلتُ ألباب شربها * من الطيش ألباب النعام الجوافل
يجرون ذيل الملك جر أوانس * لدى البدو أذيال الغواني الروافل 
فصلى عليه الله ما ذر شارق * وما فت مسكا ذكره في المحافل
ومن النبطي:
العــز يـبـقـى والصـداقـة تـوافـيـق * ‏ياحـظ مـن خـاوى الوجـيه الكـريمة
‏لو طاحت أسواق الذهب والصناديق * ‏ما طـاح سوق أهل الوفـاء والعزيمة
٢- حكمة اليوم:
* أفكارك واجهة لغتك، وبيئتك، وقيمك. 
* استشعار النعم في أدق التفاصيل، نعمة أخرى تستوجب الشكر.

بقلم/
عبدالرحمن بن مشعل بن حضيض العوفي الحربي. 
طبرجل- الثلاثاء- ١٤٤٨/١/١.
Abdurrahmanalaufi@gmail.com

شذرات

(شذرات)

١- كمال الرجل في عقله، وكمال المرأة في عاطفتها.
٢- من أكثر الأبيات التي أعجبتني:
قول عبدالخالق الزهرلني وفقه الرب العلي:
شكوت للناس هما زادني كمدا * فلم أجد واحدا منهم يمد يدا
فقلت حسبي إله الكون يعلم بي * تبارك الله ربا منعما صمدا 
أغاثني منه غيثا لم أكن أبدا * أهلا له صب لي من جوده مددا 
فكيف أشكر ما أولاه من نعم * ولا أرى منعما من دونه أحدا؟!.
٣- التوازن في النظر للأمور هو الحل الأنجع في كل قضية.
هونا على أصحاب القضايا، ثمة أسباب لا علاقة لهم بها، ومنها: التربية في الصغر، فلا تلق باللائمة على إنسان انحرف قليلا أو كثيرا قبل أن تعرف الأسباب، وتطلع على الظروف، ففي الزوايا خبايا كما قيل.
٤- حكمة اليوم:
* ليس المهم كيف يروني، المهم كيف أرى نفسي!.
* القدر فوق القدرة.
* الفاشل من لا يحسن سوى الانتقاد!.
* بعض الناس لا يفلح إلا في الجدال، وذاك محض الشقاء.
* النظرة الواسعة للأمور؛ ميزان عادل في الحكم على الأشياء. 
* معيار النجاح يختلف من شخص لآخر، وكل ناجح يبذل السبب، والنتيجة ليست إليه.
٥- قال الأستاذ فهد بن عسكر الباشا وفقه الله - ذو المؤلفات الرصينة - على منصة ×:
"مهتم بمؤلفات الباحث القدير قاسم الرويس، وأعجبني جدا ما كتبه في (سيرة كتب)، فإن فيه دلالة على الجلد المعرفي، والقراءة الناقدة".
٦- نصف الرجولة هيبة، ونصف الحكمة الصمت.
٧- لا بارك الله في المال الذي يضع الشريف، ويرفع الوضيع.
٨- سأل د. عبدالله القحطاني وفقه الرب العلي - مدير نادي ملتقى المبدعين الثقافي - على منصة × هذا السؤال: هل الأخلاق ثابتة، أم أنها تتشكل حسب القوة والظروف؟
قلت:
هي ثابتة من وجه، متشكلة حسب الظروف من وجه آخر.
والكريم لا يتغير أو يتلون إذا اغتنى أو تسنم منصبا أو جاها عريضا، واللئيم أدنى تقدم للأمام يطغيه، ويصيره ناقما على من دونه، وهذا في أكثر بني البشر إلا من عصم ربي، وهم أندر من النادر، ولا يقاس عليهم.

بقلم/
عبدالرحمن بن مشعل بن حضيض العوفي. 
طبرجل- الأحد- ١٤٤٧/١٢/٢٨.
Abdurrahmanalaufi@gmail.com

الأحد، 14 يونيو 2026

شذرات من بطون الكتب- (حرب البسوس)

شذرات من بطون الكتب- (حرب البسوس) 

حرب البسوس من أشهر وقائع العرب، وقد اشتهر "مسلسل الزير سالم" عندما بث في القنوات في عام ٢٠٠١ تقريبا وما بعده، وتداولته قنوات كثيرة، وشاهده كثيرون.
هنا نقل من كتاب "المفصل في تاريخ العرب قبل الإسلام"، لعله يزيح بعض الوهم، ويثبت بعض الحقيقة.
قال جواد علي رحمه الله:
"وتؤلف الأيام التي وقعت بين القبائل العدنانية الجزء الأكبر من أيام العرب، وهي أهمها وأغناها بالشعر والأمثال والقصص. 
وكان لتميم وبكر وتغلب أثر خطير فيها. 
وأشهر هذه الحروب، الحرب المسماة بحرب البسوس، وقعت بين بكر وتغلب ودامت أربعين عامًا على ما يذكره الأخباريون.
وتغلب وبكر هما من قبائل ربيعة، لذلك تكون حرب البسوس من الحروب التي وقعت بين قبائل ربيعة؛ لأن أيام العدنانيين هي أيام وقعت بين قبائل ربيعة وحدها، وأيام وقعت بين قبائل من ربيعة وقبائل من مضر، وأيام وقعت بين
قبائل مضر.
وذكر بعض أهل الأخبار أن أشهر أيام بكر وتغلب، خمسة أيام مشاهير.
أولها يوم عنيزة وتكافئوا فيه، والثاني يوم واردات، وكان لتغلب على بكر. والثالث يوم الحنو، وكان لبكر على تغلب. والرابع يوم القصيبات، وكان لتغلب على بكر. والخامس يوم قضة، وهو آخر أيامهم، وكان لبكر. وفيه أسر مهلهل من ربيعة.
وتولد من هذه الحرب قصص وشعر. نسب إلى أبطال الأيام التي وقعت فيها، وأمثلة ذُكر أنها قيلت في المناسبات، صارت على العادة أمثلة شائعة بين الناس.
وليست حرب البسوس في الواقع حربًا واحدة، إنما هي حروب عدة وقعت في تلك المدة المذكورة, وفي أوقات متقطعة إلى أن انقطعت بوساطة المنذر بن ماء السماء وتدخله بين الفريقين.
والذي أثار نيران هذه الحرب هو جساس بن مرة بن ذهل بن شيبان أخو "جليلة" امرأة كليب بن ربيعة سيد قبيلة تغلب، وذلك بقتله كليبًا؛ لأنه أدمى ضرع ناقة للبسوس خالة جساس، إذ كانت ترعى في أرض حماها كليب ومنع الرعي فيها إلا لإبله. وقد أثار عمل كليب هذا غضب جساس، فقتله، وثارت بذلك الحرب بين تغلب وبكر قوم جساس.
وكليب بن ربيعة، أو "كليب وائل" كما يعرف عند بعض أهل الأخبار، هو وائل بن ربيعة بن الحارث بن زهير بن جشم بن بكر بن حبيب بن عمرو ابن غنم بن تغلب. رجل صلب قوي، تمكن بمواهبه وبقدرته من السيطرة على قبائل ليست السيطرة عليها بأمر سهل يسير، ومن إقامة نفسه ملكًا عليها، ومن أخذ الإتاوة من القبائل، ومن الانتصار على قبائل اليمن في يوم خزاز. وبقي على ذلك دهرًا، حتى داخله: زهو شديد، فأخذ يبغي على القبائل ويشتط في أخذ الإتاوة منها وفي اتخاذ خيرة الأرضين المخصبة أحماء لا يجوز لإبل غيره الرعي فيها، ولا الاستيلاء على مواضع الماء، حتى ضجرت الناس منه، فكانت نتيجتة ما تقدم.
وأخذ المهلهل "واسمه عدي بن ربيعة"، وهو أخو كليب على نفسه عهدًا بأن يترك النساء، والغزل، والقمار، والشراب، حتى يثأر بقتل أخيه، وجمع قومه، ووقعت حروب. ومهلهل هذا هو أول من هلهل الشعر، أي أرقه على حد رواية أهل الأخبار.
وقد أقام أصحاب "كليب" قبة رفيعة على قبره، تكريمًا له. شأن الجاهليين في ذلك الزمن من إقامة القباب على قبور الكبار.
وفي جملة الأيام التي يدخلها أهل الأخبار في حرب البسوس: يوم النهي، ويوم الذنائب، ويوم واردات، ويوم عنيزة، ويوم القصيبات، ويوم تحلاق اللمم".
المفصل في تاريخ العرب قبل الإسلام، جواد علي، دار الساقي، ط٤، ١٠/٢٧.
وفي كتاب "نهاية الأرب" قال النويري رحمه الله:
"[ذكر حرب البسوس وهى حرب بكر وتغلب ابنى وائل]
قال أبو المنذر هشام بن محمد بن السائب: لم تجتمع معدّ كلّها إلّا على ثلاثة من رؤساء العرب، وهم: عامر بن الظّرب بن عمرو بن بكر بن يشكر بن الحارث.
وعامر هو قائد معدّ يوم البيداء حين تمدحجت مذحج وسارت الى تهامة، وهى أوّل واقعة كانت بين تهامة واليمن.
والثانى: ربيعة بن الحارث بن مرّة بن زهير بن جشم بن بكر بن حبيب بن كلب وهو قائد معدّ يوم السّلّان، وهو يوم كان بين أهل تهامة واليمن.
والثالث: كليب بن ربيعة، وهو الذى يقال فيه: أعزّ من كليب وائل، وقاد معدّا كلّها يوم خزاز، ففضّ جموع اليمن وهزمهم، واجتمعت عليه معدّ كلّها وجعلوا له قسم الملك وتاجه وتحيته وطاعته، فغبر بذلك حينا من الدهر، ثم دخله زهو شديد وبغى على قومه حتى بلغ من بغيه أنه كان يحمى مواقع السحاب فلا يرعى حماه ويقول: وحش أرض كذا فى جوارى فلا يهاج، ولا تورد إبل أحد مع إبله، ولا توقد نار مع ناره.
وكانت بنو جشم وبنو شيبان فى دار واحدة بتهامة، وكان كليب قد تزوّج جليلة بنة مرّة بن ذهل بن شيبان أخت جسّاس بن مرّة، وكانت لها ناقة يقال لها: السراب، وبها يضرب المثل فى التشاؤم، فيقال: «أشأم من السراب» و «أشأم من البسوس» وهى معقولة بفناء بيتها فى جوار جسّاس بن مرّة، فمرّت بها إبل لكليب، فلما رأت السراب الإبل تازعت عقالها حتى قطعته، وتبعت الإبل واختلطت بها حتى انتهت الى كليب، وهو على الحوض، ومعه قوس وكنانة، فلما رآها أنكرها، فانتزعها بسهم فخرم ضرعها، فنفرت وهى ترغو، فلما رأتها البسوس قذفت خمارها عن رأسها وصاحت: واذلّاه! واجاراه.
[ذكر مقتل كليب وائل]
قال: فأجمشت جسّاسا، فركب فرسا له مغرورا به، وتبعه عمرو بن الحارث ابن ذهل بن شيبان على فرسه، ومعه رمحه، حتى دخلا على كليب الحمى، فطعنه جسّاس فقصم صلبه، وطعنه عمرو بن الحارث من خلفه فقطع قطنه، فوقع كليب وهو يفحص برجله وقال لجسّاس: أغثنى بشربة من ماء، فقال له: تجاوزت شبيثا «١» والأحصّ ففى ذلك يقول عمرو بن الأهتم:
وإنّ كليبا كان يظلم قومه ... فأدركه مثل الذى تريان
فلمّا حشاه الرمح كفّ ابن عمّه ... تذكّر ظلم الأهل أىّ أوان
وقال لجسّاس أغثنى بشربة ... وإلّا فخيّر من رأيت مكانى
فقال تجاوزت الأحصّ وماءه ... وبطن شبيث وهو غير زؤان
وقال نابغة بنى جعد:
أبلغ عقالا أنّ خطّة داحس ... بكفّيك فاستأخر لها أو تقدّم
كليب لعمرى كان أكثر ناصرا ... وأيسر ذنبا منك ضرّج بالدّم
رمى ضرع ناب فاستمرّ بطعنة ... كحاشية البرد اليمانى المسهّم
وقال لجسّاس أغثنى بشربة ... تدارك بها منّا علىّ وأنعم
فقال تجاوزت الأحصّ وماءه ... وبطن شبيث وهو ذو متوسّم
قال: فلما قتل كليب ارتحلت بنو شيبان حتى نزلوا بماء يقال له النّهى، وتشمّر المهلهل أخو كليب- واسمه عدىّ بن ربيعة، وإنما قيل له المهلهل لأنه أوّل من هلهل الشعر، أى أرقّه- فاستعدّ المهلهل لحرب بكر، وترك النساء والغزل، وحرّم القمار والشراب، وجمع اليه قومه، فأرسل رجالا منهم الى بنى شيبان يعذر اليهم فيما وقع من الأمر، فأتوا مرّة بن ذهل بن شيبان وهو فى نادى قومه، فقالوا له: إنكم أتيتم عظيما بقتلكم كليبا بناب من الإبل، فقطعتم الرّحم، وانتهكتم الحرمة، وإنّا كرهنا العجلة عليكم دون الإعذار إليكم، ونحن نعرض عليكم خلالا أربعا، لكم فيها مخرج ولنا مقنع، قال مرّة: ما هى؟ قالوا: تحيى لنا كليبا أو تدفع لنا جسّاسا قاتله فنقتله به، أو همّاما فإنه كفء له، أو تمكّننا من نفسك فإنّ فيك وفاء من دمه، فقال: أمّا إحيائى كليبا فهذا ما لا يكون. وأمّا جسّاس فإنه غلام طعن طعنة على عجل ثم ركب فرسه فلا أدرى أىّ البلاد احتوت عليه. وأمّا همّام فإنه أبو عشرة وأخو عشرة وعمّ عشرة، كلّهم فرسان قومهم فلن يسلّموه لى فأدفعه اليكم يقتل بجريرة غيره. وأمّا أنا فما هو إلّا أن تجول الخيل جولة غدا فأكون أوّل قتيل بينهما، فما أتعجّل من الموت، ولكن لكم عندى خصلتان:
أما إحداهما فهؤلاء بنىّ الباقون فعلّقوا فى عنق أيّهم شئتم نسعة فانطلقوا به الى رجالكم فاذبحوه ذبح الجزور وإلّا فألف ناقة سوداء المقل أقيم لكم بها كفيلا من بكر بن وائل، فغضب القوم وقالوا: لقد أسأت، تبذل لنا صغار ولدك وتسومنا اللبن من دم كليب.
ووقعت الحرب بينهم، ولحقت جليلة زوجة كليب بأبيها وقومها، واعتزلت قبائل بكر بن وائل، وكرهوا مجامعة بنى شيبان ومساعدتهم على قتال إخوتهم، وأعظموا قتل جسّاس كليبا بناب من الإبل، فظعنت لجيم عنهم، وكفّت يشكر عن نصرتهم، وانقبض الحارث بن عباد فى أهل بيته، وهو أبو بجير وفارس النعامة. وقال المهلهل يرثى كليبا من أبيات:
بات ليلى بالأنعمين «١» طويلا ... أرقب النّجم ساهرا أن يزولا
كيف أهدى ولا يزال قتيل ... من بنى وائل ينسّى قتيلا
فى قصيدة طويلة.
وقال أيضا يرثيه من أخرى:
نعى النعاة كليبا لى فقلت لهم ... مالت بنا الأرض أو زالت رواسيها
القائد الخيل تردى فى أعنّتها ... زهوا إذا الخيل لجّت فى تعاديها
من خيل تغلب ما تلقى أسنّتها ... إلّا وقد خضّبوها من أعاديها
يهزهزون من الخطّىّ مدمجة ... كمنا أنابيبها زرقا عواليها
ترى الرّماح بأيدينا فتوردها ... بيضا ونصدرها حمرا أعاليها
لا أصلح الله يوما من يصالحكم ... ما لاحت الشّمس فى أعلى مجاريها
يوم النّهى
فالتقوا بماء يقال له: النّهى، كانت بنو شيبان نازلة عليه، ورئيس تغلب المهلهل، ورئيس شيبان الحارث بن مرّة، فكانت الدائرة لبنى تغلب، ولم يقتل فى ذلك اليوم أحد من بنى مرّة.
[يوم الذنائب]
ثم التقوا بالذنائب، وهى أعظم وقعة كانت لهم، فظفرت بنو تغلب وقتل من بكر مقتلة عظيمة، وفيه قتل شراحيل بن مرة بن همّام بن مرّة بن شيبان، وهو جدّ الحوفزان، قتله عتّاب بن سعد بن بن زهير بن جشم، وقتل من بنى ذهل بن ثعلبة عمرو بن سدوس بن شيبان، وقتل من بنى قيس بن ثعلبة سعد بن ضبيعة بن قيس وتيم بن قيس بن ثعلبة، وهو أحد الحرقيّين وكان شيخا كبيرا، فحمل فى هودج، فلحقه عمرو بن مالك بن الفدوكس بن جشم فقتله.
[يوم واردات]
ثم التقوا يوم واردات وعليهم رؤساؤهم الذين تقدّم ذكرهم، فظفرت بنو تغلب، واستحرّ القتل فى بنى بكر، فيومئذ قتل الشعثمان: شعثم وعبد شمس ابنا معاوية بن عامر بن ذهل بن ثعلبة وسيّار بن الحارث بن سيّار، وفيه قتل همّام ابن مرّة أخو جسّاس لأبويه، فمرّ به مهلهل مقتولا فقال: والله ما قتل بعد كليب قتيل أعزّ علىّ فقدا منك يوم عنيزة.
[يوم عنيزة]
ثم التقوا بعنيزة، فظفرت بنو تغلب، ثم كانت بينهم معاودة ووقائع كثيرة كل ذلك كانت الدائرة فيها لبنى تغلب على بنى بكر، فمنها يوم الحنو، ويوم عويرضات، ويوم أنين، ويوم ضرية، ويوم القمصيبات، كلها لتغلب على بكر، أصيبت فيها بكر حتى ظنوا أن لن يستقبلوا أمرهم.
وقال المهلهل يصف هذه الأيام وينعاها على بكر فى قصيدة طويلة أوّلها:
أليلتنا بذى حسم أنيرى ... اذا أنت انقضيت فلا تحورى
فإن يك بالذنائب طال ليلى ... فقد أبكى من اللّيل القصير
فلو نبش المقابر عن كليب ... لأخبر بالذنائب أىّ زير
وإنّى قد تركت بواردات ... بجيرا فى دم مثل العبير
هتكت به بيوت بنى عباد ... وبعض القتل أشفى للصدور
على أن ليس عدلا من كليب ... اذا برزت مخبّأة الخدور
وقال المهلهل أيضا وقد أشرف فى الدماء:
أكثرت قتل بنى بكر بربّهم ... حتّى بكيت وما يبكى لهم أحد
آليت بالله لا أرضى بقتلهم ... حتّى أبهرج بكرا أينما وجدوا
أبهرج: أى أدعهم بهرجا، لا يقتل بهم قتيل، ولا تؤخذ بهم دية.
وقال أيضا:
قتلوا كليبا ثمّ قالوا أربعوا ... كذبوا وربّ الحلّ والإحرام
حتى تبيد قبيلة وقبيلة ... ويعضّ كلّ مثقّف بالهام
ويقمن ربّات الخدور حواسرا ... يمسحن عرض ذوائب الأيتام
حتى يعضّ الشيخ بعد حميمه ... ممّا يرى ندما على الإبهام
[يوم قضة]
قال: ثم إنّ المهلهل أسرف فى القتل ولم يبال بأىّ قبيلة من قبائل بكر وقع، وكانت أكثر بكر قعدت عن نصرة بنى شيبان لقتلهم كليبا، وكان الحارث بن عباد قد اعتزل تلك الحروب، حتى قتل ابنه بجير, بن الحارث بن عباد، فلمّا بلغه قتله قال: نعم القتيل قتيل أصلح بين ابنى وائل، وظنّ أنّ المهلهل قد أدرك به ثأر كليب وجعله كفؤا له، فقيل له: إنما قتله بشسع نعل كليب. وكان المهلهل قال لمّا قتل بجير بن الحارث: بؤبشسع نعل كليب، فلمّا سمع الحارث ذلك غضب، وكان له فرس يقال له النعامة، فركبها وتولّى قتال تغلب بنفسه، فكانت الدائرة فيه على تغلب، فتفرّقت قبائل تغلب وهرب المهلهل. وقال الحارث بن عباد:
قرّبا مربط النعامة منّى ... لقحت حرب وائل عن حيالى
قرّبا مربط النعامة منّى ... شاب رأسى وأنكرتنى رجالى
لم أكن من جناتها علم اللّ ... هـ وإنى بحرّها اليوم صال
فى قصيدة طويلة نحو المائة بيت كرّر فيها:
قرّبا مربط النعامة منّى
فى خمسين بيتا.
وكان أوّل يوم شهده الحارث يوم قضة، وهو يوم تحلاق اللمم، وفيه يقول طرفة:
سائلوا عنّا الّذى يعرفنا ... بقوانا يوم تحلاق اللّمم
يوم تبدى البيض عن أسؤقها ... وتلفّ الخيل أعراج النّعم
(يوم تحلاق اللّمم)
ويوم تحلاق اللّمم، إنما سمّى بذلك لأن الحارث بن عباد لمّا تولّى الحرب قال لقومه: احملوا معكم نساءكم يكنّ من ورائكم، فإذا وجدن جريحا منهم قتلوه، وإذا وجدن جريحا منّا سقينه وأطعمنه، فقالوا: ومن أين يتميّز لهنّ؟ فقال:
احلقوا رءوسكم لتمتازوا بذلك، ففعلوا، فسمّى به، فقال جحدر بن ضبيعة- وكان من شجعانهم-: اتركوا لمّتى وأقتل لكم أوّل فارس يقدمهم، فتركوه، وهو الذى قتل عمرا وعامرا التغلبيّان، طعن أحدهما بسنان رمحه، والآخر بزجّه ثم صرع بعد ذلك، فلمّا رأته نساء بكر دون حلق ظنّوه من تغلب فأجهزوا عليه.
وفى هذا اليوم أسر الحارث بن عباد المهلهل عدىّ بن ربيعة وهو لا يعرفه فقال له: دلّنى على عدىّ وأخلى عنك، فقال له عدىّ: عليك العهد بذلك إن دللتك عليه، قال نعم، قال فأنا عدىّ، فجزّ ناصيته وتركه وقال فيه:
لهف نفسى على عدىّ ولم أع ... رف عديّا إذ أمكنتنى اليدان
وكان الحارث آلى ألّا يصالح تغلبا حتى تكلّمه الأرض، فلمّا كثرت وقائعه فى تغلب ورأت تغلب أنها ما تقوم له حفروا سربا تحت الأرض وأدخلوا فيه رجلا وقالوا له: اذا مرّ بك الحارث فغنّ بهذا البيت:
أبا منذر أفنيت فاستبق بعضنا ... حنانيك بعض الشّرّ أهون من بعض
فلما مرّ الحارث اندفع الرجل وغنّى بالبيت، فقيل للحارث قد برّ بقسمك فابق بقيّة قومك، فأمسك، فاصطلحت بكر وتغلب.
ثم إنّ المهلهل فرّ بنفسه فنزل بمذحج فى بنى جنب، فخطبوا اليه ابنته، وقيل أخته، فمنعهم، فأجبروه على تزويجها وساقوا اليه جلودا من أدم، فقال فى ذلك:
أعزز على تغلب بما لقيت ... أخت بنى الأكرمين من جشم
أنكحها فقدها الأراقم فى ... جنب وكان الخباء من أدم
لو بأبانين جاء يخطبها ... ضرّج ما أنف خاطب بدم
ليسوا بأكفائنا الكرام ولا ... يغنون فى ذلّة ولا عدم
ثم اشترى المهلهل عبدين يغزوان معه، فغزا بهما حتى طال عليهما ذلك، فاختارا الراحة منه، فأجمعا على قتله بموضع قفر، فلمّا شعر بما همّا به ولم ير لنفسه ملجأ قال لهما: أبلغا عنّى هذه المراسلة، فقالا هات، فقال:
من مبلغ عنّى بأنّ مهلهلا ... لله درّكما ودرّ أبيكما
فلمّا قتلاه وانصرفا نحو بيته فقالا: مات بأرض كذا وذكرا وصيتّه، فلم يدر أحد ما أراد، فقالت ابنته: والله ما كان أبى ردىّ الشعر، ولا سفساف الكلام، وإنما أراد أن يخبركم أنّ العبدين قتلاه، وإنما معنى البيت:
من مبلغ عنّى بأنّ مهلهلا ... أضحى قتيلا بالفلا مجدّلا
لله درّكما ودرّ أبيكما ... لا يبرح العبدان حتّى يقتلا
فقتل العبدان بعد أن أقرّا بذلك. وقيل: إنه أصبح قتيلا بين رجلى جمل هاج. والله تعالى أعلم بالصواب".
نهاية الأرب في فنون الأدب، النويري، ٣٩٦/١٥.

بقلم/
عبدالرحمن بن مشعل بن حضيض العوفي. 
طبرجل- الأحد- ١٤٤٧/١٢/٢٨.
Abdurrahmanalaufi@gmail.com

السبت، 13 يونيو 2026

عامان على تأسيس صالون رواد المعرفة الثقافي

(عامان على تأسيس صالون رواد المعرفة الثقافي بطبرجل)

الحمدلله، وبعد:
فقد اعتمد طلبي بافتتاح (صالون رواد المعرفة الثقافي) بطبرجل التابع إلى (جمعية الأدب والأدباء) بالمدينة من قبل (وزارة الثقافة) بتاريخ ١٤٤٥/٧/١٧.
عامان مضت على تأسيس (صالون رواد المعرفة الثقافي) بحمد ربي تعالى. 
أعلم أن الجهود قليلة، ولكنها دائبة مستمرة، وأعلم ما الذي سأصل إليه؛ أي: ما هي أهداف الصالون الكبرى؟.
الحلم كبير، والتضحية واجبة.
وقد كتبت مقالات في هذا الصدد، فلتراجع.
أما الآن فليس بوسعي إلا أن أضع بين أيدي القراء الكرام مسرد الفعاليات والجلسات القرائية المنفذة من قبل هذا الصالون الثقافي الأدبي الفكري العلمي، فالثقافة تشمل ذلك كله.
هذا هو المسرد، من الأقدم للأحدث:
١- (لقاء تعريفي) - الثلاثاء ١٤٤٥/٨/٣.
٢- (خلاصات نحوية من شرح الآجرومية لابن عثيمين) - من الأحد ١٤٤٦/٣/١٩ إلى الأربعاء ١٤٤٦/٣/٢٢، من الساعة ٣٠ ٥ م إلى ٣٠ ٧ م.
٣- مسابقة (أمة اقرأ تقرأ) - الأحد ١٤٤٦/٣/٢٦- الثلاثاء ١٤٤٦/٤/٢٦.
٤- انطلاق (مسابقة عبدالرحمن العوفي للقراءة) - الأحد ١٤٤٦/٣/٢٦- الثلاثاء ١٤٤٦/٤/٢٦.
٥- دورة تدريبية في (تحسين الخط العربي)، البداية من: السبت ١٤٤٦/٥/١٤.
٦- (تعريف بكتاب "تذكرة السامع والمتكلم في أدب العالم والمتعلم"، لابن جماعة الكناني الشافعي") - الأحد- ١٤٤٦/٧/٥- بعد صلاة العصر مباشرة.
٧- برنامج (قراء الجرد) في موسمه الأول لعام ١٤٤٦، والكتاب المقرر هو (تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان، للعلامة/ عبدالرحمن بن ناصر السعدي).
٨- برنامج (قراء الجرد) - وقت البرنامج: ١٤٤٦/٩/١- ١٤٤٦/٩/٣٠.
٩- (خلاصات نحوية من شرح الآجرومية لابن عثيمين) - اليوم/ الأربعاء ١٤٤٧/٣/١١.
١٠- (غزوة بدر، دروس وعبر) - يوم/ الأحد، بتاريخ ١٤٤٦/٩/١٦.
١١- (في رحاب آيات الصيام) - يوم/ الاثنين، ١٤٤٦/٩/١٠، ٣٠ ٩ م
١٢- (شرح الأربعين النووية لابن قاسم) - اليوم/ الأربعاء ١٤٤٧/٤/٢.
١٣- انطلاق برنامج (في مكتباتهم)؛ للتعريف بالمكتبات الخاصة وأصحابها في المملكة العربية السعودية. 
١٤- (شرح الأربعين النووية للعلامة/ محمد بن إبراهيم آل الشيخ) - الزمن: ٥ مساء- ٦ م - اليوم/ كل أربعاء: ١٤٤٧/٤/٢- ١٤٤٧/٤/٩- ١٤٤٧/٤/١٦- ١٤٤٧/٤/٢٣.
١٥- لقاء بعنوان (كيف تكون كاتبا؟) - يوم الخميس الموافق ١٤٤٧/١٠/١٤هجري في تمام الساعة ٣٠: ٤ مساء.
١٦ -مناقشة كتاب (لا تخف) للدكتور/ عائض القرني، في يوم الثلاثاء، بتاريخ ١٤٤٧/١١/٢٥.
١٧- جلسة قرائية بعنوان (تاريخ المملكة العربية السعودية، تأليف/ عبدالله الصالح العثيمين) - الأحد، بتاريخ ١٤٤٧/١٢/٢١، في تمام الساعة ٤٠: ٤ مساء.

ها هي نشاطات الصالون، وأغلبها كان على "منصة ×"، وفي اليوتيوب، والقادم أجمل بحول الله وقوته. 

بقلم رئيس الصالون/
عبدالرحمن بن مشعل بن حضيض العوفي الحربي. 
طبرجل- السبت- ١٤٤٧/١٢/٢٧.
Abdurrahmanalaufi@gmail.com

الأربعاء، 10 يونيو 2026

شذرات

(شذرات)

١- الندرة غالية، حسن ظني في أن الكتاب الورقي كلما قل وجوده؛ عظم طلبه، وزاد سعره، وغلت جودته، هذا ما يقوله صاحب النظر البعيد، والفكر الدقيق.
٢- توازن معرفي، يقابله خلل معرفي، وانحراف منهجي. قواعد عامة تتخذ في غير مظانها، فيفسد من خلالها المتلقي بريق الإبداع.
خذ مثلا:
التحذير من المطولات، يتخذه البعض منهجا عاما، وقاعدة مطردة، فيبالغ في الحذر من المطولات، ولو على حساب قلة المعرفة وضعف الاطلاع، ولو لم تضره في أقل الأحوال!.
٣- حكمة اليوم:
* الوعي والبناء عليه؛ أساس عظيم لتحقيق منفعة وجودك الإنساني. 
* الكرم أحيانا يكون في المنع، منع التجهم في الوجه، أو إشعار المقابل بالرفض، أو عدم الراحة.
٤- كمال الرجل في عقله، وكمال المرأة في عاطفتها.
٥- قال الشيخ د. عبدالله العبيد: خمسة كتب إذا اعتنيت بها، نفعتك في فهم قواعد الشريعة وأصولها، وأحكامها ومقاصدها، وصار عندك ملكة قوية في حسن الفهم عن الله ورسوله:
* الرسالة، للشافعي.
* القواعد النورانية، لابن تيمية.
* أعلام الموقعين، لابن القيم.
* الموافقات، للشاطبي. 
* الفروق، للقرافي.
وإذا ختمتها ب "رفع الملام"؛ أصبت خيرا كثيرا. 
٦- بعض الناس حرام حرام حرام عليهم الزواج أو الإنجاب؛ لأنهم لا يعلمون من التربية إلا القسوة - والقسوة ليست من التربية في شيء، الحزم من التربية، والتوازن في التربية أمر لازم لتحسين الأثر-، وليسوا مستعدين لحوار ولا نقاش، كل همهم فرض التسلط المرضي المزمن!. لا كثرهم الله. 
٧- من أكثر الأبيات التي أعجبتني:
هون عليك فرب خطب هائل * دفعت قواه بدافع لم تدرهِ
وقول المعري:
بي منك ما لو غدا بالشمس ما طلعت * من الكآبة أو بالبرق ما ومضا 
وكذا:
ولو أني خلقت بغير قلب * لكنت عشقت سلمى بالطحال
وكذا:
ليس الفؤاد محل شوقك وحده * كل الجوارح في هواك فؤاد
وكذا:
ما لي سواك معينا هاديا أبدا * أرشد فؤادي فقد تاهت به السبلُ
وكذا:
وإذا تباعدت الجسوم فودنا * باق ونحن على النوى أحبابُ
وقول جرير:
تعود صالح الأخلاق إني * رأيت المرء يألف ما استعادا
وقول الآخر:
وتنتشي الروح إن مروا بخاطرنا * ونسمة من صبا الأحباب تشفينا
٨- من أسباب نجاح العلامة عميد الرحالين العرب محمد بن ناصر العبودي عليه رحمة الرب العلي:
* الهمة الصادقة. 
* الرؤية الواضحة.
* التركيز المجدي.
* الدعم اللا محدود من المملكة العربية السعودية. 
* الشغف والطموح.
* قوة الإرادة.
* معرفته بقدر نفسه وميولاتها. 

بقلم/
عبدالرحمن بن مشعل بن حضيض العوفي الحربي. 
طبرجل- الأربعاء- ١٤٤٧/١٢/٢٤.
Abdurrahmanalaufi@gmail.com

الاثنين، 8 يونيو 2026

شذرات

(شذرات)

١- قال الأخ حسن الحسيني على منصة × عن المجرم أمجد يوسف في سوريا لما قبض عليه بعد فتح دمشق على يد أحمد الشرع في عام ١٤٤٦: لو كان القرار بيدك ما العقوبة التي تراها تليق بالمجرم أمجد يوسف؟
قلت:
صراحة؟ يعدم أمام الملأ بدون تعذيب. أعلم إجرامه أو بعض إجرامه، وهو الذي وثق بعض جرائمه في مجزرة التضامن ب "دمشق الفيحاء"، كان يعصب عيون فرائسه من المدنيين والمظلومين، ويرميهم في الحفرة ويقوص عليهم، بلا أدنى رحمة، ولم يرف لما يسمى "المجتمع الدولي" جفن لتلك المجازر المروعة. 
٢- الطنطاوي ملكني وأسرني، أسلوبه ساحر أخاذ، لا يمتري في هذا منصف كما علمت، أعد من متع أيامي وسرور حياتي أن جردت أغلب تراثه، وكتبت عن كل كتاب قرأته له مقالا ونشرته، ولكن، ولكن مرة ثانية أؤكد لم أقف عند باب علي الطنطاوي رحمه الله، قرأت لشيخ العربية محمود شاكر المصري، فإذا هو قمة أخرى كبيرة، وله أسلوبه الخاص، العلمي، الرصين، الهادف.
٣- نقل الأخ المفيد عبدالعزيز بن عبدالله الفالح وفقه الله ورعاه على منصة × - وهو أفضل من يكتب وينقل عن سير العلماء قديما وحديثا في حسابه ذلك -، نقل عن ابن حزم الأندلسي رحمه الله قوله: "لا تزهد فيمن يرغب فيك، فإنه باب من أبواب الظلم".
قلت:
ولا ترغب فيمن يزهد فيك، فإنه باب من أبواب الذل.
٤- لذة الحياة في رفيق تهواه. 
٥- من بواعث حفظ هيبة الحق والعلم: عدم السماح للعبث بالعلم، ومن ذلك التزوير في النقل، أو الإيهام بملكية النقل.
٦- من الكتب التي أنصح بها كتب الأخلاق، ومن أجود من كتب فيها من المعاصرين كتب الشيخ أد. محمد بن إبراهيم الحمد وفقه الله ورعاه، ومن كتبه في المروءة والأخلاق:
* مروءة العلم.
* فقه المروءات. 
* الثقل والاستثقال. 
٧- من أكثر الأبيات التي أعجبتني:
صدر المجالس حيث حل لبيبها * فكن اللبيب وأنت صدر المجلسِ
٨- وجدت أن كثيرا من العلماء الراسخين في العلم يتواضعون في نفوسهم كلما ازدادوا علما، وأذكر لذلك مثالا، وهو ابن باز رحمه الله. 
ووجدت أن بعضهم يتعالى ويتعاظم في نفسه، ويحقر غيره، ومنهم بعض الأدباء في مصر وغيرها، ولما تأملت مليا؛ وجدت أن الخلل يكمن في كون المرء لم يهذب نفسه، ولم يزكها. 
٩- مما سمعت من الأمثال وأنا في طبرجل:
لا تحتك بالزمل وانت حويشي.
يقال للصغير قدرا أو منصبا: لا تتحرش بالأقوى منك، ولا تجابهه، ولا تصارعه ولا تنازله.
ومن الأحاديث الموافقة لهذا المثل قوله صلى الله عليه وسلم: "رحم الله امرءا عرف قدر نفسه".
١٠- قال الشيخ النبيل الأستاذ الدكتور الفاضل المفضال ومن تسمى ب "المفتي اللغوي" على منصة × الشيخ سليمان العيوني وفقه الرب العلي:
من أحسن كتب الأدب والثراء اللغوي:
* روضة العقلاء، لابن حبان. 
* أدب الكاتب، لابن قتيبة.
* الأدب الكبير والصغير، لابن المقفع.
* البيان والتبيين، للجاحظ. 
* الكامل، لأبي العباس المبرد.
* مداواة النفوس، لابن حزم.
* صيد الخاطر، لابن الجوزي.
* مفتاح دار السعادة، لابن قيم الجوزية. 
* فقه اللغة وسر العربية، للثعالبي. 
* الألفاظ الكتابية، لعبدالرحمن الهمذاني. 
* نفح الطيب، للمقري التلمساني. 
* زهر الآداب وثمر الألباب، لأبي إسحاق الحصري. 
* جواهر الأدب، لأحمد الهاشمي. 
* العود الهندي، للسقاف. 
* كتب علي الطنطاوي. 
قال أبو عبدالملك:
قلت في مقالات كثيرة كتب الشيخين محمد بن صالح العثيمين والشيخ علي الطنطاوي رحمهما الله صالحة جدا للمبتدئين ولجميع الطبقات، فكتب ابن عثيمين كتب منهجية مؤصلة في كل الفنون غالبا؛ في العقيدة والتفسير والحديث والفقه والنحو والبلاغة وغيرها، وكتب علي الطنطاوي متميزة جدا في الأدب، وأنا جردت أغلبها، ونشرت عن كل كتاب مقالا، أنصح بكتب الشيخين للغاية، هذا أولا.
ثانيا: أنصح لمن أراد الترقي بكتب محمود شاكر المصري ومصطفى صادق الرافعي، وأحمد حسن الزيات، وأحمد أمين، والعقاد، وطه حسين، وغيرهم من الأدباء المعاصرين، ولا يلزم التسليم بكل ما يكتبونه أو يقولونه.
 وكتب علماء المغرب محمد البشير الإبراهيمي ومحمد الخضر حسين، وابن باديس، وابن عاشور، ومحمود شاكر السوري، وعبدالرحمن رأفت الباشا، وغيرهم. وكتب ابن القيم وابن الجوزي وابن حزم، وابن تيمية، وابن حجر، والذهبي وابن كثير، وغيرهم. 
ومن المعاصرين بكر أبو زيد، وابن جبرين، والألباني، وصالح الفوزان، وصالح اللحيدان، وعبدالكريم الخضير، وسعد الشثري، والمعلمي اليماني، وعطية محمد سالم، ومحمد المختار الشنقيطي، ومحمد الأمين الشنقيطي، وعبدالرحمن بن سعدي، وكتب علماء الدعوة الإصلاحية، وكتب اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء بالسعودية. 
نصحت هنا بكتب وعلماء في الأدب وعلوم الشريعة بعامة.
ومن المتميزين في التأليف: 
* محمد بن إبراهيم الحمد. 
* ومحمد بن سعود الحمد.
* وعلي بن محمد العمران.
* وبكر أبو زيد.
* وذياب الغامدي.
* والسيد صبحي العيسوي.
* وأحمد بن علي القرني.
وغيرهم.
ولي بحمد ربي تعالى استقصاء طيب لعلماء العصر الحديث في شبه الجزيرة العربية ومصر والشام والمغرب، قديما وحديثا، اخترت واحدا وعشرين عالما بدءا من بكر أبي زيد إلى ابن جرير الطبري، وجمعتهم في كتاب، وعرفت بكل علم وذكرت بعض الفوائد من كتبه، في أربع مئة صفحة تقريبا، يصل إلى السعودية من مصر المحروسة خلال أسبوع بحول الله وقوته، واسمه "شذرات ذهبية من كتب الأعلام، ٥٢٥ فائدة من بطون الكتب مرتبة على الأعلام لواحد وعشرين عالما"، طباعة مكتبة خزامى بعرعر.
وكتاب قبله صغير الحجم في ١٦٠ صفحة تقريبا نقلت فيه عن ١٥٠ كتابا من مكتبتي الخاصة فقط، يباع في "مكتبة جرير" وغيرها، من مطبوعات "دار الحجاز"، واسمه "كنوز من مكتبتي، ٢٦٠ فائدة مرتبة على الموضوعات والأعلام مع تعليقات يسيرة".
أسأل الله التوفيق للجميع.

بقلم/
عبدالرحمن بن مشعل بن حضيض العوفي. 
طبرجل- الاثنين- ١٤٤٧/١٢/٢٢.
Abdurrahmanalaufi@gmail.com

الخميس، 4 يونيو 2026

قيد الخاطر- (حدثني أحد الأصدقاء)

قيد الخاطر- (حدثني أحد الأصدقاء)

حدثني أحد أعز الأصدقاء قائلا:
حصلت جفوة بيني وبين والدي، ربما لطبيعة والدي الصارمة، وأنا شخص حاد نوعا ما، أو كلا ما، المهم حدي مقابل حدي، لا ينتج إلا عدم التفاهم، أو ضعف التفاهم، أو ربما هذه الجفوة سببها نفسي ومن وحي الشيطان ومجرد تخييلات أو توهمات، يعني: كل راكب رأسه كما قيل، وللشيطان حظ، وللنفس حظ، وحظ النفس من الهوى والإغواء أشد وأعظم من حظ الشيطان وغير الشيطان...
المهم حصلت الجفوة، وضعف الاهتمام من الطرفين، لدرجة - يقول لي تخيل - أنني في عيد الأضحى المبارك ضحيت أضحيتي، وكيس اللحم في بيت جدتي، ومن الغد جاء أحدهم بكيس اللحم هذا إلى بيت الوالد - وأنا موجود -، ولما جاء الوالد رأى كيس اللحم، جاء إلي قائلا: كيس اللحم الذي في المطبخ لك؟ قلت: لا، ذهب وأتى بالكيس، قال: هذا، قلت: ما أدري، قال: ألم تضحي اليوم؟ قلت: في بيت جدتي هذا الكيس، ما أدري ما الذي أتى به هنا!.
يقول صاحبي:
أنا مطلق من سنيات، ووالدي غير مهتم بمسألة الفراق هذي، وكأنني غير مطلق، الوجه عبوس، والجبين مقطب، واللسان هو اللسان، كأنني جماد، أو هو يريد أن أكون من فئة الجماد، لا أحس ولا أشعر، ولا أفضفض، ولا أدردش، يريد أن يستمر في كتم أنفاسي، وإطفاء ما بقي من لذة في حياتي، وتعذيب نفسي بتذكر كل ما مر علي من ماض سيء، وأحداث مخجلة، ثم يأتي ليحدثني عن كيس لحم لمن هذا؟!
أرأيت - يستمر صاحبي في الحديث - تعاملا كهذا التعامل، وتجاهلا كهذا التجاهل؟!
قلت: وا أسفي، وكيف يصح أن يكون أب بهذه الكيفية والطريقة والعلاقة المخجلة مع ولده؟!
هذه والله ليست علاقة صحية أبدا.
تخيلت إنسانا مقطع اليدين والرجلين ودماؤه متناثرة على ثيابه وعلى الأرض، ثم يأتي إنسان - وصفا لا معنى - ويقول: لماذا ثوبك متسخ؟ أو مشقوق؟! يتجاهل هذه المصيبة التي أمامه، وينظر في شقوق ثوبه!
أي عقل وأي عاطفة وأي ميزان هذا التعامل البائس؟!
أكاد أجن أن يكون والد مع ولده على هذا المنوال وهذا السَّنن، إذن هنا تنتفي صفة الوالدية والأبوية، فلا يشعر الولد بأبيه إلا مجرد جرم إنسان يمشي ويتحرك، هو والجدار سواء، لا فرق، وحياته وموته سواء، وهو قد قال لي بأسف وحزن: والله لو جاءني خبر وفاة أبي؛ لما بكيت!، ولا عجب، فهناك أناسي لا يصح أن يدرجوا في قائمة الإنسانية إلا من باب المجاز والتجاوز اللفظي، وإلا، فأي معنى لإنسان لا يقدر وجود إنسان، ولا يحترمه، ولا يتفحص عواطفه ولا يبحث فيه عن آماله وآلامه، ولا يشعره بكينونته، ولا يكرمه، والله ربه قد كرمه، (ولقد كرمنا بني آدم)، ولا يحتويه، هذا هو الإنسان، مطلق الإنسان، فكيف والد مع ولده؟!، إنها إذن لإحدى الكبر.

بقلم/
عبدالرحمن بن مشعل بن حضيض العوفي. 
طبرجل- الأربعاء- ١٤٤٧/١٢/١٧.
Abdurrahmanalaufi@gmail.com

الأربعاء، 3 يونيو 2026

شذرات

(شذرات)

١- من أكثر الأبيات التي أعجبتني:
قول المتنبي:
إذا الجود لم يرزق خلاصا من الأذى * فلا الحمد مكسوبا ولا المال باقيا 
وللنفس أخلاق تدل على الفتى * أكان سخاء ما أتى أم تساخيا 
أقل اشتياقا أيها القلب ربما * رأيتك تصفي الود من ليس جازيا 
خلقت ألوفا لو رحلت إلى الصبا * لفارقت شيبي موجع القلب باكيا
وقول الآخر:
إن من خالط الأنام حقيق * بشتات ومأثم وعذابِ
فاجعل الخلق دبر أذنيك واقنع * بحبيب أو عالم أو كتاب
٢- يجب الارتقاء بالطرح العلمي الرصين الهادف، والأسلوب الجاذب، دون الخروج عن الجادة العلمية المتبعة، حتى يخرج جيل علمي ناقد أصيل.
ولا يجوز القول بأن الجماهير تريد غير العلمي، فطرحنا إذن يجب أن يكون غير علمي!.
الجماهير لا يجب بل لا يجوز أن تكون هي الحكم.
٣- أنا أرى أن من أهم المهمات إن لم تكن أهمها: اللغة، فلا حضارة ولا شعب ولا تاريخ ولا حاضر ولا مستقبل دون لغة، اللغة هي صمام الأمان، وعليها يكون البناء، وأي تنظير آخر لا قيمة له، ومن قرأ تراث شيخ العربية محمود شاكر المصري عليه رحمات الرب العلي؛ علم صدق قولي.
٤- جميل والله أن أرى صاحب نفع عام في المجتمع، وجميل أن ألمس هذا الاحتفاء والتكريم لمن هم له أهل إن شاء الله. لا يكون بلسما للجروح بالنسبة لي غالبا إلا ما أرى من هذه المشاهد التي تبعث في النفس الأمل والإحساس الجميل.
٥- قال تعالى: (فأما الزبد فيذهب جفاء وأما ما ينفع الناس فيمكث في الأرض).
لا تقلق أخي المبارك الغيور إن رأيت هذه التفاهة وهذا السفه قد غطى البسيطة، ليس والله هذا من قبيل الطمأنة المزيفة، أو ثرثرة مثقف، بل وعد الله الحق، الخلود للحقيقة، والفناء للزبد والغثاء والسفه والتفاهة. 
٦- حكمة اليوم: من سكت غنم، ومن تكلم غرم.
٧- لما تحررت سوريا، وفتحت دمشق على يد أحمد الشرع - أعزه الله بالإسلام والسنة والتوحيد - في عام ١٤٤٧، كتب كثير من الشعراء؛ ابتهاجا بفرحة النصر والفتح المبين، وهذه أبيات أعجبتني، للشاعر بندر بن خلف الوقيت - وفقه الله ورعاه -:
يا سوريا دامت لك الأفراحُ * وترحلت عن أرضك الأتراح 
وتبدد الليل البغيض ظلامه * وأنار درب طموحك الإصباح 
فتذوقي طعم الحياة وأبشري * فالخير أقبل وجهه الوضاح 
والظلم زال بفضل ربي شره * وهوى بحربة غدره السفاح 
واليوم عيش آمن وكرامة * تنسى بها أوجاعها الأفراح 
٨- سلاما لتلك القلوب الطاهرة، والأنفس البريئة، والعقول النيرة، التي ترمم ولا تهدم، هي بلسم للجروح، وعسل مصفى حين تشتبك الهموم، لسانهم يقطر عسلا، وأعينهم تفيض بالنور، ونفوسهم تشع بالسلام...سلاما لتلك القلوب، وتلك النفوس، وتلك العقول، وإن لم أرها!.

بقلم/
عبدالرحمن بن مشعل بن حضيض العوفي الحربي. 
طبرجل- الأربعاء- ١٤٤٧/١٢/١٧.
Abdurrahmanalaufi@gmail.com