السبت، 31 يناير 2026

شذرات

(شذرات)

١- أغرب شعور يكتنف جوانح الإنسان ما أسميه ب "الغربة الفكرية"، فالغريب فكرا عن محيطه وعائلته ومجتمعه وعوالم الإنسانية الظاهرة أو المصطنعة؛ يقاسي آلاما حادة، وأوجاعا مؤلمة، إنني هنا لا أتحدث إلا عن تجربة وموقف، فمنذ زمن صادقت نفسي وصارحتها، فارتحت وأرحت، وإن كنت أخرق أحيانا بعض قوانين العلاقات، ثم أعود ألوم نفسي وأقرعها وأوبخها، لماذا فعلتِ كذا؟ ولماذا لم تفعلي كذا؟.
والإنسان بالتجارب، والعلم دليل الحائرين، والتجارب والمواقف دروس لا تشترى، وإنما تبنى عبر احتكاك الإنسان بأخيه الإنسان أيا كون توجهه ومعتقده وفكره وثقافته وعلمه، ومن لم يستفد من تجاربه وما مر به من مواقف، فلا تعده في ديوان العقلاء، فالعاقل من يستفيد كل يوم من المواقف والتجارب، من العلوم النظرية، والمواقف الحياتية.
٢- من أجمل ما سمعت من معالي الشيخ د/ صالح بن عبدالله بن حميد - وفقه الله - أنه ذكر قاعدة في باب المعاملات الاجتماعية وهي "طول المرافقة لطول الموافقة".
٣- مناقشة الجاهل لا تجدي خيرا، فكيف إذا كان جاهلا أحمقا؟!
أعوذ بالله من الجهل والحمق، ونعوذ بالله من الجاهل جهلا مركبا، لا يدري، ولا يدري أنه لا يدري، وهذه معضلة كثيرين، لا يدرون، ولا يدرون أنهم لا يدرون.
والجاهل أو الأحمق غالبا ما يجادل بجهل وكبر وعجب، ولذا وجب على العاقل والمتعلم أن يحذر من هذه الأدواء الخفية والتي تسري في الجسم أخبث من كل داء قاتل.
ويطيب لي أن أنقل هنا بعض ما يتعلق بهذا المرض الخطير "الكبر والعجب".
في كتاب "غرر الخصائص الواضحة وعرر النقائص الفاضحة"؛ للوطواط رحمه الله، ت ٧١٨، من مطبوعات دار القلم، ط٢، ١٤٤٦، قال رحمه الله (١٣٦/١):
"وقال أبو حيان: إن الخصم إذا كان الهوى مركبه، والعناد مطلبه، فلن تفلح معه ولو خرجت اليد بيضاء، وانقلبت العصا حية. 
قال بعض الشعراء يهجو معاندا:
تراه مُعَدا للخلاف كأنه * بردٍ على أهل الصواب موكّلُ!".
وقال:
"وقال عمر: ما وجد أحد في نفسه كبرا إلا لمهانة يجدها في نفسه.
ويقال: الإعجاب يغطي سائر المحاب. 
ويكفي في ذم الكبر قول الله تعالى: (سأصرف عن آياتي الذين يتكبرون في الأرض بغير الحق) قال ابن عيينة: حرمهم فهم القرآن. 
قال بعض البلغاء: الكبر من أخبث سرائر القلوب، وأعظم كبائر الذنوب، لا يرى صاحبه أبدا إلا فظا غليظا، ولا يرى لأحد سواه في الفضل حظا حظيظا، وكفى به شيمة مشؤومة، وخلة مذمومة، أهلكت الأكابر حديثا وقديما، وعاد الكريم من الرجال ذميما مليما. 
وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لا يدخل الجنة من في قلبه مثقال ذرة من كبر".
...وقالوا: من قل لبه، كثر عجبه.
...وقال الشاعر:
وقل لمغتبط بالتيه من حمق * لو كنت تعرف ما في التيه لم تتهِ
التيه مفسدة للدين منقصة * للعقل منهكة للعرض فانتبه"، السابق، ١٧١/١، بتصرف. 
كتبت هذا بعدما دار نقاش حول قضية معنى قوله صلى الله عليه وسلم: (أنزل القرآن على سبعة أحرف)، ما معنى الحرف هنا؟.
فتعصب بعضهم وقال: لغات، ودافع ونافح وأخرج فتوى لابن باز رحمه الله، وفيها يقول: لغات العرب ولهجاتهم، فقلت: أولا: ابن باز ليس عالما بالقراءات، وأريته التفصيل في المسألة، لكنه أبى أن ينظر فيه، وتكبر وأعرض معجبا بالتيه الذي يسكنه والإعجاب الذي لا محل له، حتى لكأني به يريد أن يطرحني أرضا، والمسألة بحمد ربي تعالى لا تستحق كل هذا العناء والكبر والعجب والإعراض عن الحق، لكنها النفس الأمارة بالسوء، ونزغات إبليس، وذاك المعزز للجدال الأحمق، ولن تجد أحمقا إلا له معزز ومطبل...
أنقل كلاما لابن حجر رحمه الله في هذا الموضع يبين شيئا من المعنى، قال ابن حجر رحمه الله:
"وَقَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: أَنْكَرَ أَكْثَرُ أَهْلِ الْعِلْمِ أَنْ يَكُونَ مَعْنَى الْأَحْرُفِ اللُّغَاتُ، لِمَا تَقَدَّمَ مِنَ اخْتِلَافِ هِشَامٍ، وَعُمَرَ وَلُغَتُهُمَا وَاحِدَةٌ، قَالُوا: وَإِنَّمَا الْمَعْنَى سَبْعَةُ أَوْجُهٍ مِنَ الْمَعَانِي الْمُتَّفِقَةِ بِالْأَلْفَاظِ الْمُخْتَلِفَةِ، نَحْوَ أَقْبِلْ وَتَعَالَ وَهَلُمَّ. ثُمَّ سَاقَ الْأَحَادِيثَ الْمَاضِيَةَ الدَّالَّةَ عَلَى ذَلِكَ".
فتح الباري، المكتبة السلفية، ط١، ٢٨/٩.
٥- لا يتواضع إلا رفيع، ولا يتكبر إلا وضيع.

بقلم الأديب المتفنن/
عبدالرحمن بن مشعل بن حضيض العوفي الحربي. 
طبرجل- الجمعة- ١٤٤٧/٥/١٦.
Abdurrahmanalaufi@gmail.com

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق