الخميس، 4 يونيو 2026

قيد الخاطر- (حدثني أحد الأصدقاء)

قيد الخاطر- (حدثني أحد الأصدقاء)

حدثني أحد أعز الأصدقاء قائلا:
حصلت جفوة بيني وبين والدي، ربما لطبيعة والدي الصارمة، وأنا شخص حاد نوعا ما، أو كلا ما، المهم حدي مقابل حدي، لا ينتج إلا عدم التفاهم، أو ضعف التفاهم، أو ربما هذه الجفوة سببها نفسي ومن وحي الشيطان ومجرد تخييلات أو توهمات، يعني: كل راكب رأسه كما قيل، وللشيطان حظ، وللنفس حظ، وحظ النفس من الهوى والإغواء أشد وأعظم من حظ الشيطان وغير الشيطان...
المهم حصلت الجفوة، وضعف الاهتمام من الطرفين، لدرجة - يقول لي تخيل - أنني في عيد الأضحى المبارك ضحيت أضحيتي، وكيس اللحم في بيت جدتي، ومن الغد جاء أحدهم بكيس اللحم هذا إلى بيت الوالد - وأنا موجود -، ولما جاء الوالد رأى كيس اللحم، جاء إلي قائلا: كيس اللحم الذي في المطبخ لك؟ قلت: لا، ذهب وأتى بالكيس، قال: هذا، قلت: ما أدري، قال: ألم تضحي اليوم؟ قلت: في بيت جدتي هذا الكيس، ما أدري ما الذي أتى به هنا!.
يقول صاحبي:
أنا مطلق من سنيات، ووالدي غير مهتم بمسألة الفراق هذي، وكأنني غير مطلق، الوجه عبوس، والجبين مقطب، واللسان هو اللسان، كأنني جماد، أو هو يريد أن أكون من فئة الجماد، لا أحس ولا أشعر، ولا أفضفض، ولا أدردش، يريد أن يستمر في كتم أنفاسي، وإطفاء ما بقي من لذة في حياتي، وتعذيب نفسي بتذكر كل ما مر علي من ماض سيء، وأحداث مخجلة، ثم يأتي ليحدثني عن كيس لحم لمن هذا؟!
أرأيت - يستمر صاحبي في الحديث - تعاملا كهذا التعامل، وتجاهلا كهذا التجاهل؟!
قلت: وا أسفي، وكيف يصح أن يكون أب بهذه الكيفية والطريقة والعلاقة المخجلة مع ولده؟!
هذه والله ليست علاقة صحية أبدا.
تخيلت إنسانا مقطع اليدين والرجلين ودماؤه متناثرة على ثيابه وعلى الأرض، ثم يأتي إنسان - وصفا لا معنى - ويقول: لماذا ثوبك متسخ؟ أو مشقوق؟! يتجاهل هذه المصيبة التي أمامه، وينظر في شقوق ثوبه!
أي عقل وأي عاطفة وأي ميزان هذا التعامل البائس؟!
أكاد أجن أن يكون والد مع ولده على هذا المنوال وهذا السَّنن، إذن هنا تنتفي صفة الوالدية والأبوية، فلا يشعر الولد بأبيه إلا مجرد جرم إنسان يمشي ويتحرك، هو والجدار سواء، لا فرق، وحياته وموته سواء، وهو قد قال لي بأسف وحزن: والله لو جاءني خبر وفاة أبي؛ لما بكيت!، ولا عجب، فهناك أناسي لا يصح أن يدرجوا في قائمة الإنسانية إلا من باب المجاز والتجاوز اللفظي، وإلا، فأي معنى لإنسان لا يقدر وجود إنسان، ولا يحترمه، ولا يتفحص عواطفه ولا يبحث فيه عن آماله وآلامه، ولا يشعره بكينونته، ولا يكرمه، والله ربه قد كرمه، (ولقد كرمنا بني آدم)، ولا يحتويه، هذا هو الإنسان، مطلق الإنسان، فكيف والد مع ولده؟!، إنها إذن لإحدى الكبر.

بقلم/
عبدالرحمن بن مشعل بن حضيض العوفي. 
طبرجل- الأربعاء- ١٤٤٧/١٢/١٧.
Abdurrahmanalaufi@gmail.com

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق