السبت، 31 يناير 2026

قيد الخاطر- (الجزء الظاهري من النعمة مغري)

قيد الخاطر- (الجزء الظاهر من النعمة يغري)

الجزء الظاهر من النعمة يغري، ونحن في عصر يضج بأحداث وأحداث، يذهب الحدث دون تفسير، وتموت الظاهرة لتخلف ظاهرة بعدها دون علاج للظاهرة المندثرة، وهكذا تدور عجلة الزمن في عصر خطير يتسم بالسرعة وذهاب البركة، وأهله يفقدون كثيرا الشغف والتفكير المنضبط، لأن ما فتح عليهم هو مصدر القلق لنفوسهم، والاضطراب لتفكيرهم، والهشاشة لعقولهم، ذاك بعض ما تفعله وتؤثر فيه تأثيرا بالغا وسائل الإعلام ووسائل التواصل الاجتماعي، وقد لا يكون ملحوظا لمن لا يمعن التفكير ويحرص على أن يعيش اللحظة من الزمن، فلا يتقدم ولا يتأخر، ولا يتكلم ولا يسكت ولا يوجه ولا ينصح ولا يعطي رأيه في شيء قبل أن يتحرز في لفظه وحكمه.
نعود لصلب الفكرة:
أقول إن الجزء الظاهري من النعمة مغري، والعاقل والنبيه من يشكر الله على الحال الذي هو فيه أولا، ثم لا يمد عينيه لتلك النعم التي يراها نعما لدى الآخرين "ولا تمدن عينيك إلى ما متعنا به أزواجا منهم زهرة الحياة الدنيا لنفتنهم فيه ورزق ربك خير وأبقى".
إن ما تصدره وسائل الإعلام ووسائل التواصل الاجتماعي من ذلك البذخ والترف والإسراف، من "مشاهير الفلس"، و "كلاب المال"، وذلك التصوير الذي يشمل تلك المراكب الفارهة، والساعات القيمة، وتصوير الماركات الغالية، حتى صورت البيوت، بل غرف النوم، بل صور الأطفال الصغار، كل ذلك يحدث تغيرا كبيرا في المجتمع والأفراد، ولا يلحظه إلا من وقف وتبصر. يحدث ذلك خلخلة عظيمة في النفوس والضمائر والعقول، بل يضرب في صميم العقيدة، ويؤثر في كفر النعم، والاعتراض على قضاء الله وقدره، وينمط المجتمع والفرد بنمط ما يعرض، على الأقل في التصورات والأفكار.
إنهم لا يصدرون سوى التفاهة والسفاهة، وتلك الأفكار المسمومة الخبيثة. إنني لا أنظر لهم إلا من زاوية التفاهة، ومن يتبعهم من الجماهير تافهون مثلهم غالبا، ويحق لي التشاؤم إذا استمر الوضع على حاله، فإن النجاح يتطلب التغيير - الإزاحة والإضافة -، فحتى ترتقي بالمجتمع، لا بد من إزاحة التفاهة أولا، ثم إضافة الفكر المتزن والثقافة المثمرة لكل خير ونبل، وكل حق وجمال، فهنا يحدث التغيير، والله لا يغير ما بنا، حتى نغير أولا، لا بد من خطوة للأمام، ولازم على كل صاحب قرار ومسؤولية أن يلجم كل متصدر لضرر المجتمع أو تسفيهه، أو من يصدر أفكارا من شأنها العبث بالدين والأخلاق والفضيلة والثقافة الإسلامية والعربية والتقاليد والأعراف الطيبة المباركة. 
أخيرا أقول:
الكتابة عظيمة فعلا، فلقد كتبت هنا من منطلق فكرة واحدة، لكن تسلسلت الأفكار حتى أطلت وأمللت، فاعذرني أيها القارئ الكريم...
أقول أخيرا فعلا للمرة الأخيرة:
البعض لا يؤنبه ضميره إذا فسد من تحت يده من أب أو أم أو مدير أو رئيس، لأنه يجد المبررات الكثيرة لذلك الفساد، فهو من قرارة نفسه لا يحبذ فكرة الإصلاح أصلا، فهذا فاسد، وانتهى الأمر، لكن ثمة صنف مباين لذلك الصنف الأول وهو الذي يبرر لنفسه إخلاء التبعة ورفعها عن نفسه لأنه يئس مثلا، أو تعب، أو حكم على من هو تحت يده بالفساد المتأصل، ليجد العذر لنفسه في عدم إجهادها بالإصلاح، والإصلاح فكرة عظيمة، وهي مرتبة فوق الصلاح، وكل ذلك أيضا لا يخلي المسؤول من المسؤولية، ولنا في القرآن والسنة المطهرة، ولنا في قصص الأنبياء والصحابة رضي الله عنهم جميعا، ولنا في سير أعلام النبلاء والفضلاء والتابعين إلى عصرنا عبر ودروس، فاقرأ وانهل من معين العلم والفكر والثقافة والأدب، ولا تمل من المطالعة في كتب قصص الأنبياء والصحابة والتابعين، ك "البداية والنهاية"؛ لابن كثير، وكتاب الذهبي الشهير "سير أعلام النبلاء"، وسير ابن عثيمين وابن باز وابن جبرين، وابن حميد، و "ذكريات علي الطنطاوي"، وما خطه يراع الأديب عميد الرحالين العرب محمد بن ناصر العبودي - رحمه الله -، وغيرها، فإن في سير القوم تذكرة وتبصرة، تزيد في العقول والأرواح، ولا أكتمك سرا أو حديثا إن قلت أن كتب السير والتراجم والقصص والذكريات والمذكرات أثيرة لدي، ليس فقط للتسلية والمتعة، بل كما قلت آنفا: كتب السير الذاتية والغيرية، كتب القصص والسير والتراجم والذكريات والمذكرات تزيد في العقل، وتهذب الروح، وتثري المعرفة، فلا تزهد فيها.
وأخيرا:
اعذرني فقد أطلت عليك وأمللت، ولكن ما حيلتي والكتابة مسليتي؟!، فالكتابة - عن تجربة -: تسلية وتغذية، والمحروم من حرمها.


بقلم الأديب المتفنن/
عبدالرحمن بن مشعل بن حضيض العوفي الحربي. 
طبرجل- الأحد- ١٤٤٧/٥/١٨.
Abdurrahmanalaufi@gmail.com

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق