الخميس، 22 أكتوبر 2026

فوائد من لقاء (سائح في دنيا السير، الضيف/ محمد بن سعود الحمد)

فوائد من لقاء (سائح في دنيا السير، الضيف/ محمد بن سعود الحمد)

ظهر شيخي الأديب الأريب محمد بن سعود الحمد التميمي وفقه الرب العلي في لقاء بعنوان "سائح في دنيا السير"، في برنامج "مجلس سرى" من برامج "جمعية تأصيل التعليمية" في بريدة.
اللقاء مدته ساعة وست وخمسون دقيقة تقريبا. 
استمعت باستمتاع، وهذه بعض فوائد اللقاء. 

١- السير نوعان: ذاتية، وغيرية.
الذاتية ما يكتبه الشخص عن نفسه، والغيرية: ما يكتبه عن غيره، مثل "الأعلام"؛ للزركلي، و "سير أعلام النبلاء"؛ للذهبي.
وأحصيت السير في الأعلام وهي غير مرقمة، وعددها: ٥٣٧٦ تقريبا. 
والسير الغيرية منها سير عامة، مثل كتاب الزركلي والذهبي المتقدم، وهناك سير غيرية مفردة، مثل "سيرة ابن هشام"، عن الرسول صلى الله عليه وسلم، ومثل كتب العقاد "عبقرية محمد صلى الله عليه وسلم"، "عبقرية الصديق رضي الله عنه"، "عبقرية عمر رضي الله عنه"، وعن سعد زغلول باشا، وغيرهم.
والكتب التي تتحدث عن ابن باز وابن جبرين وأحمد شوقي، رحم الله الجميع. 
٢- أكثر كتاب أصابني بالهم كتاب "مرآة حياتي"، صفحاته ٨٠٠ صفحة، مؤلفه عماد مصطفى طلاس، وزير الدفاع السوري في عهد المقبور حافظ الأسد، وهو سني، وألف له هذا الكتاب في ثلاثة أجزاء.
قرأته كاملا، ولم أستفد منه إلا فائدة واحدة، وهي قصة عن عمر أبو ريشة.
يقول بأن رئيس الوزراء سعدالله جابري في لبنان قبل الحكم العلوي، وسعدالله هذا له مذكرات.
يقول طلاس أن عمر أبو ريشة كان يهجو سعدالله جابري لأخطاء سياسية، فلما مات، بكى عمر أبو ريشة، وجاء إلى بيت سعدالله جابري وهو في الكفن، وكتب قصيدة في رثائه، يقول فيها:
شهد الله ما انتقدتك إلا * طمعا أن تكون فوق انتقادي
وأنصح بحفظها.
٣- هناك كتاب "عشت مرتين" لحمدي قنديل، له برنامج "قلم رصاص".
حمدي قنديل كان يلقي خطابات أيام جمال عبدالناصر في تمجيده في "إذاعة صوت العرب"، وأثر فعلا في كثير من العرب.
العقاد يسمونه "جبار الفكر"، ولم يسافر إلا للسودان.
يقول: "أنا أسافر في عقول الآخرين من خلال كتب الرحلات".
٤- ليس كل مشهور جيد.
٥- نجيب محفوظ اسم لامع في الرواية وله صدى وصيت في مجاله، وقد جلست معه في عام ٢٠٠٢، في عشاء في الباخرة، لما فزت في مسابقة "أمير الشعراء".
اكتشفت أنه لا يطبع من رواياته سوى ثلاثة آلاف نسخة، وهو الفائز ب "جائزة نوبل"!.
أحد التجار قال لي: أفتح الجرائد وأجد اسمك أمامي لما فزت بالجائزة، أي مكتب تدفع له؟ يقول التاجر: أنا كل سنة أدفع ثلاث مئة ألف ريال لأحد مكاتب الدعاية والإعلان في شارع العليا العام، ولا أظهر في الجريدة إلا كل أسبوع!. 
يسميه زكي مبارك "المجد الأدبي"، هذا الذي يبحث عنه التاجر وغيره كثير.
٦- أنا في كل شيء في شؤون الحياة العلمية والعملية والاجتماعية عندي قاعدة رأيتها رأي العين "وأما ما ينفع الناس فيمكث في الأرض".
٧- هناك نوع من السير أسميته "السير المتحركة"، لا نأخذه بغير مجالسة العلماء والأدباء.
٨- مواصفات السيرة الجيدة:
* الصدق.
وأنا أسميه "عطر الوجود".
وأفضل طبعة كتاب أحمد أمين "حياتي"، طباعة الدار المصرية اللبنانية، ومن أفضل مزاياها: الصدق، وقد نص عليها. 
 يقول أستاذنا عبدالوهاب مطاوع رحمه الله: "لو صدرت مذكرات ماسح أحذية؛ لبادرت باقتنائها؛ لكي أطلع على تجربته الإنسانية".
و "العقيلات" ليسوا علماء، لكن عندهم تجارب خصبة.
وشيخنا العلامة د. محمد رجب البيومي رحمه الله له كتاب اسمه "النهضة الإسلامية في سير أعلامها المعاصرين"، موسوعة باذخة. 
جلست عشر سنوات أطارده وألح عليه؛ ليكتب سيرته الذاتية، وكتبها وعمره سبعة وثمانون عاما.
زرته ففاجأني، وأهداني كتابه "ظلال من حياتي"، فكبرت، وقلت: سبحان الذي هداك يا شيخنا، قال: يعني بنتسلى. 
وقلت له: لماذا لا تكتب سيرتك الذاتية؟
قال: ما يكتب سيرته إلا من كان كثير الأمجاد، أو كثير المناوشات، أنا من البيت إلى الجامع إلى الجامعة.
وسيرته في مئتي صفحة، من أمتع السير، تكلم عن طفولته.
وهو من الثلاثين شخصا الذين أدعو لهم بأسمائهم.
ماتت زوجته، وزرته في بيت قديم في المنصورة، لوحده يسكنه، لم يتزوج بعد وفاة زوجته، ورثاها رحمها الله في ديوانين من الشعر، واسمها عصمت، أم حسام.
ماتت في الرياض، ودفنت فيها، وهو كان يدرس في "جامعة الإمام" بالرياض.
زرته قبل وفاته بأشهر وهي آخر زيارة، أمسك بيدي وأخذني إلى غرفة فيها سرير قديم، وأشر على صورة على حائط الجدار صورة أبيض أسود، صورة امرأة، قال: رأيتها؟ قلت: لا، من هذي؟ قال: عصمت، قلت: عصمت من؟ قال: زوجتي، عصمت أم حسام، وهو يبكي. 
يقول: ليس عندي أي صورة لزوجتي، مع أن المصريين كانوا يصورون، فاتصل علي أحدهم مرة، من جماعتنا وقال: أريد زيارتك، قال: تفضل، وهو كان لوحده، وعنده كرتون ميرندا بنصف ريال، قال: تفضل الميرندا تستناك.
جاء الرجل وقال: هذا كنز كم تدفع؟
فأخرج الصورة وإذا بها صورة زوجتي، فتهيجت وهاجت الأحزان، فبكيت، واحترت أبوسه أو أبوس الصورة، فكنت أعيط وأضحك!.
ومن فوائد السير المتحركة: رؤية معاني فاضلة، ومنها الوفاء، كما في هذه القصة.
٨- وضعت في كتابي "فن البوح وترجمة الذات" بابا بعنوان: "من يستحق أن يكتب سيرته الذاتية؟".
أحمد أمين في كتابه "حياتي" ذكر زبدة السبب في نشره لسيرته الذاتية بكل تواضع وصدق.
٩- طه حسين فصل الأدب عن الأخلاق.
١٠- من فلسفتي في الحياة بيت شعري جميل للمتنبي:
لي هوى النفوس سريرة لا تعلمُ
١١- كثير من الصراعات تتخفى أو تتوارى وراء ستار اسمه "الإصلاح" أو "النقد العلمي" وحقيقته "صراع النفوس"، إما لقضية دنيوية، أو فعلا دينية، ولكن صاحبها لا يريد سوى الانتقام، لا الإصلاح!.
١٢- كتاب "الغربال" مؤلفه ميخائيل نعيمة .
١٣- جلال أمين كتب عن أبيه أحمد أمين بأنه لا يصلي ولا يصوم ولا يهتم بالأمور الدينية.
أحمد أمين هو الأديب الملتزم في القرن العشرين.
في منتصف القرن العشرين هبت عاصفة أو موجةغربية؛ قطفت رؤوسا كبيرة.
أحمد أمين ظل معتزا بدينه إلى آخر حياته، وهو من أشد المنافحين عن العقيدة السلفية في مصر، وترجم للشيخ محمد بن عبدالوهاب رحمه الله ما كتب مثلها علماء نجد في كتابه "زعماء الإصلاح في العصر الحديث". وكتابه الآخر "قاموس العادات والتقاليد والتعابير المصرية"، في حرف الضاد "ضريح"، تكلم بكلام عظيم عن الأضرحة في مصر، ونقدها، وأسهب في ذم الأضرحة.
جلال أمين أخطأ بكل حال، حتى لو في والدك سوأة؛ لا تخلدها في كتاب.
وأبوه له كتاب بعنوان "إلى ولدي".
جلال أمين وإخوانه درسوا خارج مصر.
الكتاب طبع في عام ١٩٥١ ميلادي تقريبا الطبعة الأولى.
وهذا الكتاب مليء بالنصائح الدينية، ومما فيه: "والأنس بالدين طبيعة النفس وراحة الروح".
وقال: "ودلتني التجارب على أن عنصر الدين في الحياة من أهم أسباب السعادة".
١٤- الطبعة الثانية من كتابي "معجم كتب السير الذاتية" بلغت تسعة آلاف كتاب.
١٥- الشيخ محمد بن ناصر العبودي عليه رحمة الرب العلي "عميد الرحالين العرب" زرته في الرياض، وقد تكلم عن معاجمه التي ألفها، مثل "معجم أسر بريدة"، وغيرها، ومما قال: يا أبا سعود، الذين تكلمت عنهم في المعاجم؛ أدخلتهم التاريخ. تحسب الكتب مثل الطماطم يومان وتفسد؟! الكتب تبقى إلى قيام الساعة، القيمة والتافهة.
١٦- الكاتب محمد حسنين هيكل يظهر في قنوات كثيرة منها "قناة الجزيرة" وله مؤلفات قريب من أربعين كتابا، يأتي بوقائع في بعض كتبه ويذكر بعض الأسماء.
ظهر اللواء جمال حماد وهو من 'الضباط الأحرار" في "جريدة الأخبار"، ويسمى "مؤرخ الثورة"، ومحمد حسنين هيكل يسمي نفسه "صحفي الثورة"، وهو الذي يصوغ خطابات جمال عبدالناصر. 
الشاهد أصدر جمال حماد سلسلة مقالات يكذب فيها هيكل.
لا تستعجل في الحكم على شخص لأنك قرأت عنه لا منه.
١٧- يقولون طه حسين يمنع الغيبة في مجلسه، إذا تكلم أحد يقول: يا فندم اسكت.
وإذا اغتاب أحد في مجلسه أحد الأدباء الأموات؛ يقول: بيسلم عليك أبو العلاء المعري. 
فيه أديب مخضرم عرف المقصود، وهو بيت شعري لأبي العلاء:
لا تظلموا الموتى وإن طال المدى * إني أخاف عليكمو أن تلتقوا
١٨- الشيخ محب الدين الخطيب رحمه الله توفي عام ١٣٨٩، وله سيرة صغيرة، وهو ناشر السلفية في مصر. 
أنشأ "مجلة السلفية" في أول القرن العشرين، صدرت منها ثلاثة مجلدات، وأعدادها في "دار الكتب المصرية"، وكان في العشرين من عمره، ثم أنشأ "المطبعة السلفية" في مصر، وهو الذي حقق "فتح الباري" لابن باز، وطبعه، وكتابه "مع الرعيل الأول"، درسناه في "المطالعة"، عن الصحابة رضي الله عنهم جميعا، أنصح الشباب به.
ولا يوجد أحد كتب عن الصحابة رضي الله عنهم بأسلوب بديع رفيع مثل الشيخ محب الدين الخطيب والشيخ عبدالرحمن بن رأفت الباشا رحمهم الله جميعا في كتابه "صور من حياة الصحابة". 
ومحب الدين الخطيب أجمع الناس على محبته، السلفيون والتيارات الإسلامية المختلفة، والأدباء، ورجال الأعمال، وشيوخ الأزهر، وليس له عدو، ولا أحد يصنفه، مقبول من الجميع، وهو خال الشيخ علي الطنطاوي رحمهما الله. وعرف الطنطاوي على أحمد حسن الزيات رحمه الله صاحب "مجلة الرسالة".
وكان بعض المتربصين يشوشون على السلفيين بما ذكره الطنطاوي في ذكرياته عن خاله من أنه قام لصلاة الفجر ولم يقم أحد معه لما كان عند خاله، ورد هذه الشبهة سهل وهو أنه لا دليل فيها على عدم صلاته للفجر على كل حال، قد تكون في تلك المرة غلبته عيناه.
أنا لما أذهب إلى القاهرة أسكن في فندف في "حي منيل الروضة"، وخلف الفندق بشارعين شارع اسمه "الفتح"، وفي زاوية الشارع بيت محب الدين الخطيب على ثلاثة زوايا، وعليه لوحة مكتوب عليها "المطبعة السلفية"، وهو ذات البيت الذي زاره فيه الطنطاوي، والطنطاوي لعله نام في إحدى زوايا البيت، ومحب الدين الخطيب في زاوية، أو لعله خرج من باب آخر. 
أنا جمعت بفضل الله تعالى وألفت كتابا بعنوان "مقالات العلامة محب الدين الخطيب" طبع عام ١٤٢٨.
١٩- من "السير المتحركة":
زرت الشيخ العلامة المحدث محمود ميرة، من حلب، زرته في الرياض في "حي الربوة"، وكانت أول زيارة لي، وهي الأخيرة، فتح الباب، وكان يرتعش أو يرتعد من كبر سنه، وبعدها توفي رحمه الله. 
وكان أحدهم يعرف بي، فقال: هذا الذي جمع مقالات محب الدين الخطيب الذي لا يصلي.
قام الشيخ محمود ميرة مغضبا وهو يرتعش، قائلا: لا تقول هذا الكلام، لا تجيب هذا الكلام، من أنطقك؟ الشيطان أنطقك!.
أنا خريج القاهرة، أتردد عليه دائما في "المطبعة" إذا أذن؛ كأنه شاب، وعمره في السبعين، إذا أتى أحد يريد يشتري، يصعد السلم ويأتي بالكتاب، مع أنه عنده عمال، فإذا أذن؛ أخذ بيدي وذهبنا للصلاة. 
والشيخ عبدالله العقيل له كتاب "من أعلام الدعوة الإسلامية"، عمره الآن مئة تقريبا، من أهل "الزبير"، مقيم بين الكويت والأردن، وكان يقول أنا ممن لازمت محب الدين الخطيب، والكلام مكذوب عليه.
٢٠- لدي أكثر من معجم: معجم السير الذاتية، معجم كتب التراجم العامة، اقتربت منهم.
العلم المأكول المذموم هو "المعاجم".
٢١- سافرت إلى العلامة عبدالوهاب التازي رحمه الله في الرباط، وكان سفير المغرب في بغداد، فسمى بيته "دارة بغداد"، مثل الشيخ محمد الجاسر سمى بيته "دارة العرب".
كتابي اسمه "معجم الرحلات العربية والمعربة"، فنصحني بتغييره إلى "موسوعة...".
مع أن الشيخ محب الدين الخطيب لا يؤيد كلمة "موسوعة"، يقول: ليس لها أصل في اللغة العربية. الأفضل والأدق كلمة "معلمة".
في بدايات تأليفي للموسوعة زرت "مكتبة الملك فهد" و "مكتبة الملك عبدالعزيز العامة" و "مركز الملك فيصل للبحوث والدراسات"، أخذت منهم ما يتعلق بأسماء كتب الرحلات، أعطوني "مركز الملك فيصل" ما يقارب مئة وعشرين عنوانا، وتزيد عنه قليلا "مكتبة الملك فهد"، وعندي في البيت قريبا من ثلاث مئة كتاب في الرحلات.
وذكر شيخنا محمد بن سعود الحمد وفقه الله بعض القصص التي واجهها مع المثبطين، وكيف تجاوزها مستدلا بالمثل: "اللي ما يعرف الصقر؛ يشويه".
المعجم الآن ٦٤٠٠ عنوان "موسوعة الرحلات".
كل كتاب ذكرته في الموسوعة، لي قصة معه.
ذهبت للكنائس، لأن كل كنيسة فيها مكتبة ومطبعة، في مصر وبيروت، فيها كتب نادرة.
"دير الآباء الدومني" في القاهرة في "العباسية" عنده كتب ما رأتها عيني إلا عندهم.
و "كنيسة القديس يوسف" في لبنان، وجدت عندهم رحلة "موسوليني" إلى ليبيا، ولا يوجد في أي مكان آخر. مطبوع في الثلاثينات الميلادية.
سبع سنوات فقط أسافر إلى السعودية للسلام على الوالد والوالدة، عيدت في اليونان، وفي المغرب، وفي مصر.
 أصبت بعدوى عبدالوهاب المسيري "الهوس"، قال لي مرة: عسى ما أصابك الهوس؟ قلت: ما دام في العلم عساه يصيبنا. وكنت ممن أتردد عليه كثيرا، رحمه الله. 
كانت رحلة ممتعة مع مشقتها. 
انقطعت عن أصدقائي، بالجوال فقط، وإذا جئت للرياض أسبوع أو أسبوعان فقط، والذهن مشغول.
٢٢- من "السير المتحركة":
الشيخ محمد بن ناصر العبودي وفقه الرب العلي من عظماء الرجال، ومن نبلاء الرجال.
لما صدرت "الموسوعة"؛ اتصل علي، وسألني: أنت مؤلف "موسوعة الرحلات"؟ قلت: نعم، قال: أنت بنفسك؟
قال: ما شاء الله، كررها ست مرات، أو سبع مرات.
قال: لك علي ثلاثة حقوق.
قلت: أنت من؟
قال: محمد العبودي.
قلت: من محمد العبودي؟ 
ما جاء في بالي.
قال: محمد الناصر العبودي.
ثم قال: لك علي ثلاثة حقوق:
سأكتب عنك في الجريدة، والثاني سأكتب للديوان الملكي يشترون نسخ الكتاب يهدونه لضيوف المملكة، والشيء الثالث: أنا لا أعزم، ولا أستعزم، لكن سأكسر القاعدة، وأعزمك، والذي يظهر أنك شاب.
قلت: نعم.
قال: فلوسك واجد؟ مبين أنك ذاهب على حسابك.
قلت: أكيد على حسابي. 
قال: والله إنك أحسن منا، نحن نسافر على حساب آل سعود الله يطول أعمارهم، على حساب "رابطة العالم الإسلامي"، ويأتيني بدل انتداب، ودرجة أولى الطيارة.
قلت: أعفني من كتابتك للديوان الملكي. 
وقال لي: العشاء عندي، والحضور اثنان ثلاثة فقط.
٢٣- وكنت مرة عند أنيس منصور الأديب، كان يفتخر أنه ألف مئتي كتاب تقريبا، فقلت له: يا أستاذ أنيس عندنا كاتب سعودي مؤلف مئتي كتاب فقط في "أدب الرحلات"، سوى "التراجم" و "الأنساب" و "الأمثال الشعبية".
وقال: كرمتوه ب "جائزة الملك فيصل"؟
ولما أنزل السعودية أقابله، قلت: اسمه محمد بن ناصر العبودي 
٢٤- جلست في المغرب شهرا، أكتب بيانات المخطوطات، وكنت مستأجرا سائقا خاصا.
 كتاب "موسوعة الرحلات" ينقسم إلى قسمين: الكتب المطبوعة، والمخطوطات. 
كنت قد جمعت المخطوطات من بلدة إلى بلدة، ولما أردت السفر إلى الرياض، من خوفي عليها وضعتها أمامي في السيارة، كنا نتحرك من "الرباط" إلى "الدار البيضاء" عبر قطار.
أوقفت السائق، أريد أسحب بعض المال للسائق، فلما سلمته إياه، كان بعض السائقين خلفه يضربون منبه السيارة، فغادر المكان بسرعة بعدما وضع الأغراض ونسي أوراق المخطوطات في سيارته، فذهبت خلفه أركض، وبكيت بكاء الأطفال، وبعد سنة رجعت إلى المغرب بغير الشغف الأول، وجمعت الأوراق بغير روحي الأولى. 
٢٥- لي موقف مع الشيخ محمد بن ناصر العبودي:
قلت له: أنت تثني على كتابي "موسوعة الرحلات" لأنه في مجالك المحبب.
قال: الحمد من الزلفي؟
قلت: نعم.
قال: أنت من قبيلة بني تميم؟
قلت: نعم.
قال: أنت من النواصر؟
قلت: نعم.
قال: ألا تعلم أنني من بريدة؟
قلت: بلى.
قال: 
ما تعرف طبايع أهل بريدة؟
قلت: ما هي طبائع أهل بريدة؟
قال: أهل بريدة ما يجاملون، أنا اتصلت عليك لا تملقا ولا مجاملة، أنا لما قلت: كتاب قيم ونفيس؛ أعني ما أقول. بيض الله وجهك يا ولدي، المهم خل الحكي، إذا جئت، تعال تعش عندي.
٢٦- الأديب فهد التميمي سألني: ما هي عيون السير الذاتية في نظرك؟ فزودته بمئة وخمسين سيرة، ملخص أجمل ما في المعجم "معجم كتب السير" في نظري.
فهد التميمي نشرها على تويتر في حسابه الشخصي.
٢٧- أنا أحب الأديب عبدالوهاب مطاوع رحمه الله، وإذا قرأت كتابه "حكايات شارعنا"؛ فضع بجانبك منديلا، أعطي أسلوب وروح.
المتنبي يقول:
حسن الحضارة مجلوب بتطرية * وللبداوة حسن غير مجلوبِ
من أجمل الكتب التي قرأت "سائح في دنيا الله"، لعبدالوهاب مطاوع رحمه الله. 
أنا أحب الإنسانيات خاصة في كتابات عبدالوهاب مطاوع رحمه الله، كأنه يأخذ بيدك في جوه الخاص، لبراعة وصفه.
من دلائل عظمة الله: "علم بالقلم".
٢٨- شيخنا ابن عقيل الظاهري الله يختم له بخير يصف الكتاب الجيد بقوله "الكتاب الفحل".
أصبت بمرض من عشرين سنة كأنه "نفاضة": إذا رأيت كتابا فحلا؛ لا أستطيع أقرؤه قبل ثلاثة أيام، تصيبني رهبة الانبهار. 
كتاب "الحوار الأدبي حول الشعر"، للدكتور محمد أبو الأنوار من آيات الله العظمى. فيه معلومات، وتحليل معلومات، وفاز به في "جائزة الملك فيصل"، وعمره لما ألفه كان ستة وعشرين عاما، ومصادره كله مجلات قديمة، وبراعته في التحليل. 
٢٩- هذه أسئلة طرحت عليه وأجاب عليها:
س/ السيرة التي تقول للقارئ ابدأ بها؟
حياتي، أحمد أمين. 
س/ هل ستكتب سيرتك الذاتية؟
كتبت عنوانها "أمسي".
س/ الشيء الذي لن تكتبه في سيرتك؟
ما يغضب الله، ويخالف الدين والأعراف. 
س/ السيرة التي استوقفتك؟
حكاية شارعنا، أثرت في نفسي جدا.
عبدالوهاب مطاوع كاتب إنساني رحمه الله. 
عبدالوهاب مطاوع رحمه الله أديب وصحفي و "جمعية خيرية"، أقابله في "جريدة الأهرام" و "جريدة الشباب" كان مديرهما، فأجد عنده طوابير من المعاقين والمحتاجين. مكتبه في "مجلة الأهرام" فتحه لخدمة الناس. كان إنسانا في كتاباته وواقعه.
يذكرني به البيت الذي يقول:
شم الأنوف كريمة أحسابهم * ...
عبدالوهاب مطاوع رحمه الله من الطراز الأول من المثقفين.
دوامه ثمان ساعات، ويقابل المحتاجين والمرضى، ويعالج مشاكل الشباب والطلاق.
ومع كل هذه الأعباء يقرأ يوميا ٣٠٠ صفحة بالعربية والانجليزية والفرنسية. 
كان معه فشل كلوي، وهو يغسل الكلى كتابه في يمينه يقرؤه، وعند الانتظار!.
س/ شخصية تتمنى أن يكتب عنها؟.
أتمنى أن يكتب الملك سلمان بن عبدالعزيز آل سعود أعزه الله بالإسلام والسنة والتوحيد سيرته الذاتية، وأنا عرفته عن قرب في مجالسه الخاصة.
وهو مثقف من طراز فريد، وقارئ نهم، وأحيانا أسأله بالجوال، لا يشفي غليلي إلا هو. مطلع اطلاعا واسعا على السير.
أحيانا أحضر له كتابا عند صلاة المغرب، وغدا ينتهي منه، ونتناقش فيه. ومعه في جيبه العلوي دفتر صغير، يسجل فيه بعض الفوائد.
وفي عام ١٤٣١ أرسلت له خطابا لما كان أميرا للرياض، اقترحت عليه كتابة سيرته الذاتية فرد: الوقت لا يسمح.
كان سلمان بن عبدالعزيز آل سعود صديقا للعلماء والأدباء، كان يطمئن على الشيخ بكر أبو زيد والشيخ الفريان، شاهدته لما يتصل، ويطلب من المستشفى يوميا إرسال تقرير عن حالة المريض.
عبدالوهاب المسيري رحمه الله مات بالسرطان، أخبرني قبل موته بأن مكتب الأمير عبدالعزيز بن فهد اتصلوا به وأخبروه بأن الأمير عبدالعزيز سيتكفل بقيمة علاجه في أمريكا، وسيرسل لك طائرة خاصة.
ومن الغد اتصل علي مكتب الأمير سلطان بن عبدالعزيز وقالوا لي: الأمير سلطان يتكفل بكل مصاريف العلاج، ونفقات المرافقين، قد يكونوا لم يعلموا باتصال مكتب الأمير عبدالعزيز بن فهد. 
يقول: فقلت: اللي سبأ؛ أكل النبأ.
فوافق على عرض مكتب الأمير عبدالعزيز بن فهد، واعتذر من مكتب الأمير سلطان بن عبدالعزيز. 
وقال بأن مكتب الأمير سلمان في وقته اتصلوا بي وقالوا: الأمير سلمان معجب بكتابك "موسوعة اليهود واليهودية والصهيونية"، ويريد مئة نسخة بنصف مليون ريال، حتى لا يجرح الرجل، فأعطاه المبلغ، ولم يستلم النسخ.
محمد حسنين هيكل مثقف كبير، عريق، ومطلع. من أكبر القراء في هذا العصر، قارئ إلى قبل وفاته بأسبوع، وعمره ٩٤ عاما، جاءته الكتب عبر "DHL" من بريطانيا وأمريكا! وكان له مواقف ضد المملكة العربية السعودية، وألف كتابا عن "الملك فيصل"، لكنه حذفه بعد ذلك، ألفه أيام جمال عبدالناصر. توفي عام ٢٠١٦ تقريبا. 
ذكر عبدالله السناوي له كتاب "هيكل بلا حواجز" عن هيكل من خلال لقاءاته به.
يقول: لما توفي هيكل؛ طلب الأمير سلمان في وقته رقم تليفون زوج هيكل ليعزيها، وهي هداية تيمور من عائلة العلامة أحمد تيمور باشا، فلم يجدوا رقمها، والسفير السعودي أحمد قطان لم يجد رقمها، فاتصلوا بتلاميذ هيكل: عبدالله السناوي، ومصطفى بكري.
الملك سلمان يحترم المثقفين حتى لو اختلف معهم في الرأي.
وهيكل أكبر عدو للملكة من الناحية الكتابية، ويعزي فيه الملك سلمان، هذه النفوس الكبيرة، تترفع عن الأحقاد، وعن السوداوية. 

بقلم/
عبدالرحمن بن مشعل العوفي. 
طبرجل- الخميس- ١٤٤٨/٥/١١.
Abdurrahmanalaufi@gmail.com

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق