عندما أرى طالبا لا يهتم بدروسه، غير مهندم في لباسه، غير نظيف الشعر، أظافره متسخة وطويلة، أقول في نفسي دون الجهر من القول: من ضيع المفتاح؟!
عندما أرى طاقم العمل، أو كتيبة العمال أو جمهرة الموظفين لا يؤدون واجباتهم كما ينبغي، بل ثمة تقصير كبير، أقول في نفسي: من ضيع المفتاح؟!
عندما أرى بأم رأسي علاقة مرضية لا صحية بين الأقارب أو الجيران أو الأولاد ووالديهم؛ أسأل نفسي: من ضيع المفتاح؟!
عندما أرى الأصحاب يتصاحبون لمجرد المصالح، فهم أصحاب في الظاهر وعندما تحضر المادة، ولكنهم عاديون جدا في الباطن، وهكذا هم الناس؛ أسأل نفسي بصدق: من ضيع المفتاح؟!
عندما تشيع الفاحشة، ويظهر الزنا، ويصبح أمر العري حضارة وتقدما، وأمر الحجاب تخلفا ورجعية؛ أسأل نفسي: من ضيع المفتاح؟!
عندما يصدق الكاذب، ويكذب الصادق، ويخون الأمين، ويؤتمن الخائن، ويتصدر المجالس ووسائل التواصل الاجتماعي ومنصات الإعلام التافه الحقير من الناس؛ أسأل نفسي بصدق وحرارة: من ضيع المفتاح؟!
عندما يقدس اللعب، ويشجع العهر والفجور، ويتوارى الصلاح أو الإصلاح؛ أسأل نفسي أنا: من ضيع المفتاح؟!.
عندما أرى التراشق بين أبناء الصف الواحد، والبيت الواحد، والقبلة الواحدة، والمنهج الواحد بأنواع من السباب والشتائم والتحريض؛ أسأل نفسي حسرة: من ضيع المفتاح؟!
عندما أرى من حمل الأمانة وقد ضيعها، وفرط في القيام بما أمر به؛ أسأل نفسي: من ضيع المفتاح؟!
إنني في تلك المنزلة "منزلة المحاسبة"، وهي من منازل السائرين إلى الله رب العالمين، وقد ذكرها ابن القيم رحمه الله في كتابه العظيم "مدارج السالكين في منازل السائرين"، وأنصح بهذا الكتاب العظيم جدا، وطبعة عطاءات العلم، فهي أفضل طبعات الكتاب.
أقول:
إنني في تلك المنزلة ظللت محاسبا نفسي، سائلا لها: من ضيع المفتاح؟!، وهذا المفتاح الذي أعنيه هو مفتاح معنوي لا حسي، وإذا تأملت هذه الأسئلة فهمت المغزى.
وهذه هي الأسئلة:
لماذا ننشد العدالة والعدل من غير أن نعدل؟ ولماذا نريد أناسا أمناء ونحن لسنا أمناء؟ ولماذا يطالب الوالد بطاعته وبره وهو لم يبذل أسباب البر أو لم يترك لأولاده الفرصة لبره؟ وكل مسؤول لماذا لا يستشعر المسؤولية؟ وكل مسلم لماذا لا يتطلب الحق من جهته ويسعى في العمل له؟ وكل غيور لماذا لا يحافظ على غيرته من أن تندثر، وألا يميع مع الخائضين والمذبذبين والمبدلين؟ وكل شريف لماذا يرضى أن ينصرف همه إلى سفاسف الأمور؟ وكل عربي لماذا لا يقرأ تاريخ أمته الخالد وسفرها الناصع؟ وكل مفكر لماذا لا يسعى في فقه الماضي والحاضر ويسعى بجد لمعرفة الأسباب قبل معرفة النتائج؟!
إن المفتاح ضائع بين كل إجابات تلك السؤالات.
إن المفتاح لحل تلك المشكلات إجمالا هو شيء واحد لا غير، وهو: التحقق بالعبودية لرب البرية.
فمن كان عبدا لله صدقا وحقا؛ كان أمينا، ونزيها، وشريفا، وكريما، وبارا، وصادقا، ومخلصا، ومتطلبا لمعالي الأمور، بعيدا عن سفاسفها، جادا في بذل الخير، ناهيا عن فعل الشر وارتكاب المنكر.
ومن كان عبدا لسواه - من نفس وهوى ومصلحة ومنصب ورئاسة وشهرة ومال -؛ كان حقيرا، مهينا، عاقا، متسخطا، كاذبا، أشرا، بطرا، كافرا بالنعم، معددا للنقم، غارقا في الشهوات والملذات، بعيدا عن مجالس الخير والبركات، آمرا بالمنكر، ناهيا عن المعروف، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.
إن المفتاح الذي أعنيه على التفصيل هو "مفتاح الأخلاق"، من الأمانة والصدق والبر، من تحمل المسؤولية وأدائها، من استشعار هذا الخطب الجلل "الأمانة" التي تحملها هذا الإنسان الضعيف الظلوم لنفسه الغشوم، ولم تتحملها السماوات والأرض والجبال، فكان لزاما على المؤمن الرشيد، العاقل الحصيف الذي ليس بغافل أن يتنبه لهذا، وأن يستشعر عظم ما كلف به، وأن يكون على قدر المسؤولية، عندها يصبح المجتمع نظيفا نزيها، صادقا طيبا كريما، متآخيا متحببا متعطفا، وهو مجتمع بشري، إذن لا غرابة في إصابته ببعض العلل والأسقام، ولكن يجب أن نحرص إذا أردنا النجاة على معرفة الخلل والنقص، بجانب معرفتنا لجوانب الحلول، فنزيل الداء بالذي عرفنا من الدواء، ولا أنفع من دواء القرآن الكريم، وسنة النبي العدنان محمد بن عبدالله - صلوات ربي وسلامه عليه -، قرآن وسنة بفهم سلف الأمة، رضوان الله عليهم أجمعين، ليكن هذا شعارنا ودستورنا.
والعلم، علينا أن نتعلم كثيرا، ونعمل كثيرا، ونؤسس البنيان على قواعد صحيحة، فنكمل الباطن بالظاهر، ونبني الدنيا بجانب الدين، نكون رجالا في الدين رجالا في الدنيا، عندها لن يسأل أحد سؤالي: من ضيع المفتاح؟!
بقلم/
عبدالرحمن بن مشعل العوفي.
طبرجل- الأحد- ١٤٤٨/٤/٢٣.
Abdurrahmanalaufi@gmail.com
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق