الأحد، 25 أكتوبر 2026

قيد الخاطر- (الشخص صدام، والفكرة البعث)

قيد الخاطر- (الشخص صدام، والفكرة البعث)

رأيت مقطع فيديو في "اليوتيوب" على قناة "دريد عبدالوهاب" بعنوان "صدام حسين يؤدي الصلاة في الكويت عام ١٩٩٠".
ورأيته يمشي متبخترا مختالا - كخيلاء من خرج من قريش بطرا ورئاء الناس ويصدون عن سبيل الله -.
رأيته وسط جموع من جنوده الذين يصرخون بالنشيد أو الأهازيج، وهم يقولون بنشوة النصر في احتلال الجارة العربية المسلمة: "هاي الكويت وما نعطيها، لحد الموت نقاتل بيها"، وهم في صرخاتهم تلك يرفعون أصواتهم وبنادقهم، في أرض مسلمة عربية مسالمة!
هنا تسقط الشعارات، والخلود للحقيقة، ولا تغني الشعارات المزيفة المنمقة المزخرفة المفبركة عن أهلها غناء الحقيقة عن أهلها.
كل في قدرته ومقدرته وباستطاعته أن يقول ما يشاء، وينظر لما يشاء، ويقنن ما يريد، ويصدر أي شعار يعن على خاطره، ويأتي على فكره، هذا سهل، وسهل للغاية البعيدة، ولكن ليس لكل ذلك أهمية وفضيلة وحقيقة ما لم يترجم على أرض الواقع وفي دنيا الناس.
أرأيت لو أن إنسانا حفظ القرآن الكريم وسنة النبي العدنان محمد بن عبدالله - صلوات ربي وسلامه وبركاته عليه -، وحفظ آثار الصحابة والتابعين، ورفع شعار "الموت للكفار" كما يفعل الخوارج مثلا، ولكن القتل والفتك في أهل الإسلام ومن يقول: أشهد ألا إله إلا الله وأشهد أن محمدا رسول الله"، وفي حزب الله المفلحين، الركع السجود وفي الآمنين والمستأمنين وأهل الذمة، أهؤلاء على منهاج سليم؟
لا، ولو رفعوا أي شعار خير، ما لم تدعمه حقيقة واقعة؛ لأن العبرة بالحقائق والمعاني، لا بالشعارات والمباني، الحقيقة معنى، والشعار مبنى.
وأي فرقة ضالة ومنحرفة ترفع شعار الخير لا يغنيها ذلك شيئا ما لم تكن على منهاج صحيح، كالخوارج والجهمية والمعتزلة والأشاعرة والمرجئة والصوفية والشيعة، وعدد ما شئت من فرق وأحزاب وجماعات وملل ونحل، العبرة بالحقيقة في نفسها.
ولذلك كفر شيخ الإسلام عبدالعزيز بن عبدالله بن باز - عليه رحمة رب العباد - صدام حسين، حاكم العراق، لبعثيته، لأن "حزب البعث العربي الاشتراكي" ذو مبادئ علمانية، وقانونه جاهلي كفري، ووصفه بالمنافق، أي: منافق نفاقا عمليا واعتقاديا، وأخرجه من الإسلام، وأرسل له ينصحه أن يعود إلى الإسلام المحمدي، وما تراجع؛ بل أصر، واستكبر، ومكر المكر الكبار.
أنا هنا لا أتحدث عن نهايته ومصيره عند الله، أتحدث عن واقع ومظاهر، وأحلل تلك الأحداث؛ للعظة والعبرة.
أقول:
وهذا النفاق وهذا التلون، وهذا الانحراف عن جادة الإسلام المحمدي في شموله وكماله وجماله وجلاله هو الذي أودى بالأمة إلى التهلكة، وأدى بها إلى التقزم، بل وأسقط الدول، ودمر المجتمعات، كتلك الأفكار المستوردة، من علمانية، وليبرالية، وبعثية، وقومية، وشيوعية، واشتراكية، وكل يضل بحسب أخذه وغرفه من تلك المناهج الضالة الخبيثة.
أتعلم - أيها المبارك - أن العراق سقط بفكرة، وهي فكرة "البعث"، يريد مؤسس الحزب النصراني "ميشيل عفلق" أن ينصر العرب بغير فكرة الإسلام، أو دين الإسلام، بل باجتماع العرب لنصرة قضايا العرب فحسب، والله يقول: (أيبتغون عندهم العزة فإن العزة لله جميعا)، ويقول: (أفحكم الجاهلية يبغون ومن أحسن من الله حكما لقوم يوقنون)، ويقول: (وأن هذا صراطي مستقيما فاتبعوه ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله ذلكم وصاكم به لعلكم تتقون).
فهل اتقى الله "حزب البعث العربي الاشتراكي" لما بنى مبادئه وقيمه على غير هدى الإسلام وسنة نبي الإسلام محمد بن عبدالله عليه الصلاة والسلام؟
وهل اتقى الله حين غدر بالجارة العربية المسلمة الكويت فاحتلها، وعاث فيها فسادا وإجراما وعبثا وتقتيلا؟
وهل اتقى الله لما احتكم إلى القوة واستقوى على الضعيف بكل غدر وخسة وخيانة وغباء؟
وهل اتقى الله لما صلى هذا الطاغية في أرض هو اغتصبها؟
وهل اتقى الله لما لم يسمع ولم يخضع للتحذير من الملك فهد رحمه الله بأن يخرج من الكويت قبل أن تقع الواقعة ويدمر الجيش العراقي ويحرق حرقا ويضرب ضربة لا قيام بعدها؟
وهل اتقى الله لما أطلق صواريخه على رياض السنة والجماعة والتوحيد في "الرياض"؟
وهل اتقى الله لما لم يسأل نفسه: ما الخطأ الذي ارتكبته، وأصلحه بالحسنى والحكمة؟
وهل اتقى الله لما ركب رأسه وزاد جرما على جرمه؟
وهل اتقى الله لما أدى إصراره على العناد والتحرش بالكبار إلى حصار العراق ثم ما حصل من موت مليون طفل عراقي خلال عشر سنوات كلها حصار ودمار؟
وهل اتقى الله لما واصل سبه وشتمه للدول الكبرى والتشغيب على السعودية والكويت؛ بل وما حاول أن يصنعه من علاقات مع زعيم "تنظيم القاعدة" الخارجي المارق "أسامة بن لادن" لإيذاء السعودية؟
إن هذا لمن الحمق والجهل والغرور، وقبل هذا لمن الضلال المبين، والضلال يولد ضلالا آخر لمن لم يطلب الهداية بصدق، ويذعن لحكم الله " من يضلل الله فلا هادي له ونذرهم في طغيانهم يعمهون".
والزبدة:
أن يوقن أهل الإسلام بأن الشعارات لا تغني شيئا، مهما بدت براقة منمقة مزوقة، وأن النجاح والفلاح هو في العمل بالكتاب والسنة على منهاج خير القرون، وألا عبرة بالمظاهر؛ إذا خربت المخابر، وأن الحق في السنة والجماعة، وأن الجماعة هي الحق، ولو كنت وحدك. 
وأخيرا:
العاقل من يأخذ الحقيقة من جميع أطرافها، ولا يتشهى في اختياره بعاطفته، لأن الحق في تتبع المصادر، لا في تقديس الأشخاص.
و "صدام" شخص، والفكرة "البعث"، وكلاهما الشخص والفكرة على ضلال مبين، والحق في الكتاب والسنة، ومن لم يكفه الكتاب والسنة، فلا كفاه الله، ومن لم يهتدي بالكتاب والسنة، فلا هداه الله، ومن لم يعتز بالكتاب والسنة، فلا أعزه الله، ومن لم ينتصر بالكتاب والسنة، فلا نصره الله "ومن يهن الله فما له من مكرم إن الله يفعل ما يشاء".
والخلاصة:
النصر في السنة والكتاب، ومنهج الصحابة أولي الألباب، لا في الجماعات ولا في الأحزاب.
والسلام.

بقلم/
عبدالرحمن بن مشعل العوفي. 
طبرجل- الأحد- ١٤٤٨/٥/١٤.
Abdurrahmanalaufi@gmail.com

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق