حيث قدر الله وكتب، انتقل طفل القرية من "حارة المكيسر" - القاطنة على ضفاف "وادي الدوداء" جنوب غرب المدينة وفي أحضان الجبال الدافئة - من تلك الحارة الوادعة إلى المدينة ليكمل الدراسة في الجامعة، انتقل من "الجامعة الإسلامية" إلى "جامعة طيبة" التي يفصل بينهما شارعان، ثم تخرج سريعا من الجامعة، ثم دخل "الدبلوم التربوي"، ثم عين معلما في "طبرجل" إحدى محافظات "منطقة الجوف" شمال المملكة العربية السعودية في نهاية عام ١٤٣٩.
ثم في عام ١٤٤١ كان زواج الحبيب، وفي عام ١٤٤٢ كان مولود الحبيب الأول "فرات"، أنبتها الله نباتا حسنا وجميع بنات المسلمين، ثم حصل الطلاق في رمضان المبارك من عام ١٤٤٥.
ثم فتح الله عليه - وهو الفتاح العليم -، فاختط لنفسه مشروع حياته، وهو العلم والتعليم، ونشر ثقافة القراءة والكتابة الإبداعية، فأنشأ "صالون رواد المعرفة الثقافي" بطبرجل التابع إلى "جمعية الأدب والأدباء" بالمدينة، وألف كتاب "شذرات من كتب ابن قيم الجوزية"، من إصدارات "مكتبة دار الحجاز" بالرياض، وبيع في "مكتبة جرير" وغيرها، ونفد من المكتبات خلال سنة تقريبا، ولله الحمد.
وبعدها صدر كتاب "كنوز من مكتبتي" عن ذات الدار، وبيع في "جرير" وغيرها.
وبعدها كتاب "شذرات ذهبية من كتب الأعلام"، عن "مكتبة خزامى" بعرعر.
ووفقه الله في أعمال أخرى تهيئ حياته لغد أجمل، وتخدم - وهو الأهم - مشروع عمره الذي نذر نفسه له "العلم والتعليم، ونشر ثقافة القراءة والكتابة الإبداعية".
وخلال تلك السنوات ما زال يحاول أن يقاوم، وأن يتعافى، وأن يتناسى بعض ما كان من سوء في الماضي، وذلك بالتزكية الشرعية والعلمية، والتنمية العقلية والفكرية والثقافية، وبتجويد العلاقات، وتمتين الروابط المستحبة، وركل الغثاء إلى الفناء، ومحاولة الرقي بالأفراد والمجتمعات عبر المشروع المرسوم والمخطط له.
كان كما تمنى "شاعرا مهتما بقضايا أمته الإسلامية والعربية"، ولا يحتاج إلى شيء أعظم من الثبات على الطاعة والهدى والحق والعلم والنور، وهو سؤاله الدائم في سجداته.
هو طموح، وطيب، وشاعر، ومؤلف، وكاتب، وكريم، لا يدعي ذلك أبدا - معاذ الله -، ولكن من التصق به عن قرب؛ شهد له بذلك.
هو ليس بمعصوم، وليس جلادا، هو ضحية في زمان ما، أو مكان ما، وما زال في طور التعافي والتجديد.
هو لا يرجو شيئا غير أن يرى فعلا بعين بصيرته الوجود جميلا، فعلا لا مجرد قول أو ثرثرة...
هو محاط بكثير من المحبطين والمثرثرين والمهرجين والمتنمرين، الحاسدين والحاقدين والناقمين، التافهين والمتكبرين والمتعالين، ولكنه أيضا محاط بأهل النبل وأرباب الفضل، فكيف يقسو؟!
إنه يعلم حقيقة تصارع الخير والشر، وهو يعيش في الواقع لا في الخيالات والأوهام، ولكنه لن يفلح إن أراد معالجة المرض دون جس موضع المرض، فلذا كان دقيق الملاحظة لأمراض الأفراد والمجتمعات المعاصرة، ويرقب بعينيه تلك الثغرات، ليسدها.
يعلم أن "الشق أكبر من الرقعة" - كما قيل في المثل المشهور -، ولكنه يجاهد بفكره وقلمه، بشعره ونثره، بماله وجاهه، وإن تنكر له أقرب المقربين، وباعوه بلا ثمن، بل أهانوه ولو بالنظرات!.
إنه جَلد مصابر، مرابط معاند، لا يستسلم لليأس، ولا يخرجه النصر عن طوره.
إنه طيب وليس بضعيف.
إنه يعلم، ولكن يتجاهل.
إنه لم يدخر شيئا لمشروعه إلا وبذله، وإن كان في نقص طعامه وشرابه ولباسه.
إنه متفرد - ليس بالنسبة إلى التافهين والجاهلين؛ بل إلى العظماء والمفكرين -، ليس أنه فوقهم أو تحتهم؛ بل لاختلاف الطبائع والأذواق والأفكار والمشارب والأخلاق والتصورات والمفاهيم والحقائق وما شئت من شيء يلتصق بالإنسان في جوهره أو في قشوره...
إنه متفرد في صوابه وخطئه، في سمعه وبصره، في حركته وسكونه، إنه إنسان له كينونته الخاصة، وذوقه الخاص، وفكره الخاص، وعلمه الخاص، وشعره الخاص، ونثره الخاص، ونفسيته الخاصة، إنه إنسان خاص!.
كيف له أن يكتب أو ينظم ويكون مجيدا أو قريبا من الإجادة والإفادة البديعة دون أن يشعر بالعظمة والفخر والزهو والمجد والشهرة والإنسانية في أسمى مراتبها؟!.
كيف له أن يشعر إن لم يتشاعر؟
كيف له أن يتفرد إن لم يقلد؟!
ومن التقليد يكون التفرد!.
كيف له أن يشعر بقيمته إن لم يسوق لفكرته، لعلمه، لثقافته، لأدبه، لشعره، لنثره؟!.
إنه لا يشحذ، لا يتكفف، لا يطلب ما ليس له، فلماذا البعض - أو لعله الكثير - لا يقابلونه إلا بما يصدق على الشحاذ أو المنتحل أو السارق؟!
تصدق؟ لقد حظره بعضهم لما سأله برسالة على ذلك المدعو "واتساب"!.
مواقف كثيرة تدل على مدى صغر تلك العقول، وضعف هداية تلك القلوب، ولكنه أصر، واستمر، ركز، وأصاب بعض أهدافه، واستمر، وأصر، وما زال يسير بخطى واثقة في تحقيق آماله وطموحاته...
وهو لا يزال يشكر لأهل الوفاء صنيعهم، ولكنه يحزنه للغاية البعيدة أولئك من ظن فيهم الظن الحسن، فخيبوا الظن، إنها "فتنة الخذلان" يا سادة، لعلني أصبت بها مؤخرا، حيث توالت علي أحداث، لعلها كانت نتيجة تراكمات، نعم "صدمات الطفولة"، و "المراهقة"، وما حصل من طلاق وفراق، وبعدها أحداث صغيرة نعم، لكنها مؤثرة بلا ريب، الغبي من ينطلي عليه تغافلي، أو بالأحرى من لا يحس بي، أو لا يشعر، أو بالأصح لا يريد أن يحس بي أو يشعر، كأننا بالضبط في "نادي الضباط" أو في "ميدان القتال": نفذ، فحسب، أوامر، افعل ولا تفعل، ولا تجادل، وهنا "مغالطة الحوار"، قلب الحوار إلى جدال، وهذا "عين النرجسية"، وفي ديننا "عين الكبر".
إنه يعلم ما يجره عليه "الوعي الزائد"، ولكنه يأخذ راحة بين الفينة والأخرى، فلا يقرأ ولا يكتب كالعادة، بل يخفف من ذلك كثيرا، خاصة في تلك الإجازة الصيفية التي تأتي وتطل علينا بعد نهاية العام الدراسي، وهي شهران، تسمن وتغني من استغلها واستثمرها، ولا تسمن ولا تغني لمن ضيعها وفرط، كما هي عادته المستحبة.
إنه لُدغ كثيرا، أهين، تهكم عليه، وواجه من قلة الأدب وقلة الذوق وقلة المروءة، ما الله به عليم، وما زال يقاوم...
إنه يعلم حقيقة هذه الدار، وأنها دار فتنة وابتلاء، ولذا قال: "ما أجمل الصبر، لا، بل ما أجمل العافية".
إنه مدين لكل من علمه وأرشده وأدبه، وهو يقول "شكرا" لكل من رعاه ورباه، ولو لم يرد بحرف على كلمة الشكر.
إنه يعلم أن الإنسانية أخذ وعطاء، ولن تأخذ حتى تقدم، وستواجه من المعضلات ما يعجز تصوره، ولكن ماذا نصنع بأقدار كتبت علينا إلا الرضا والتسليم، ولذا فهو مسلم لله رب العالمين.
يسأل، يكتب، يتصل، يؤدي الواجب، ثم ما عليه إن جوبه بصد أو نكران، إنه فحسب يخاف أن يعتاد الإذلال والإهانة كما اعتادها في صغره، وما زالت مؤثرة في تكوين شخصيته، ولكنه - والحمدلله - ما زال يقاوم...
إنه في النهاية "إنسان خاص".
للبقية تكملة بحول الله وقوته.
إلى اللقاء يا أصدقاء.
بقلم/
عبدالرحمن بن مشعل بن حضيض العوفي.
طبرجل- الثلاثاء- ١٤٤٨/١/١٥.
Abdurrahmanalaufi@gmail.com