السبت، 7 فبراير 2026

قيد الخاطر- (نصائح في الكتابة الإبداعية)

قيد الخاطر- (نصائح في الكتابة الإبداعية)

بعد تجربة دامت أكثر من عشر سنوات تقريبا في عالم القراءة الجميل المتعب أقول:
قرأت للطنطاوي فدهشت، استلقيت ضاحكا، وهملت دموعي في موقف آخر في "ذكرياته" بطبيعة الحال - أكبر كتبه وأول ما بدأت بالقراءة له -، وسردت كثيرا من كتبه، وأخرجت عن كثير منها مقالات، ومكثت ثلاث سنوات تقريبا ثم رجعت ساردا ما كتب في كتبه الأخرى القيمة المفيدة الممتعة، فنالني منه إعجاب ظاهر، وارتفعت ب "علي" بثقافته وفكره، بعلمه وأدبه، بلغته وأسلوبه، ووصفته بأنه "أمة في رجل"، والآن أقول: فعلا "علي" له من اسم علي ومعناه من العلو والرفعة من اسمه نصيب، ف "علي" علي في حياته، عاش طفولته برجولة، وكهولته بشباب متقد، عاش مجاهدا بسيف العلم والأدب والمعرفة والثقافة والفكر، ما عاش إلا للعلم وبالعلم وإلى العلم وفي العلم، ما حاد عن مسيرة العلم والأدب إلى أن غسل وكفن...قرأت سيرة الشيخ القدوة ابن جبرين، عليه رحمات رب العالمين، بكيت في نهاية الكتاب وهو من تأليف ابنه أد. عبدالرحمن بن جبرين الموسوم ب "أعجوبة العصر" في تسع مئة صفحة تقريبا...كان الطنطاوي قبل قراءتي لتراثه الأصفر - نعم الأصفر بكل فخر - أراه شيئا عاديا، لأنني أرى بعض ما يقول في التلفاز - الرائي كما يسميه -، وابن جبرين كذلك، كنت أراه شيخا وقورا فحسب، لم أعلم أن القراءة تصنع الفارق، وتلم الشعث، وتوقد جذوة الفكر، وتطلعك على أفق الذات والآخر والمجتمعات عن قرب، فمن أراد أن يتعلم فليقرأ، ومن أراد أن يكتب أو يؤلف أو يصنف، فليقرأ، ومن أراد أن يفكر أو يتلصص على مشاعر نفسه وأفكار الآخر، فعليه بهذه الفاتنة الآسرة، والحبيبة الجميلة الزاهية، فهي نور العقل، وشماعة النور في دياجي ظلمات الغباء والتخلف والجهل والانحطاط.
قرأت لابن القيم وابن تيمية وابن الجوزي، وقفت على تراث الطنطاوي، نهلت من معين فكر محمود شاكر المصري، استمتعت بأسلوب العقاد، تذوقت ما خطه يراع صاحب "مجلة الرسالة" أحمد الزيات...
قرأت بعض كتب الأديب البارع بحق "عبدالله الهدلق" ومنها "ميراث الصمت والملكوت" ومنها "في ظلال الأشياء"، وأعجبت للغاية بأسلوب هذا الرجل الفذ بصدق...قريب منه، بل أفضل منه "بكر أبو زيد" قرأت له كذلك، وأسلوبه مدرسة تدرس "ذهبي العصر" بلا منازع...
قرأت "مقدمات العقاد" من تأليف د. عبدالرحمن بن حسن قائد، لم أكن أتخيل أسلوب هذا الرجل، أعجبني نعم، ولكن أصدق نفسي وأصدقك: ليس بذلك الإمتاع، وصدق الطنطاوي حين وصفه بالتكلف...
أقول هذا من باب الحقيقة والواقع، ففي مقالي بالأمس القريب وهو "حالة بائسة" دليل صادق على ما قلت، فقد تحسن أسلوبي تحسنا ظاهرا شعرت أنا به، وأثنى عليه أستاذي العزيز د. محمد بن نافع بن شاهر المطرفي الصاعدي العوفي الحربي وفقه الرب العلي حيث قال: 
"هذا لك أو للطنطاوي؟!" بعد سؤالي: ما رأيك في أسلوبي هذا؟
فلما أجبته بنعم، قال:
"ما شاء الله لا كسر القلم".
وهذا التحسن أتفهم كونه غالبا ليس نتيجة قراءة واحدة، بل قراءات وقراءات...
 وأنا في الحقيقة لست مكثرا إكثارا يرضيني، ولكن أزعم أنني أتذوق ما أقرأ، وأنتقي، وأتعمق أحيانا، وأنوع، فالانتقاء والتعمق والتنويع مهم جدا - يا صديقي - إن أردت أن يشار لك بالبنان في مضمار العلم والثقافة والأدب والمعرفة والفكر، فاقرأ منتقيا منوعا، متعمقا متذوقا، لترتقي بلغتك، وتطلع على خبايا النفوس، وتنظر عن كثب كيف هي معجزة البيان، فتقول: سبحان سبحان "الرحمن* خلق الإنسان* علمه البيان"، فذاك أسلوبه سهل ممتنع، وذاك أسلوبه ساخر ك "مارون عبود" الذي قرأت له بعد وقوفي على نصح الأديب البارع عبدالله الهدلق في كتابه أظن "في ظلال الأشياء"، وهذا أسلوبه أقرب للتعمق في الثقافة والفكر معا كالعقاد، وذاك أسلوبه علمي جاف، وتجد ما يستقون منه ومصادرهم متنوعة، فلذا تعددت أساليبهم وتنوعت أفكارهم، لأن كل واحد ينطلق من رؤيته الخاصة، ومن لغته الخاصة، ومن مجتمعه الخاص، ومن طريقة تفكيره الخاص، ومن نفسيته التي هو خصيص بها، فلا تظنن أن الكتابة سهلة على الكاتب أو الأديب، إنه لا يكتب لذات الكتابة لمتعة الكتابة، ذلك وهم، عن نفسي أقول: تتعبني الكتابة، أو بالأحرى التعلق بالكتابة مجهد مضني، لأن الكاتب العادي غالبا يكتب على القشور، وكلما نضج فكره، وطور من علميته؛ كان أدق في كتابته، وأحد فكرا، وأحسن في كتابته وأسلوبه مظهرا، فلا يكتب شيئا عبثا، هو يكتب وأعصابه - في كثير من الأحيان - وفكره وعقله واستجماعه لروحه ووجدانه مسيطر عليه، فلذا لا يحب التشويش، ويتوق للعزلة على الأقل حين يحين وقت تلك الآسرة الفاتنة "القراءة"...
ولا أدعي ما ليس لي، معاذ الله وأنى لي، فهذا الوصم للقراءة بكونها "الفاتنة الآسرة" التقطته من كتاب د. مشعل الفلاحي في كتابه أو بالأحرى سيرته "فصول من الحياة"، لم أذهب أركض أجري وآتي هنا وألصقها في مقالي هذا، بل خرجت من قمقم فكري وعقلي ووجداني والتخزين العلمي واللغوي في دماغي، خرجت عفوا والله بدون تكلف أو استدعاء.
والدرس: ما تكرر، تقرر، والعقل يخزن في الذاكرة القريبة أو البعيدة، والمواقف تصنع الأفكار، والأفكار تصنع الكتابة، والقراءة كفيلة بصنع الدهشة والعجب، كفيلة بالسعادة ورفع هرمون "الدوبامين" الذي يزيد من معدل سعادة الإنسان ونشاطه النفسي والوجداني...
والله - يا صديقي - لا أحب الإطالة وإنني كتبت هذا في المدرسة، وخرجت والآن على دابتي في سيارتي المباركة - وهي من اختيار والدي حفظه الرب العلي -، ولكن الأفكار تتداعي حين الكتابة...
فالنصيحة: اقرأ كثيرا، واكتب أقل مما تقرأ، ونوع وعمق، وانتق ما تقرأ، تفلح وتحقق ما تصبو إليه إن شاء الله...
وخلاصة القول:
بدون إطالة ولا إملال: من أراد أن يبدع في أسلوبه فلينوع، وليتذوق ما استطاع، فمن نهل من أكثر من معين ولو كان فيه كدر، فحتما سيصح أسلوبه وينشط، ويبدو في حلة زاهية، وثوب قشيب ليس من البيان فحسب، بل حتى من العلم والثقافة والأدب والفكر، فنوع ثم نوع ثم نوع، فالتنويع والعمق لا يتنافيان، وإن سارا في خط متواز فحسن أيضا، والتعمق يكون بالتخصص، ويكون منهج قراءة مستديم عند بعضهم، فلا يقرأ إلا بتعمق وفهم، ولكي تنجح، فلا تجلد نفسك دوما لتبلغ الكمال، فما في الصفة الإنسانية كمال، ولكن "سددوا وقاربوا وأبشروا"...
قرأت كامل تراث ابن قيم الجوزية رحمه الله، وهو أربعة وستون مجلدا، أربعة وثلاثون كتابا، أكثر من عشرين ألف صفحة، وقرأت كما قلت غالب تراث الطنطاوي، وقرأت لغيرهم، ولكن عزوت تطور الكتابة لدي بما ذكرت آنفا، فأن تحاول أن تكتب كتابة إبداعية أدبية رائقة بدون تعب، بدون انتقاء وتنويع وتعمق، فأنصحك ألا تتعن، لأن الكتابة الأدبية الإبداعية هذا طريقها المعبد - على الأقل في رأيي - إلا اللهم أن تكون نابغة أو أحد أذكياء العالم، أو لديك كرامات، أو يتنزل عليك إلهام لا ندري ما مصدره...
وعلى كل فهذه هي الحقيقة، والحقيقة شيء، والأماني شيء، فميز - رعاك الله -، ولا تغتر بمنهج العصر الذي من أبرز أسمائه "عصر السرعة"، فالوجبات السريعة نعم كما يقول الأطباء وبالتجربة ضررها واضح وكبير، وهي ليست بأقل من ضرر تلك الوجبات الفكرية المقدمة على وصف السرعة...
لن تصبح أديبا ولا مثقفا حقيقيا ولا عالما هكذا على "منهجية السرعة" أو "منهجية القفز"، نعم أنا في صفك لما تقول فلان قفز أو حصل كثيرا في وقت يسير، يا صاحبي: أنا قلت لك أحدثك بالحقيقة عن الحقيقة، وأحدثك عن الأصل، والأصل شيء، والاستنثاء شيء، والسلام عليك ورحمة الله عليك وبركاته. 

بقلم/
عبدالرحمن بن مشعل بن حضيض العوفي. 
طبرجل- الثلاثاء- ١٤٤٧/٦/١٨.
Abdurrahmanalaufi@gmail.com

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق