يكاد يتفق العقلاء على أن تسعة أعشار العافية هي في كلمة واحدة "التغافل".
وأكاد أجزم - من خبرتي في الحياة ومخالطة بعض النفوس الصالحة والمهترئة المتقادمة على كر الأيام في غيابات الجهل وظلمات التخلف - أكاد أجزم جزما لا مرية فيه بأي وجه من وجوه المراء أن الرجل عندي هو المتغافل لا الغافل بطبيعة الحال.
حصلت لي مواقف كثيرة، آخرها بالأمس:
رجل جاء إلى النادي أو المجلس أو الديوانية، عهدي به أو عهده بي قبل شهرين، جاء ولم يسلم لا لفظا ولا مصافحة، وأجلس في المجلس بجانب أحد زملائه، هممت بالقيام له، لكن عزة نفسي، وتغافلي لا غفلتي أقعدتني أو عقرتني، من لا يراني؛ لا أراه أي شيء، نعم، لا أجابهه بالعداء، ولكن أحفظ كرامة نفسي وعزتي واعتزازي، أحفظ إنسانيتي، مركزيتي، شخصيتي، ذاتي، وكل ما يتعلق بي من الوجه وماء الوجه، أصون نفسي وأرفعها عن رؤية من لا يراني أو يتجاهلني أو يظنني غافل، وإنما أنا متغافل، ولست بغافل.
الكرش والصوت المرتفع والجسم الطوال، المنصب والجاه، الشهرة وتوابعها، القبيلة والأسرة، المنطقة، الشكل والجمال، كل ذلك لا يصنع منك رجلا، الرجولة سماتها وصفاتها مبثوثة في القرآن الكريم والسنة النبوية المطهرة، وفي كتب الأدب والسير والتراجم والذكريات والمذكرات واليوميات، من قرا؛ رقى، ومن وقف؛ عرف، واغترف، ولكن كيف للجاهل أن يعلم أنه جاهل؟!
المصيبة من يظن الديانة في نفسه والعقل والرجولة، وهو لا يعدو أن يكون ذكرا لا رجلا، وأن الناس تتقي شره، لا لأنها تحبه، وفي الحديث: (إن شر الناس عند الله منزلة يوم القيامة من تركه الناس اتقاء شره) أو (فحشه).، أو كما قال صلى الله عليه وسلم.
وإن هذا من ذاك الصنف، لا أخلاق المسلم، ولا مروءة العربي الجاهلي.
هذا موقف من المواقف، وغيرها كثير، ولكن لا أحب الإطالة، وأنا الآن جالس في مكتبتي الخاصة في "طبرجل"، مستوفز لقراءة كتاب "فيض الخاطر" للكاتب المبدع الأديب أحمد أمين، عليه رحمات رب العالمين.
ووالله ترددت قبل كتابة هذا المقال، أو هذه "الفضفضة"، لأن تركيزي هذا العام على القراءة أكثر من الكتابة، وهي نصيحة شيخي الأديب الأديب المتفنن محمد بن سعود الحمد التميمي وفقه الرب العلي، ولكن ماذا أصنع وكيف أشفى والكتابة دائي وعلتي ومرضي وشفائي في ذات الوقت؟!
أعتقد أنني لا أستطيع الفكاك عنها، فلذا صبركم علي، ودعاءكم للعبد الفقير بأن تتحسن حالته ومقدرته في هذه العلة الشافية في آن واحد، فإنها عنده متنفسه الأمثل، بها يبوح، ويبث شجنه وحزنه، وينشر فرحه وضحكه، فهي المعبرة الصادقة، تفصح عن بعض ما يداخله من شعور، أو ما يختلج في ضلوعه وبين جوانحه وفي دخيلة عقله ودماغه من أفكار ورؤى، وهي بعد ممهدة للطريق لمن بعده، فالأفكار إن حبست ماذا نستفيد منها؟
لا بد لكل مفكر وكاتب وأديب أن يكون على شيء أو جانب كاف وصحيح من الثقة والأنا في موضعها، حتى يسير على الدرب، أو يمهده لمن يأتي بعده، المهم لا تراجع ولا هزيمة، ونعم للتصحيح والمراجعة والتنقيح والتوضيح.
وعذرا لقد أطلت. مع السلامة.
بقلم/
عبدالرحمن بن مشعل بن حضيض العوفي الحربي.
طبرجل- الأربعاء- ١٤٤٨/٣/٦.
Abdurrahmanalaufi@gmail.com
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق