خلف بن هذال العتيبي شفاه الله وعافاه، شاعر الوطن الكبير، وشاعر الملوك، متميز في شعره القوي الحماسي، وشعره الوطني على وجه أخص، متميز كذلك تميزا منقطع النظير في طريقة إلقائه القوية المتناسبة مع قوة أبيات القصيدة وشعره الملقى.
وصل إلى رتبة لواء، وصدح في سماء الشعر الوطني السعودي بإبداع إيقاعي منظم مطرد، لا يزداد مع تقادم الأيام إلا حماسة ووطنية.
لقد مدح الملوك من آل سعود فيصل وخالد وفهد وعبدالله وسلمان، والأمير سلطان في عهده لما كان النائب الثاني، ثم لما كان ولي العهد، ولما ظهر قرن الخوارج الخبيث؛ قال فيه شعرا يهجوهم فيه، فهو شاعر وطني مهاجم منافح، وشعره لا يقل ضررا في الفتك بمشاعر ووجدان الأعداء من راجمات الصواريخ وفوهات المدافع، فللكلمة قوة، وللشعر هيبة وسلطة على النفوس، فهو بمثابة "وزارة الإعلام" أو "وزارة الدفاع"، أو أسمى من كل ذلك...
مقصودي ليس ما مضى مما ذكرت وأكثرت، ولكن أردت أن أقول ما يلي:
إن شاعرنا الكبير خلف بن هذال العتيبي شفاه الله وعافاه قد ذكر في أكثر من لقاء كيفية صعوده في سماء الشعر الوطني الفسيح، وهو أنه لما جاء من الكويت فزع إلى شيخ عتيبة في عهده تركي بن فيحان بن ربيعان - رحمه الله رحمة واسعة وأسكنه فسيح جناته وأعقب له في ذريته خيرا كثيرا - وهو أمير الفوج التاسع بالحرس الوطني السعودي، وذلك في الطائف في عام ١٣٨٤ في عهد الملك فيصل رحمه الله، وكانت مقرات الدولة في ذلك الوقت في الطائف، فقال له تركي: يا خلف لماذا تركت الكويت؟ قال: والله يا طويل العمر ما كتب الله لي نصيبا فيها.
قال له: غدا حفل أول فرقة من الحرس الوطني تحور عسكريا، وهي فرقة "ابن جريس"، وغدا الحفل بعد صلاة المغرب، برعاية وزير الحرس الوطني الأمير عبدالله بن عبدالعزيز آل سعود، تستطيع أن تنشئ قصيدة؟
قلت: أقدر بقدرة الله.
قال لسائقه "خالد" تعال، خذ خلف، واذهب به للمكان الذي يريد، وكنا على ونيت الحرس ٦٤، لازمه حتى يفرغ من القصيدة.
ذهبنا إلى "قهوة" خلف "فندق مسرة"، كانت صحراء، جلسنا على مركازنا نشرب الشاي، أذن الفجر واكتملت القصيدة.
وكان تركي ساكنا في "الشرقية"، فلما رجعنا إليه سألني بشر؛ قلت: جاهزة يا طويل العمر، قال: علمني، فألقيتها أمامه، فأعجب بها.
وكان الحفل والعشاء بعد صلاة المغرب، وكانت الإذاعة فقط هي الموجودة، لا يوجد تلفاز، والحفل لا يوجد فيه حتى إذاعة.
قال تركي للأمير عبدالله: هنا شاعر عتيبي جاء من الكويت يريد يلقي قصيدة، قال: ما يخالف.
جلس وزير الحرس الوطني الأمير عبدالله على الكرسي، وأخذ الشعراء يلقون ما لديهم، في أوراق مكتوبة، فتضايقت، وأتيته وقلت: يا طويل العمر قصيدتي جاهزة، قال: بعدين.
وأنا أعود وأجلس في "الونيت"، وإذا الحفل شارف على النهاية، فأتيته وقلت: قصيدتي جاهزة، تريدني ألقيها أو أذهب؟ قال: اذهب، وهو مغضب، فأرجعوني خلف الصفوف، وذهبت مغضبا.
الآن سيقلطون على العشاء، والشيخ تركي ضائق صدره، ووزير الحرس أراد أن يخرج يقضي حاجة له، فرأى ذلك الرجل عليه بشت، فسأل العسكري من هذا؟ قال: تركي، وهو يذهب إليه دون أن يشعر، ويأتيه من وراء، ويضغط على كتفيه، قال: يا طويل العمر لا توجعني، قال: وش ادراك؟ قال: أعرف لا يأتيني في هذا المكان سواك، وقام مع الوزير وحب يده وخده، قال: أنا طالبك يا طويل العمر، قال الوزير: لا، لا، هذا مجنون، قال: أنا طالبك يلقي قصيدته فقط.
أنا كنت في "الونيت"، فنادى علي تركي، يا خلف يا خلف، فأتيت، وألقيت القصيدة أمام الوزير، فأعجب بها، وقال: من أين جئت؟ قلت: من الكويت يا طويل العمر، قال: ولماذا تركت الكويت؟
قال: أبحث عنك يا طويل العمر.
فأمر بأن يعين من غد في وظيفة "جندي سائق"، وراتب الجندي في ذلك الحين ١٥٠ ريالا، والجندي السائق ٢٧٠، ويعين في مكتبي الخاص، وخويي الخاص.
قال أبو عبدالملك:
هي خصال وخلال، أسباب وأرزاق، انظر أولا لموهبة خلف التي استغلها، ثم للشيخ تركي بن ربيعان كيف قدر هذه الموهبة، وقدم هذا الشاعر للمقام الذي يستحقه، ثم قبول الوزير لطلب خلف وطلب تركي قبله، ثم تلك المكافأة وذلك التعيين.
إذن موهبة شخصية، عرف صاحبها بها مكانته، ثم سعى في طلب الرزق، وآخر يكافئ هذا الإنسان الموهوب بتقديمه لمكان يستحقه، وإنسان ثالث يستقبل هذه الموهبة ويكافئ عليها، ثم انظر ما آلت إليه الأمور بعد ذلك، أصبح خلف هو خلف بن هذال العتيبي شفاه الله وعافاه، شاعر الوطن الكبير، وشاعر الملوك، وشاعر الجنادرية.
في هذه القصة عبرة، وهو التأكيد على ضرورة إحياء المواهب المدفونة أو المتوارية، والتحفيز على ذلك بالمكافآت العينية والمعنوية، حتى نخلق من الأفراد الموهوبين "مجتمعات موهوبة"، وهو أيسر طريق للإبداع، وأعظم سبيل للنجاح: اكتشاف الموهوبين ودعمهم بكل وسيلة خيرة، وتصديرهم للإعلام والوظائف والأعمال اللائقة بمواهبهم.
وللأسف أقول:
إن لي تسع سنوات في التعليم الحكومي، لم أر اهتماما يذكر أبدا في اكتشاف الموهوبين وتحفيزهم، وغالب ذلك مرجعه لإدارات المدارس، فلا تفعيل للإذاعة، ولا للمصادر، ولا للمكتبة، حتى كرة القدم لا تستغل! والله المستعان.
إذن كيف يشتاق الطالب لهذا الجو المريض الكئيب؟!
كيف يبدع؟ كيف يخرج موهبته؟ أم كيف يعرفها أصلا في جو لا يعمل ولا يطرب للجمال والإبداع والموهبة؟!
والوالد وكل مسؤول عليه مسؤولية عظيمة في اكتشاف موهبة من تحت يده، وتنميتها، والمكافأ عليها، وإلا فلا إبداع ولا جديد.
وخلاصة الأمر:
صنع الموهبة أو اكتشافها وتنميتها من عمل الرجال الأحرار.
بقلم/
عبدالرحمن بن مشعل العوفي.
طبرجل- السبت- ١٤٤٨/٥/٦. Abdurrahmanalaufi@gmail.com
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق