الجمعة، 23 يناير 2026

قيد الخاطر- (الجهل المركب)

قيد الخاطر- (الجهل المركب)

مشكلة عويصة: أن يعتقد المرء أنه عالم وهو في الحقيقة جاهل، أو صالح وهو فاسد، أو متواضع وهو في الحقيقة متكبر، أن يعتقد الشيء في نفسه، والحقيقة أن المتحقق فيه نقيض ما يراه هو في نفسه، لا أتحدث هنا عن رؤيته لنفسه، ورؤية الآخرين له، كلا يا صاحبي، تلك والله مشكلة عويصة...
يضاف لها مشكلة أخرى لا تقل عن الأولى أهمية، ألا وهي أن ينصرف المرء عن قراءة شيء مفيد إلى شيء تافه، ويعتقد أنه ينتج فعلا، وأنه فاهم وغيره جاهل، وأنه المستحق لكل شيء جميل، يرفع سقف الاستحقاقية في نفسه، ويطالب الآخرين بتقديره واحترامه، مع ما يريهم هو من نفسه قلة التواضع، أو قلة المبالاة بما يقولون وما يفعلون، فهو مثلا لا يقدر الناس، أو لا يتلطف معهم حتى في النظرة والكلمة العابرة التي لا تكلفه شيئا، كأن يثني بكلمات، أو يشكر بكلمة، أو لا يتكلم، فقط يتبسم، حتى البسمة الكثير يبخل بها، ويتعجب: لماذا لا يعرف الناس قدري ومنزلتي؟!
يا صاحبي:
إن المرء ما دام لا يرى الناس بعينه وقلبه ومشاعره وعواطفه ووجدانه وأحاسيسه، أنى لهم أن يقتربوا منه، أو يتلطفوا معه، أو يقدروه، أو ينزلوه منزلته التي يريدها وهو يفعل نقيض ما يريد من الناس؟ أيعقل هذا؟!
إن هذا أمر في غاية الخطورة، في غاية الحساسية، وذلك شيء يسمى "الجهل المركب"، أن يعتقد المرء أنه عالم، وهو جاهل، أو لا يدري، ولا يدري أنه لا يدري، وذلك الوصف ينسحب على صور كثيرة، وأشكال متعددة، في نفوس أناس كثيرين، متحزبين أو متعصبين أو متعنصرين...
في اعتقادي أن أخطر ما يواجه البشر ليس الفيضانات، ولا البراكين، ولا الزلازل، ولا العواصف، ولا الأمراض المعدية، إن أخطر ما يواجه الإنسان منذ ولد على ظهر البسيطة: هو الجهل، والجهل مشكلة ضئيلة جدا إذا قورن بمشكلة "التعالم"، التي هي من تلك الصورة الآنفة الذكر "الجهل المركب"، فهو يظهر بمظهر العلمية، وأنه متعلم أو عالم، وإذا جئته تفتش عن هذا العلم وتبحث عن العلمية لديه، ما وجدت إلا خواء وتعالما وجهلا مركبا...
إنني على ثقة كبيرة وإيمان عظيم بأنه لا نجاة للبشرية من هذه الكوارث والمصائب والمشاكل - كالفقر والقتل والاغتصاب والتحرش والتعدي بكل صور التعدي وأشكاله وممارساته، إن كان من أفراد أو من أحزاب أو من مؤسسات أو من دول حتى -؛ لا نجاة للبشرية من أوحال التردي والانحطاط والتخلف والهمجية بسوى العلم، وأعظم العلم: العلم الشرعي، والعلم الشرعي دلنا على تعلم العلوم الأخرى المفيدة...
إذن الخلاصة:
إذا أرنا النجاة والفلاح والفوز والرضا والسكينة وجميع مفردات الأمن والطمأنينة والسعادة علينا أن نتعلم دوما وأبدا، وما دمنا في ضعف لتلقي العلم أو بثه ونشره، فلا نرجو سلاما، لا نرجو عزة، لا نرجو أي مفردة من مفردات السعادة، والسعادة اللحظية كما يعلمها كل منصف وعاقل ومؤمن تزول بعد تلك اللحظة المؤقتة...
إذن فالسعادة الأبدية في العلم - تعلما وعملا وتعليما -، بغير ذلك لا نرجو القيادة ولا السيادة ولا السعادة، وإذا طلبنا ذلك فإنما نطلب المحال "وما يعقلها إلا العالمون".

بقلم الأديب المتفنن/
عبدالرحمن بن مشعل بن حضيض العوفي الحربي. 
طبرجل- الثلاثاء- ١٤٤٧/٥/٧.
Abdurrahmanalaufi@gmail.com

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق