الأربعاء، 2 سبتمبر 2026

قيد الخاطر- (مجتمع مريض)

قيد الخاطر- (مجتمع مريض)

يقرؤون كثيرا، ولا يطبقون معشار ما يقرؤون، أولا يقرؤون، ولا يطبقون، أو يطبقون خلاف ما يقرؤون، هذا مجتمع مريض.
يتكاتفون على الفرح بمصيبة الآخرين في السر إن كانوا كرماء ولو قليلا، ويتظاهرون بالسخط علنا، أو حتى لا يتظاهرون، فكل ما عليهم من تقاسيم يدل على بعض حقيقتهم، غير أسوياء ظاهرا وباطنا، وهؤلاء هم اللؤماء...بل هذا مجتمع مريض...
الترقية والعلاوات حسب المصلحة الشخصية الفردية، وينحى المبدعون جانبا، ويسلم الكفؤ لعمل هو غير مبدع فيه، هذا مجتمع مريض...
الأمين يبصق في وجهه، ويسخر منه، ويرون أمانته "قلة رجولة"، والخؤون يحتفى به ويكرم، ويصفق له، ويرونه رجلا، لا، بل بطلا...هذا مجتمع مريض...
المؤدب المحترم، النبيل صاحب المروءات والخلق الحسن يرونه إما متصنعا، أو كما يقولون "قليّل عرف"، أو شخصية ضعيفة، هذا مجتمع مريض...
فهم الدين على كونه مظهر فحسب، وتضخيم أمر المظاهر الإسلامية، كتوفير اللحية وتقصير الثياب، وبناء المساجد، على حساب أمر الباطن، فلا يعتنى بأعمال القلوب قراءة وفهما وتعليما، فلذا ترى بعض من يدعي التدين يطيل لحيته ويقصر ثوبه، ثم يخيل إليه عقله الباطن وفهمه المريض أنه أحد أجلة العلماء أو من حقبة التابعين، ثم يشمخ بأنفه ويصعر خده ويتكبر على الناس لأنه لا يملك سوى إطالة شعيرات، وتقصير بعض الثوب، وبعض العبادات المظهرية، وفي رصيده بعض الريالات، أما أعمال القلوب، فما خطرت له على بال...هذا مجتمع مريض...
يسارع في التبديع والتفسيق والتكفير، ويتكتل ويتحزب، ويرمي المتحزبين بأقذع سباب وأفحش خطاب...هذا مجتمع مريض...
لا يعرف من "التربية" إلا "الضرب"، يضرب فعلا أو يضرب قولا، ومن الضرب المعنوي ما يكون أنكى في النفس من جراح الضرب الفعلي، ولا يعرف أيضا من "التربية" إلا رؤية المساوئ، ثم تضخيمها، وعدم نسيانها...هذا مجتمع مريض...
من يعق، ومن يهجر، ومن لا يرى فضيلة أن تسلك طريق العفو، فيرميك ب "قلة المراجل" مثلا، أو ب "ضعف الشخصية"، هذا مجتمع مريض...
أن ينسى الزوجان أمر العشرة بالمعروف، أو أحدهما لأي سبب، ثم يتبع ذلك سباب وشتام وخصام وطلاق، ثم ينسى الزوجان أو أحدهما لأي سبب ما كان بينهما من فضل ومعروف، والله يقول: (ولا تنسوا الفضل بينكم...)، ثم يسعيان أو أحدهما في إلحاق الضرر بالآخر، أو بالانتقام من الآخر بالأولاد ذكورا أو إناثا، ولا يرعووا عن فعل كل نقيصة، ويسعى أهل الزوجين أو أحدهما لإشعال النار على النار، ولا يحكمون لا شرعا ولا عقلا ولا عرفا، هذا مجتمع مريض...
أن ينسى الأصحاب فضل بعضهم على بعض، فيتفرقون، ثم يفضح بعضهم بعضا، هذا مجتمع مريض...
أن تدخل المجلس وتسلم، ولا تسمع من يرد عليك من قلب أو بغير قلب، أو يدخل أحدهم ويسلم من طرف أصابعه، هذا مجتمع مريض...
أن تصرح ولا تلمح لمن أمامك في شيء من النقد الجارح، أو القول الفاضح، كأن تقول: معك رائحة عرق، أو تذكر له قصصا مشينة، فيها ذكر للسوءات ووصف للعورات، خلاف المروءات، هذا مجتمع مريض...
أن تهدي لبعضهم كتابا، فيرفض قبول الهدية، تقول له: أعطها ولدك، فيرفض أيضا، أو يقبلها أحدهم لكن لا يشكر ولا يثني، هذا مجتمع مريض...
إخلاف الوعد، والكذب، والغش، والنفاق وقل ما شئت، وعدد ما لا حصر له من صفات السوء وخلال النواقص، لتلمحها جلية بينة في مجتمع قلب الموازين، وعكس الفطر، أحل ما حرم الله، وحرم ما أحل الله، أعني: استحل ذلك بفعله وليس شرطا بقوله، فمن أميز صفات المستحل: التكرار والإصرار، حتى أضحت صفات لمجتمع يرى هو نفسه مجتمعا راقيا متمدنا صحيحا سليما، لكن الحقيقة تجهر بالحق دوما في إباء: مجتمع مريض...
عندما تتحلل من الدين والعقل والعرف، وتتقمص أحط الأدوار وأبأس المشاهد، فإن العقلاء والحكماء لن ينظروا إليك إلا من منظار واحد "إنسان مريض"، مرادف كلمة "مجتمع مريض".
 فالمرض أصيل في هذا النوع الإنساني البئيس، يظنه ترقى، وما علم المسكين أنه إلى الهاوية...
وحتى لا أبعث اليأس والبؤس في النفوس أحب التنويه إلى أن هذا الكلام هو عن جزئية في المجتمع، وهو المرض، فلم أتطرق هنا إلى الصحة، وإلى الجانب المشرق في المجتمع، ولكن لعل الحديث يوقظ من غفل، ويحرك من خمد، فإن الذكرى تنفع المؤمنين. 

بقلم/
عبدالرحمن بن مشعل بن حضيض العوفي الحربي. 
طبرجل- الأربعاء- ١٤٤٨/٣/٢٠
Abdurrahmanalaufi@gmail.com