الثلاثاء، 30 يونيو 2026

رواية (إنسان خاص)

رواية (إنسان خاص)

حيث قدر الله وكتب، انتقل طفل القرية من "حارة المكيسر" - القاطنة على ضفاف "وادي الدوداء" جنوب غرب المدينة وفي أحضان الجبال الدافئة - من تلك الحارة الوادعة إلى المدينة ليكمل الدراسة في الجامعة، انتقل من "الجامعة الإسلامية" إلى "جامعة طيبة" التي يفصل بينهما شارعان، ثم تخرج سريعا من الجامعة، ثم دخل "الدبلوم التربوي"، ثم عين معلما في "طبرجل" إحدى محافظات "منطقة الجوف" شمال المملكة العربية السعودية في نهاية عام ١٤٣٩.
ثم في عام ١٤٤١ كان زواج الحبيب، وفي عام ١٤٤٢ كان مولود الحبيب الأول "فرات"، أنبتها الله نباتا حسنا وجميع بنات المسلمين، ثم حصل الطلاق في رمضان المبارك من عام ١٤٤٥.
ثم فتح الله عليه - وهو الفتاح العليم -، فاختط لنفسه مشروع حياته، وهو العلم والتعليم، ونشر ثقافة القراءة والكتابة الإبداعية، فأنشأ "صالون رواد المعرفة الثقافي" بطبرجل التابع إلى "جمعية الأدب والأدباء" بالمدينة، وألف كتاب "شذرات من كتب ابن قيم الجوزية"، من إصدارات "مكتبة دار الحجاز" بالرياض، وبيع في "مكتبة جرير" وغيرها، ونفد من المكتبات خلال سنة تقريبا، ولله الحمد. 
وبعدها صدر كتاب "كنوز من مكتبتي" عن ذات الدار، وبيع في "جرير" وغيرها.
وبعدها كتاب "شذرات ذهبية من كتب الأعلام"، عن "مكتبة خزامى" بعرعر.
ووفقه الله في أعمال أخرى تهيئ حياته لغد أجمل، وتخدم - وهو الأهم - مشروع عمره الذي نذر نفسه له "العلم والتعليم، ونشر ثقافة القراءة والكتابة الإبداعية".
وخلال تلك السنوات ما زال يحاول أن يقاوم، وأن يتعافى، وأن يتناسى بعض ما كان من سوء في الماضي، وذلك بالتزكية الشرعية والعلمية، والتنمية العقلية والفكرية والثقافية، وبتجويد العلاقات، وتمتين الروابط المستحبة، وركل الغثاء إلى الفناء، ومحاولة الرقي بالأفراد والمجتمعات عبر المشروع المرسوم والمخطط له.
كان كما تمنى "شاعرا مهتما بقضايا أمته الإسلامية والعربية"، ولا يحتاج إلى شيء أعظم من الثبات على الطاعة والهدى والحق والعلم والنور، وهو سؤاله الدائم في سجداته. 
هو طموح، وطيب، وشاعر، ومؤلف، وكاتب، وكريم، لا يدعي ذلك أبدا - معاذ الله -، ولكن من التصق به عن قرب؛ شهد له بذلك.
هو ليس بمعصوم، وليس جلادا، هو ضحية في زمان ما، أو مكان ما، وما زال في طور التعافي والتجديد.
هو لا يرجو شيئا غير أن يرى فعلا بعين بصيرته الوجود جميلا، فعلا لا مجرد قول أو ثرثرة...
هو محاط بكثير من المحبطين والمثرثرين والمهرجين والمتنمرين، الحاسدين والحاقدين والناقمين، التافهين والمتكبرين والمتعالين، ولكنه أيضا محاط بأهل النبل وأرباب الفضل، فكيف يقسو؟!
إنه يعلم حقيقة تصارع الخير والشر، وهو يعيش في الواقع لا في الخيالات والأوهام، ولكنه لن يفلح إن أراد معالجة المرض دون جس موضع المرض، فلذا كان دقيق الملاحظة لأمراض الأفراد والمجتمعات المعاصرة، ويرقب بعينيه تلك الثغرات، ليسدها.
يعلم أن "الشق أكبر من الرقعة" - كما قيل في المثل المشهور -، ولكنه يجاهد بفكره وقلمه، بشعره ونثره، بماله وجاهه، وإن تنكر له أقرب المقربين، وباعوه بلا ثمن، بل أهانوه ولو بالنظرات!.
إنه جَلد مصابر، مرابط معاند، لا يستسلم لليأس، ولا يخرجه النصر عن طوره.
إنه طيب وليس بضعيف. 
إنه يعلم، ولكن يتجاهل.
إنه لم يدخر شيئا لمشروعه إلا وبذله، وإن كان في نقص طعامه وشرابه ولباسه.
إنه متفرد - ليس بالنسبة إلى التافهين والجاهلين؛ بل إلى العظماء والمفكرين -، ليس أنه فوقهم أو تحتهم؛ بل لاختلاف الطبائع والأذواق والأفكار والمشارب والأخلاق والتصورات والمفاهيم والحقائق وما شئت من شيء يلتصق بالإنسان في جوهره أو في قشوره...
إنه متفرد في صوابه وخطئه، في سمعه وبصره، في حركته وسكونه، إنه إنسان له كينونته الخاصة، وذوقه الخاص، وفكره الخاص، وعلمه الخاص، وشعره الخاص، ونثره الخاص، ونفسيته الخاصة، إنه إنسان خاص!.
كيف له أن يكتب أو ينظم ويكون مجيدا أو قريبا من الإجادة والإفادة البديعة دون أن يشعر بالعظمة والفخر والزهو والمجد والشهرة والإنسانية في أسمى مراتبها؟!.
كيف له أن يشعر إن لم يتشاعر؟
كيف له أن يتفرد إن لم يقلد؟!
ومن التقليد يكون التفرد!.
كيف له أن يشعر بقيمته إن لم يسوق لفكرته، لعلمه، لثقافته، لأدبه، لشعره، لنثره؟!.
إنه لا يشحذ، لا يتكفف، لا يطلب ما ليس له، فلماذا البعض - أو لعله الكثير - لا يقابلونه إلا بما يصدق على الشحاذ أو المنتحل أو السارق؟!
تصدق؟ لقد حظره بعضهم لما سأله برسالة على ذلك المدعو "واتساب"!.
مواقف كثيرة تدل على مدى صغر تلك العقول، وضعف هداية تلك القلوب، ولكنه أصر، واستمر، ركز، وأصاب بعض أهدافه، واستمر، وأصر، وما زال يسير بخطى واثقة في تحقيق آماله وطموحاته...
وهو لا يزال يشكر لأهل الوفاء صنيعهم، ولكنه يحزنه للغاية البعيدة أولئك من ظن فيهم الظن الحسن، فخيبوا الظن، إنها "فتنة الخذلان" يا سادة، لعلني أصبت بها مؤخرا، حيث توالت علي أحداث، لعلها كانت نتيجة تراكمات، نعم "صدمات الطفولة"، و "المراهقة"، وما حصل من طلاق وفراق، وبعدها أحداث صغيرة نعم، لكنها مؤثرة بلا ريب، الغبي من ينطلي عليه تغافلي، أو بالأحرى من لا يحس بي، أو لا يشعر، أو بالأصح لا يريد أن يحس بي أو يشعر، كأننا بالضبط في "نادي الضباط" أو في "ميدان القتال": نفذ، فحسب، أوامر، افعل ولا تفعل، ولا تجادل، وهنا "مغالطة الحوار"، قلب الحوار إلى جدال، وهذا "عين النرجسية"، وفي ديننا "عين الكبر".
إنه يعلم ما يجره عليه "الوعي الزائد"، ولكنه يأخذ راحة بين الفينة والأخرى، فلا يقرأ ولا يكتب كالعادة، بل يخفف من ذلك كثيرا، خاصة في تلك الإجازة الصيفية التي تأتي وتطل علينا بعد نهاية العام الدراسي، وهي شهران، تسمن وتغني من استغلها واستثمرها، ولا تسمن ولا تغني لمن ضيعها وفرط، كما هي عادته المستحبة. 
إنه لُدغ كثيرا، أهين، تهكم عليه، وواجه من قلة الأدب وقلة الذوق وقلة المروءة، ما الله به عليم، وما زال يقاوم...
إنه يعلم حقيقة هذه الدار، وأنها دار فتنة وابتلاء، ولذا قال: "ما أجمل الصبر، لا، بل ما أجمل العافية".
إنه مدين لكل من علمه وأرشده وأدبه، وهو يقول "شكرا" لكل من رعاه ورباه، ولو لم يرد بحرف على كلمة الشكر.
إنه يعلم أن الإنسانية أخذ وعطاء، ولن تأخذ حتى تقدم، وستواجه من المعضلات ما يعجز تصوره، ولكن ماذا نصنع بأقدار كتبت علينا إلا الرضا والتسليم، ولذا فهو مسلم لله رب العالمين. 
يسأل، يكتب، يتصل، يؤدي الواجب، ثم ما عليه إن جوبه بصد أو نكران، إنه فحسب يخاف أن يعتاد الإذلال والإهانة كما اعتادها في صغره، وما زالت مؤثرة في تكوين شخصيته، ولكنه - والحمدلله - ما زال يقاوم...
إنه في النهاية "إنسان خاص".
للبقية تكملة بحول الله وقوته. 
إلى اللقاء يا أصدقاء.

بقلم/
عبدالرحمن بن مشعل بن حضيض العوفي. 
طبرجل- الثلاثاء- ١٤٤٨/١/١٥.
Abdurrahmanalaufi@gmail.com

الاثنين، 29 يونيو 2026

تعقيب أ/ حسين الدراج على رواية (إنسان خاص)

تعقيب أ/ حسين الدراج على رواية (إنسان خاص)

أرسل لي الأستاذ القدير/ حسين الدراج وفقه الرب العلي - من أصدقاء نادي الكتابة الإبداعية شغفنا - معقبا على روايتي "إنسان خاص" هذا النقد الجميل:
"السلام عليكم ورحمة الله وبركاته،
ليست قيمة النص في أنه حكى سيرة رجل، بل في أنه كشف أثر السيرة في الإنسان.
هناك فرق بين أن تقول: ماذا حدث لي؟
وبين أن تسأل: ماذا فعلت بي الأشياء التي حدثت؟
وهذا النص ينتمي إلى السؤال الثاني.
فهو ليس استعراضًا للنجاح، ولا شكوى خالصة من الخذلان، بل محاولة رجلٍ أن يفهم نفسه بعد طريق طويل من التحوّل، والانكسار، والمقاومة.
أكثر ما شدّني فيه أن الكاتب لا يبحث عن شفقة، بل عن إنصاف.
لا يريد أن يُرى كاملًا، ولا معصومًا، ولا فوق الناس، بل أن يُرى على حقيقته:
إنسانًا خاصًا.
والإنسان الخاص لا يعني أنه أفضل من غيره، بل أنه حمل تجربته بطريقة لا تشبه غيره.
رأى كثيرًا، وتألم كثيرًا، وفكّر أكثر مما ينبغي، لكنه لم يسمح للخذلان أن يطفئ مشروعه.
بقي وفيًا للعلم، وللكتابة، ولرسالة التعليم، وكأن المعرفة عنده ليست مهنة، بل طريقة للنجاة.
لكن الإنسان، مهما كان صاحب رسالة، لا يكتمل بمشروع واحد فقط.
فالعلم لا يغني عن الأسرة، والكتابة لا تعوض الصحة، والطموح لا يبرر إهمال المال، والوعي لا يكتمل إن انفصل عن المجتمع.
الحياة ليست بابًا واحدًا نفتحه ونترك بقية الأبواب مغلقة.
بل هي توازن بين الروح والعقل، وبين الأسرة والعمل، وبين الصحة والمال، وبين المشروع الشخصي والواجب الاجتماعي.
ومن أراد أن يخدم الناس بالكلمة، فعليه أولًا أن يحرس إنسانه من الداخل؛ لأن الرسالة الحقيقية لا تطلب من الإنسان أن يحترق، بل أن يضيء دون أن ينطفئ.
وفي النص وجع واضح، لكن الأجمل أن هذا الوجع لم يتحول إلى قسوة.
ظل فيه امتنان.
وظل فيه إيمان.
وظل فيه أمل بأن الكلمة قادرة على ترميم شيء مما كسرته الحياة.
وربما لهذا بدا النص في جوهره كأنه يقول:
قد لا يفهمني الجميع، وقد لا ينصفني القريب، وقد لا يلتفت العالم إلى ما أحمله في داخلي…
لكنني ما زلت أقاوم أن أصبح نسخة مشوهة مما آذاني.
وهذه، في تقديري، أجمل بطولة يمكن أن يصل إليها الإنسان".

بقلم/
عبدالرحمن بن مشعل بن حضيض العوفي.
طبرجل- الثلاثاء- ١٤٤٨/١/١٥.
Abdurrahmanalaufi@gmail.com

قيد الخاطر- (أمراض متأصلة)

قيد الخاطر- (أمراض متأصلة)

تمزح أقل من مزح الطرف الآخر، فلا يرضى، وهذا من الكبر والعجب والغرور والجهل والحمق، وهو مرض قل من يسلم منه، وهو من التطفيف في المعاملات. 
يذكر غيرك قصة أو موقفا في مجلس يجمعكم كالعادة، فلا أحد يثرب عليه أو ينتقد ما قال، تقول أنت القصة في يوم آخر، فيفز أحدهم لينتقد ما قلته، ويعطيك من كيت وكيت!.
القصة باختصار: 
هو مرض متأصل في بعض النفوس أو في كثير من النفوس، مرض البغض والحسد والكراهية، أو على الأقل عدم الارتياح أو الراحة لهذا الإنسان لأي سبب كان، فالمواقف والكلمات لها أصول وجذور، ولها ظواهر وقشور، ولكن السلامة أن تعرف نفسك قبل كل شيء، ثم تسعى جهدك لمحاولة فهم نفوس الآخرين.
يصرح لك أحدهم بقوله:
 أنا آكل من التراب، ولا أمد يدي، ثم يبتليه الله فتتوقف خدماته، ويطلب منك سلفة أو قرضا حسنا!، والواجب عليه أن يسأل الله العافية، فابتلاء الله لا يسأل ولا يطلب تصريحا ولا تعريضا أو تلميحا، وفي قصة يوسف عليه السلام: (رب السجن أحب إلي مما يدعونني إليه...)، فسجن، قال بعض العلماء: ولو سأل الله العافية، لعافاه. 
تذكر قصة إنسان ابتلاه الله فقتل بنتيه، وأراد قتل زوجته، فيأتي هذا الإنسان ليعقب: هذا من قلة الوازع الديني، قلت له: من الصحابة من زنى وسرق وقتل، رضي الله عنهم أجمعين فهم غير معصومين، الإنسان مهما كان يضعف، يصيب ويخطئ، وهذا الإنسان المجادل الذي توقفت خدماته ويطلب مني قرضا حسنا قد تغيرت نفسه، وأصبح يسيء في بعض معاملاته أو تصرفاته، وفي الأخير النفوس في قدراتها وتحملها ليست على نسق واحد، فاحمد الله، وسله العافية.

بقلم/
عبدالرحمن بن مشعل بن حضيض العوفي. 
طبرجل- الثلاثاء- ١٤٤٨/١/١٥.
Abdurrahmanalaufi@gmail.com

السبت، 27 يونيو 2026

شذرات

(شذرات)

١- قيل: ثمانية إن أهينوا فلا يلوموا إلا أنفسهم:
* الجالسُ على مائدة لم يُدْع َإليها.
* والمتأمَّرُ على رَبَّ البيْت.
* وطالب الخير من أعدائه.
* وطالب الفضل من اللئام.
* والداخل بين أثْنين من غير أن يُدخلاهُ.
* والُمسْتَخَفُّ بالسُّلطان.
* والجالسُ مجلساً ليس بأهل.
* والمقبلُ بحديثه على من لا يسمع منه.
(درر الحكم، منصور الثعالبي، دار الصحابة، ط١، ٢٠).
٢- ذكر الله أكبر عون على الشدائد، لما أرسل الله موسى وهارون عليهما السلام إلى فرعون؛ أمرهما بالإكثار من ذكره تعالى، قال تعالى: (اذهب أنت وأخوك بآياتي ولا تنيا في ذكري* اذهبا إلى فرعون إنه طغى).
٣- حكمة اليوم:
* لا مفروح به أعظم من انسكاب غيث الإيمان في بيداء القلب المقفرة. 
* من أشد ما يغيظني: مناقشة أحمق، أو جاهل، أو متعالم.
* نجاة المؤمنين متحتمة - لمجموعهم لا لأفرادهم - في الدنيا والآخرة، ولا ينمحي الإيمان حتى تقوم الساعة. 
* أن تعيش لقضية وتموت عليها؛ هو نصر بحد ذاته، نحن الآن في المرحلة الثانية الوجودية، اطمئن، يفوز دائما، من يضحك أخيرا. 
* الصمت مفتاح المعرفة لنفسك.
٤- من أكثر الأبيات التي أعجبتني:
من عف خف على الصديق لقاؤه * وأخو الحوائج وجهه مملولُ
٥- قال الأستاذ عبدالله القحطاني وفقه الرب العلي على منصة ×:
إذا كان الجميع يتحدثون عن الطيبة والوفاء، فمن أين ينبع هذا الكم الهائل من القسوة والجفاء الذي يثقل قلوب الناس؟
قلت:
التمظهر والتصنع أحد أهم أسباب انحطاط الأفراد والمجتمعات، ومن نظر في الطرح العلمي الديني؛ يجد ضعفا ملحوظا في جانب البناء الروحي النفسي الوجداني، وهذا من الخلل وضعف التوازن، فالتوازن مطلوب، والوسطية سمة الدين، وتغليب الخطاب العلمي الجاف على الخطاب الروحي؛ مصيبة.

بقلم/
عبدالرحمن بن مشعل بن حضيض العوفي. 
طبرجل- السبت- ١٤٤٨/١/١٢.
Abdurrahmanalaufi@gmail.com

السبت، 20 يونيو 2026

الكبت

(الكبت)

في "لسان العرب، لابن منظور، ٧٦/٢، دار صادر، ط٣" قال رحمه الله: "والكَبْتُ: كَسْرُ الرجُلِ وإِخزاؤُه".
وكما نعلم جميعا أن من سنن الله الكونية: دوام الحال، من المحال، وأن الأمم يطرأ عليها التغيير، وأن المجتمعات يداخلها بين الفينة والأخرى ما يكون سببا في هلاكها أو إحيائها من مواتها، أو يسعى بها للتقدم والحال الأحسن، كذلك الحال في الأفراد، فالتغيير إذن سنة كونية، إما للأحسن، أو للأردى، ولكن لا بد أن تعلم أن ليس ثمة شر محض بالنسبة لأفعال الله وتقديراته، أما بالنسبة لمفعولاته، فهناك خير وشر، والشر لا يضاف إلى الله من باب الأدب، وفي الحديث: "والخير في يديك، والشر ليس إليك".
وقد تكلم ابن القيم رحمه الله عن الحكم والعلل والأسباب في تقدير الشرور والآفات كلاما مؤصلا مدللا، فليراجع في موضعه.
ما مضى تأسيس وتقعيد لما سأبثه لك أيها المبارك.
إذا علم ذلك، فإن المؤمن اللبيب، والعاقل الحبيب الأديب الأريب لا يستريب أبدا إذا رأى ما لا يعجبه، من نفسه أو غيره، من خاصته أو الأبعدين، فلا يقطب الجبين، ولا يولول أو يتحسر كالثكلى أو كالحمقى، بل يعرف أولا لماذا وقع هذا الذي لا يعجبه، ويرجع كل شيء أولا إلى قضاء الله وقدره تعالى، ثم ينظر في طبيعة الدنيا وطبيعة البشر، وما جبلوا عليه من السهو والخطأ والغفلة والنسيان، وأن ليس معصوما سوى الأنبياء عليهم السلام، فيتقين هذا أولا، ثم يبني بعد ذلك تصرفاته أو ردود أفعاله على ما قعده وأصله وأسسه، وما قعد وأصل وأسس على كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم وكلام الصحابة والتابعين رضي الله عنهم أجمعين ومن سار على منوالهم، واختط سلوكهم، لا ريب أنه بنى على أساس متين، يصحح على ضوء ذلك تصوراته وأفكاره وطبيعة ردات أفعاله، وإن أضاف لذلك ما يكتنزه من حكم الشرق والغرب - شرط ألا تصادم الشرع -؛ فذلك خير على خير، ولا يحجر في هذا إلا معتوه، أو قليل الديانة، أو جاهل، أو من جمع تلك الخصال جميعها، فالحكمة ضالة المؤمن.
أقول أيها الموفق:
إذا علم ما مضى، فلماذا بعض الآباء وبعض الأمهات يسطون على أولادهم - كبتا وتحقيرا واستهزاء واستنقاصا وتعييرا -، ثم مع ذلك يطالبونهم بأعلى الدرجات، وتحقيق أعلى المستويات، ويعقدون المقارنات، فيكبتون مشاعر الأولاد، ويقزمون عقولهم، ويصغرون من شأنهم، ممزوج ذلك بمطالبتهم بنقيض ما يصنعون لهم!
أي عقل هذا وأي فكر، بل أي دين؟!
تطلب منهم ما لم توفره أنت لهم، بل على العكس من ذلك، تشحنهم بالأخطاء والعيوب، ثم تطلب منهم الإنتاج والمسؤولية والإبداع!
إنك لن تحصد غير ما زرعت، فازرع خيرا، تلقه، وازرع شرا، تلقه، هذا الأصل، ولا حكم للمستثنى والشاذ.
وهنا تنبيه آخر:
التدرج في التربية مهم، وفهم طبيعة المراحل العمرية مهم، واندماج الوالد في دورات تدريبية أسرية مهم، لأن الأساس يبنى على تأسيس الوالدين، فتأسيس الوالدين يثمر حلوا أو مرا حسب ما يزرعانه في نفوس ومشاعر الأولاد، فإما ينبت الزرع قويا صلبا متماسكا، أو ينبت هشا ضعيفا يابسا متفتتا، وكما قيل في المثل العربي: "يداك أوكتا، وفوك نفخ"، وفي المثل الشعبي: "خبز خبزيته، يا الرفله كليه".
وأخيرا:
الأسرة الآمنة من تحفظ كرامة أفرادها. 
والسلام. 

بقلم/
عبدالرحمن بن مشعل بن حضيض العوفي. 
طبرجل- السبت- ١٤٤٨/١/٥.
Abdurrahmanalaufi@gmail.com

الخميس، 18 يونيو 2026

شذرات

(شذرات)

١- من أكثر الأبيات التي أعجبتني:
قول عبدالخالق الزهراني وفقه الرب العلي:
وما بين القدوم إلى الرحيلِ * سيمضي العمر بالأمل الطويل 
وإن الناس غرقى بالأماني * ولا ينجو سوى النفر القليل
هي الدنيا تحذرنا بصمت * وتشعل نارها طرف الفتيل 
تقول لأهلها لا تأمنوني * فكم لي كل يوم من قتيل
وقول الشاعر سامي بن أحمد القاسم وفقه الله:
أمل ترعرع في الوجود يتيما * ومضى كما شاء الإله عظيما 
أوحى له الرحمن أنك مرسل * والكون بالشرك الوخيم سقيما 
فغدت به الدنيا توحد ربها * ورسولنا بالمؤمنين رحيما 
حتى أتى أمر الإله لنا بها * "صلوا عليه وسلموا تسليما"
وقول الآخر:
كم من عليل قد تخطاه الردى * فنجا ومات طبيبه والعُوّدُ
٢- من الأمثال التي سمعتها في قبيلة الشرارات في طبرجل:
خير ما في الدنيا حاضرها.
وأيضا:
يبراها ما يطاها. 
٣- حكم اليوم:
* معاداة الرجال؛ سم قتال.
* لا مفروح به أعظم من انسكاب غيث الإيمان في بيداء القلب المقفرة.

بقلم/
عبدالرحمن بن مشعل بن حضيض العوفي. 
طبرجل- الخميس- ١٤٤٨/١/٣.
Abdurrahmanalaufi@gmail.com

الثلاثاء، 16 يونيو 2026

شذرات

(شذرات)

١- من أكثر الأبيات التي أعجبتني:
قول عبدالخالق الزهراني وفقه الرب العلي:
الدين ليس ركيعات يقام بها * والقلب أسود من غل ومن حسدِ
الله ليس بمحتاج عبادتنا * لكنها تأخذ الإنسان للرشد 
خلاصة الدين في أمر سأوجزه * طهارة القلب قبل الثوب والجسد 
وقول لسان الدين بن الخطيب:
فإن غبت غاب الأنس عني بأسره * ومالي من عيش إذا لم تكن معي
وقوله:
وما عرفت نفسي ألذ من اللقا * وأندى على الأكباد من ساعة القربِ
وقول الآخر:
وإذا أحب الله يوما عبده * ألقى عليه محبة في الناسِ
وفي المدائح النبوية:
قول المعري في كتابه "لزوم ما لا يلزم":
دعاكم إلى خير الأمور محمد * وليس العوالي في القنا كالسوافلِ
حداكم إلى تعظيم من خلق الضحى * وشهب الدجى من طالعات وآفل
وألزمكم ما ليس يعجز حمله * أخا الضعف من فرض له ونوافل 
وحث على تطهير جسم وملبس * وعاقب في قذف النساء الغوافل 
وحرم خمرا خلتُ ألباب شربها * من الطيش ألباب النعام الجوافل
يجرون ذيل الملك جر أوانس * لدى البدو أذيال الغواني الروافل 
فصلى عليه الله ما ذر شارق * وما فت مسكا ذكره في المحافل
ومن النبطي:
العــز يـبـقـى والصـداقـة تـوافـيـق * ‏ياحـظ مـن خـاوى الوجـيه الكـريمة
‏لو طاحت أسواق الذهب والصناديق * ‏ما طـاح سوق أهل الوفـاء والعزيمة
٢- حكمة اليوم:
* أفكارك واجهة لغتك، وبيئتك، وقيمك. 
* استشعار النعم في أدق التفاصيل، نعمة أخرى تستوجب الشكر.

بقلم/
عبدالرحمن بن مشعل بن حضيض العوفي الحربي. 
طبرجل- الثلاثاء- ١٤٤٨/١/١.
Abdurrahmanalaufi@gmail.com