الأحد، 1 نوفمبر 2026

قيد الخاطر- (رسالة إلى أخي الغالي محمد بن علي العمري في خوفه من الموت)

قيد الخاطر- (رسالة إلى أخي الغالي محمد بن علي العمري في خوفه من الموت)

أعترف لك أخي الغالي الأستاذ اللغوي المبجل محمد بن علي العمري وفقه الرب العلي بأنني مصاب بمرض الكتابة، وهوس القراءة، ولا يعني ذلك نوعا واحدا من القراءة النظرية المجردة، بل يضاف إليه نوع آخر وهو "قراءة الأفكار"...
وأنا مصاب كذلك بمرض آخر في الكتابة لعله من صالحي وهو "الاستطراد" أو "الاسترسال"...
من صالحي لأنه يفرغ من نفسي ما أجد من ضيق وحرج وقلق، ويقوي ملكتي البيانية، ويطور من أسلوبي، ويجدد من مفرداتي، ويكسبني صفاء الذهن، واتقاد الفكر...
وحتى لا أطيل عليك، أقول لك يا محب:
كلنا في دار العناء والشقاء في كدر ونصب، الملوك ومن فوقهم ومن تحتهم.
والحقيقة الثانية: المحسن يرضى بكل أقدار الله تعالى ويسلم له من قلب صادق مذعن منيب.
والحقيقة الثالثة: الفرج الأكبر، والفوز الأعظم هو في تلك الدار "الجنة"، حيث لقاء الأحباب والأصحاب، وقبل ذلك التمتع بالنظر إلى وجه الله الكريم، والنظر في وجوه الأنبياء والمرسلين، والصحابة والتابعين، فلا تقع العين إلا على محبوب مألوف، مع لذة الخلود المقيم في "دار الإقامة" و "حصن السلامة".
والحقيقة الرابعة: ذكرت العزلة للتشافي من وقع تلك الصدمات، وهو موت أبيك، ثم موت خالتك، وأنت الآن تخاف - خوفا على خوفك - من موتك قبل أمك، أو موت أمك قبلك، فأحب أن أطمئنك: "أغلب المخاوف لا تقع" وأيضا "إذا وقعت المصائب؛ من الوهاب بالمواهب"، فينزل السكينة حيث المصيبة، كما يخرج الحي من الميت، ويخرج الميت من الحي، فإنه سبحانه في علاه يقدر المصيبة، وينزل معها السكينة، فلا تسترسل في الأحزان، فإن الحزن ليس من مدارج السالكين، ولا منازل السائرين، بل هو من عمل الشيطان "إنما النجوى من الشيطان ليحزن الذين آمنوا وليس بضارهم شيئا إلا بإذن اللّٰه وعلى الله فليتوكل المؤمنون"، وقال "ما أصاب من مصيبة في الأرض ولا في أنفسكم إلا في كتاب من قبل أن نبرأها إن ذلك على الله يسير* لكي لا تأسوا على ما فاتكم ولا تفرحوا بما آتاكم والله لا يحب كل مختال فخور".
والحقيقة الخامسة: تذكر أخي الغالي أن أعظم المصائب: موت نبينا محمد صلى الله عليه وسلم، فتذكر مصيبته بأبي هو وأمي عليه الصلاة والسلام، وتعز به في مصابك، واعلم أن الخير فيما اختاره الله للعبد، وإن ظنه العبد شرا "وعسى أن تكرهوا شيئا وهو خير لكم وعسى أن تحبوا شيئا وهو شر لكم والله يعلم وأنتم لا تعلمون".
والحقيقة السادسة: تذكر قوله صلى الله عليه وسلم: (المؤمن القوي خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف، وفي كل خير)، فجاهد نفسك، وقوها بالإيمان، ورقها بالإحسان، وزكها بالقرآن، فالقرآن أعظم مطهر لأوساخ القلوب وأمراض النفوس وعلل الأرواح.
والحقيقة السابعة: لا تنقطع عن فعل الخير واصطناع المعروف، وإعمار الأرض بالصلاح والإصلاح، مهما بدت المشاغل، وظهرت المشاكل، ولا يمنع ذلك من استراحة قصيرة لاسترداد النفَس، ومد الظهر، وترميم ما تكسر، وإصلاح ما فسد، وجمع ما تفرق، وأنت في عزلتك وفي استراحتك لا تنقطع عن عمل الخير ولو بفكرة، والأفكار مبدأ الأعمال، ولا عكس.
والحقيقة الثامنة: كتب ابن قيم الجوزية عليه رحمات رب البرية - عن تجربة - مسلية للروح، مبعثرة للهم، دالة على الجادة، فهي في شفاء أمراض القلوب تأتي بعد القرآن وسنة المصطفى العدنان عليه الصلاة والسلام، ومنها "الداء والدواء" و "الوابل الصيب" و "مدارج السالكين"، و "مفتاح دار السعادة" و "طريق الهجرتين وباب السعادتين"، و "حادي الأرواح إلى بلاد الأفراح"، وغيرها مما لا حاجة للإسهاب في ذكره.
والسلام على روحك الطيبة، وروح أبيك من قبلك، وروح خالتك، وروح أمك، رحم الله من توفي، وأدام الحي في طاعة وعافية. 

بقلم/
عبدالرحمن بن مشعل العوفي. 
طبرجل- الأحد- ١٤٤٨/٥/٢١.
Abdurrahmanalaufi@gmail.com