الأربعاء، 28 يناير 2026

قيد الخاطر- (بئيس حال ذلك الإنسان)

قيد الخاطر- (بئيس حال ذلك الإنسان)

بئيس حال ذلك الشخص الذي يحسب اللطف عيبا، والقوة رجولة، والصمت في موضع الجواب رزانة، وتقديم السؤال ثم تخطئة المجيب، يريه معرفته المسبقة به...
بئيس - والله - حال ذلك الشخص الذي يظن أن تنمره واستهزاءه بالمقابل أو المحاور أو المناقش أو المتحدث هو أمر جيد، ويصب في دائرة الإنسانية أو العقلانية أوالأعراف الطيبة والتقاليد المباركة والأخلاق الفاضلة...
بئيس حال ذلك الشخص الذي يدخل المجلس ولا يسلم إلا بصوت خافت، أو لا يصافح وهو غائب عن المجلس من وقت، كأسبوع مثلا، ويظن ذلك من باب "قوة الشخصية"!
بئيس حال ذلك الإنسان الذي لا هم له إلا قال فلان، وفعل فلان، وسافر فلان، ويتحدث دوما وأبدا عن أفعال الناس اليومية، يكرر القصص، ويعيد الحديث ألف مرة، هو هو من سبع سنوات أو أكثر، لم يتغير فيه سوى عمره الذي زاد على حساب عقله الذي نقص!. إنني - وربي - أرحم هذا الصنف من البشر، وأراه لا يؤدي رسالته كما ينبغي، ولا أعلم لماذا يضحكون ويفرحون، وهم إنما يضحكون على عقولهم تلك التي لم تؤدي دورها في الحياة - حتى على المستوى الوظيفي، بل على المستوى الأسري -...
بئيس حال ذلك الإنسان الذي يقرأ في الجوال تلك التغريدات وما يكون على الواتس من رسائل مبعثرة، ولديه الوقت الكثير لمشاهدة المباريات والسفاسف والتفاهات في ال "تيك توك" وتلك السنابات، ويعجب كثيرا بأولئك الشرذمة "كلاب المال" و "مشاهير الفلس"، ولكن للأسف ليس لديه وقت أبدا أبدا ليقرأ من كتاب ورقي، قراءة جادة، يثقف بها نفسه، ويرتقي بها بعقله، ويعرج في سماوات الحرية بالسيطرة على نفسه من خلال ذلك التثقيف الممنهج، فلا يكون سامجا أو ثقيلا، أو باردا أو حارا، بل يكون معتدلا متحفظا، ناقدا مستبصرا، قارئا مفكرا، ويتحرر من تلك الحركات المشينة، والأفعال المرذولة، ويشفق على نفسه من المرض الخطير أن يفتك به "الجهل"، والسرطان هو "الجهل المركب"، بل هو أعدى وأخطر من كل مرض...
بئيس حال ذلك الإنسان الذي ينظر للمجتمع والناس نظرة سوداوية، فمثلا: تسمع منه عبارات كلها تحطيم وتكسير للمجاديف، كقول بعضهم ممن قل عقلهم وقل تفكيرهم: المجتمع لا يقرأ، الناس كلها تقرأ من الجوال...هو لا يتابع الحالة الثقافية والفكرية أصلا، ثانيا: هو يقيس الناس على نفسه المسكينة، ولو رأى قوافل القراء والكتبيين ما تفوه بما تفوه به من باطل من القول وزور وخلاف للواقع والحقيقة...
إن منهجي في الحياة ورؤيتي للناس أظن فيهم الخير والخير الكثير، أعرف مواضع النقص ومواضع الخلل، وأيضا مواضع القوة ومواضع الإيجابية لديهم، فأنمي ما لديهم من إيجابيات، وأعدل بعض ما لديهم من سلبيات، والكتاب هو من أعظم الوسائل الإصلاحية، تخيل، ورغم ذلك قل من تفطن لهذا، وقل من ضحى لهذا، وقل من نزل الميدان وفي يده الكتاب، وقال بصوت شامخ: هلموا لمجدكم الوثير، وعزكم الكبير، هذا الكتاب، وهذا القلم، وهذي الدواة، فاقرؤوا واكتبوا وتثقفوا وثقفوا المجتمع والناس، إن لديكم معشر المسلمين والعرب رسالة سامية للإنسانية كلها، فإن لم تقوموا بها، فمن لها؟!
بئيس - وربي - حال ذلك الإنسان الذي لا يؤمن بالكتاب في تخليد الأمجاد، وزراعة الفضائل، ونفي الرذائل، وانتشال الإنسانية من أوحال التخلف والهمجية والجاهلية...
بئيس - والله - حال ذلك الشخص الذي لا يرى متعته إلا فيما سوى الكتاب والقلم، والقراءة والكتابة والأدب، ومن كان هذا حاله، فقد كتب على نفسه الشقاء والموت العاجل، والموت خير للفتى من جهل يسود وجهه، ويخفض قدره، وهل الإنسان إلا بالعلم؟!!!.
بئيس - والله - ذلك المجتمع الذي لا يحفل بالمثقفين والمفكرين، والكتاب والأدباء والقراء، ولا يشجعهم أو يقدرهم...
لا تقدم لأي مجتمع ما لم تكن رسالة القرآن الأولى في سلم أولوياته "اقرأ"...
إن رسالة الإسلام الأولى والأخيرة هي "اقرأ"، فمتى تعي أجيالنا هذه الحقيقة القرآنية الخالدة؟!
إنني نذرت نفسي خدمة لديني ولغتي، ووطني ومجتمعي وأمتي والإنسانية عبر نشر ثقافة القراءة، ونشر العلم والمعرفة، بكل وسيلة ممكنة، فنظرتي الإصلاحية هي الرجوع بالأمة إلى تلك الرسالة الخالدة العظيمة "اقرأ"...
وإنني أريح كل من يريد أن يهزأ أو يسخر أو يتهكم، لا تحاول، فإنني ثقيل السمع، قوي العناد، إيماني بفكرتي وفكري، وهمي ومشروع عمري قد غطى على كل نقد لا يخدم مسيرة هذا المشروع، وتلك الفكرة، وهذا الهم، فلا ترهق حبالك الصوتية، واحتفظ بنصائحك لنفسك، إنك لا تخاطب طفلا، بل رجلا، وليس فارغا، بل ممتلئا، قد خطط، وهو الآن ينفذ، والنجاح يساوي تخطيط زائد تنفيذ، دون فلسفة أو مهاترة...
إنه لا يتحرك إلا في فضاء مشروعه، ومشروعه فحسب، فهون على نفسك...
ونعم الحال حاله، هذا الأديب المتفنن، لا يقول ذلك عن كبر أو زهو أو غرور، بل يحكي عن حقيقة وواقع ملموس، وهو أعرف الناس بنفسه، ولا يسأل الله ومولاه سوى الثبات حتى الممات على "لا إله إلا الله"، وأن يحقق له آماله وطموحاته، فإنه يحمل هم أمة، مهما تهكم من تهكم، إما لجهله، وإما لعقدة نقص فيه، وإما لحسد أو حقد، وإما لكونها كلها مجتمعة فيه!

بقلم الأديب المتفنن/
عبدالرحمن بن مشعل بن حضيض العوفي الحربي. 
طبرجل- الجمعة- ١٤٤٧/٥/٨.
Abdurrahmanalaufi@gmail.com

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق